GMT 20:00 2007 السبت 19 مايو GMT 15:04 2007 الإثنين 16 يوليو  :آخر تحديث

هذا هو الشعر الحر وليس

عبد القادر الجنابي

الحلقة الأولى: نقاط تمهيدية

نحن لم نرافق ولادة المصطلح الثقافي الذي يأتي عبر جهد ورؤى لثقافة حيوية، ولم نتابع سيرورته / تداعياته، مما جعلنا هذا نجهل شروط نموه إلى مصطلح آخر أكثر استقلالية وتحررا في بيئته البعيدة عنا، يحتاج إلى قراءة جديدة خارج معايير معطى ماضيه... لقد عشنا، في خمسينات القرن الماضي وستيناته، مثلا، فورة ثقافية ناقصة تقوم على التعليق وليس على النص؛ على الفرع وليس على الأصل. انبثقت حركة "الشعر الحر" في لغتنا الشعرية، وقدمت أعمالا وأثارت سجالات من كل نوع، ومع هذا قلما تجد واحدا يستطيع أن يوضح ما هو "الشعر الحر" تاريخيا أي ضمن معطياته لدى الآخر الذي أخذنا منه المصطلح.
كان لدينا مترجمون كبار نعتمد عليهم اعتمادا كليا خصوصا في مجال الآداب الأجنبية: جبرا ابراهيم جبرا، احسان عباس، محمد يوسف نجم، سلمى خضراء الجيوسي، جميل الحسني، منح خوري، يوسف نور عوض، نظمي لوقا... وقد قاموا بمساعدة مؤسسات كفرانكلين وغيرها، بترجمة كتب نقدية حول الشعر، من بينها: "الشعر والتجربة" لماكليش، "شعراء المدرسة الحديثة" لروزنتال، "فائدة الشعر وفائدة النقد" لاليوت، "مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق" لديفيد ديتشس.. الى اخر الكتب التي كان الشاعر الطالع آنذاك يقرأها بنهم.. ومع هذا ظل جاهلا في قضية "الشعر الحر"، بالرغم من أن الشعراء المدروسين في هذه الكتب اغلبهم من رواد الشعر الحر. وأحد الأسباب هو أن هذه الكتب مكتوبة لقراء لهم أصلا معرفة أولية وأساسية بالمصطلح النقدي المعني مما لم يجد مؤلفو هذه الكتب حاجة إلى إعطاء تعريف مدرسي وتاريخي لمصطلح الشعر الحر،

عزرا باوند
مثلا، بل فضلوا أن يتبحروا في النظريات النقدية التي أفرزتها تجارب الشعر الحر، دون تزويدنا بخلفية مجمل المفاهيم المتناولة في كتبهم..
عندما يسعف الحظ أحدنا بأن يعيش في دولة أوروبية، فسرعان ما يندهش من جهله المطبق بشتى الأمور الصغيرة التي كان يدعي معرفتها. أتذكر كم كان كتاب والاس فولي "عصر السوريالية" مطلوبا وكأنه الكتاب المقدس في ستينات بغداد، بينما ما إن توفرت لي بعض مصادر السوريالية الحقيقية في لندن وباريس، حتى تبيّن لي كم بعيد "عصر السوريالية" من أبسط مفاهيم السوريالية.. والصادم إني لم أجده مذكورا في كل قوائم المراجع التي وضعها مؤرخو السوريالية في نهاية كتبهم، وإذا أشير اليه في كتاب ما، صدفة من باب ذكر كل ماصدر عن السوريالية، فدائما مع جملة موضوعة بين قوسين (المؤلف في قمة التشويش والتخبط). بينما كان هناك في الانجليزية في منتصف الستينات كتاب قيم لماتيوس: "مدخل إلى السوريالية"، وهو الكتاب الأول من مجموعة كتب مذهلة حول السوريالية، ثاقبة في عرضها وتحليلها وكأنها تكاد تكون مكتوبة من داخل الحركة السوريالية، كان صديقا لي سبق له أن اشترك بمقال في مجلتي الانجليزية Grid. توفي ديسمبر 1986.

أما الذين كنا نتصورهم متفهمين ومطلعين بعمق على تاريخ المصطلح كالشعر الحر مثلا، وتطوراته، لم يكن هؤلاء، في الحقيقة أقل جهلا من قراء لا يعرفون لغة ثانية. خذ مثلا جبرا إبراهيم جبرا الذي قال أن شعر الملائكة والسياب لا تصح تسميته بـ"الشعر الحر" وإنما يجب أن تطلق التسمية هذه على شعره هو وشعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط. لماذا؟ كيف؟ لم يعطنا تفسيرا مقنعا. لكن لا أدري إذا كان واعيا أن أفضل قصائد حركة الشعر الحر، في نظر النقاد، هي تلك التي كتبها شعراء متضلعون بالعروض الانجليزي إلى حد أنهم عرفوا يتلاعبون بالتفاعيل وبالمقاطع النبرية وغير النبرية لخلق وحدة وزن جديدة لقصائدهم تسمح للعروضيين بتقطيعها واستخراج تفعيلات جديدة اعتبرت فيما بعد تطويرا للعروض المعطى. وخير مثال قصيدة اليوت "أغنية حب جي الفريد بروفروك" المسكونة بخماسي التفاعيل الايامبي الذي برع به اليوت. في الحقيقة ان الكتب التي ظهرت مؤخرا حول مسالة Free Verse تكاد تؤكد أنه ليس هناك "شعر حر" واحد وإنما مئات من "الشعر الحر"، يسكنها شبح وزن ما.. بينما في الفرنسية هناك شعر واحد تتغير فيه فقط مقاربات الطرح من شاعر إلى آخر.

إن شعراء التفعيلة (كالملائكة والسياب والبياتي) هم نقطة الانطلاق الأولى للشعر الحر على الأقل بمفهوم أوائل الشعر الحر الانجليزي... لكنهم توقفوا عند الأسس (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، مثبتينها قيودا خليلية جديدة دون أن يذهبوا أبعد من ذلك. لذلك اوجدت ظروف الرغبة بالتحرر في

غوستاف كان مؤسس الشعر الحر
مطلع خمسينات القرن الماضي مغامرين آخرين كتوفيق صايغ، محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا إلى التوسع في امكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو او بقياسات شعر التفعيلة. كما أن هناك بندا اساسيا في الشعر الحر الأوروبي هو استغلال الطاقة التعبيرية للفقرة النثرية إيقاعيا، وجعل الجملة النثرية جزءا حيا من ايقاع الشعر فيولد شعور لدى القارئ وكأنه يقرأ كلاما نثريا، وصلاح عبدالصبور أجود مثال لهذا في الشعر الحر العربي. كما أذكر القارئ أن صايغ لم يعنون ديوانه الأول "30 قصيدة" نثر... ولم يشر إلى أنه يقدم نماذج قصيدة نثر. كما أن الماغوط لم يشر في أي ديوان من دواوينه قصائد نثر، وإنما شعر وهذا مذكور حتى في لائحة مجلة شعر لكتبها الصادرة، لكنها ميزت ديوان أنسي الحاج "لن" بـ"قصائد نثر". وفي مقال في مجلة "الآداب" (كانون الأول عام 1962)، شتم فيه جماعة "شعر" واستهزأ بقصيدة النثر حد الاتيان بمقطعين من شوقي ابو شقرا وأنسي الحاج ليبين رداءة قصيدة النثر الذي تفتخر "شعر" بنشرها. وفي نفس المقال كتب الماغوط: "الشعر العربي الأصيل الموزون... يجب ان ينمو أيضا، ويتطور ويتجاوب مع حياتنا الجديدة المعقدة لغة وشكلا ومضمونا".. وهنا مقطع من قصيدة الماغوط "أغنية لباب توما"، مقطع ينطلق وقعا وتدفقا من القناة اللاوعية لشعر التفعيلة الحر لكن بحرية أكثر، لأن شعر الماغوط بالأخص، هو، بكل بساطة، تطور وامتداد طبيعي لحركة الشعر الحر العربي:
ليتني وردةٌ جوريّة في حديقةٍ ما
يقطُفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشبِ الأحمر
يرتادُها المطرُ والغُرباء
ومن شبابيكي الملطّخة بالخمر والذّباب
تخرجٌ الضوضاءُ الكسولة
إلى زقاقنا الذي يُنتج الكأبةَ والعيونَ الخُضر
حيث الأقدامُ الهزيلة
ترتع دونَما غايةٍ في الظلام...

عندما كتب الماغوط هذه القصيدة في منتصف خمسينات القرن الماضي، لم تكن هناك امامه نماذج مطروحة كقصائد نثر على الاطلاق، بل حتى لم تكن ثمة تسمية من هذا النوع، وإنما كل ما كان أمام الماغوط من شعر رائج هو شعر منثور أو شعر التفعيلة، وطبعا ديوان توفيق صايغ، وترجمات ليست لها البعد التأثيري لترجمات مجلة شعر فيما بعد. ناهيك أن كل من يقرأ مقطعا كهذا سينتابه شعور عفوي وكأنه يقرأ قصيدة موزونة، بل قصيدة عمودية، سواء كان يعرف العروض أم لا... شعور يستحيل أن يحسه قارئ قصيدة النثر بالمعنى الأوروبي للكلمة. آه لو يظهر ناقد من بين عشرات نقاد الإنشاء الكسالى الذين باتوا مسيطرين على الصفحات الثقافية يتبركون بعبارات مدح على هذا وذاك، أن يعمل فكره ليكتشف لنا ما سمي في الدراسات الانجليزية: "وَحْدات وزنية مفقودة"  Missing Measures

إن مواقف الملائكة ضد تطورات تيارها الشعري وتداعياته المتمثلة بشعر الماغوط مثلا، كانت لا تختلف على الاطلاق من تصريحات روّاد الشعر الحر كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، المضادة لشعر أخذ ينتشر باسم "الشعر الحر" في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري، مما حدا بكارلوس وليامز إلى أن يتنصل من صفة شاعر حر، وباليوت إلى نفي وجود شعر حر! وحبذا أن نجد ناقدا واحدا يقوم بمقارنة لدراسة نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" عن "بداية الشعر الحر وظروفه" مع مقالة تي اس اليوت "الموسيقى في الشعر" و"تأملات في الشعر الحر"، علّ الحقيقة تتضح بأن كل ما في مقالة الملائكة من أفكار هي عين الأفكار التي طرحها إليوت... لكن عن وعي دفاعي يخشى عواقب "التمرد" المنطقية الذي أدعت أنها رائدته.
كما لم يقل لنا جبرا إبراهيم جبرا أيضا لماذا، وهو محقٌ في هذه النقطة، أن تسمية "الشعر الحر" تصح فعلا أن تُطلق على شعره وشعر الماغوط وصايغ. كيف يمكنه إعطاء تفسير نقدي واضح، وهو، بكل بساطة، بالغائه صفة الشعر الحر من شعر الملائكة، عتّم على اللبنة الأولى لما سيتطور طبيعيا (وهذا عين ما كانت تخشاه الملائكة) من نموذج شعري مشطّر يحاذي بل يتمثل شعر التفعيلة في كل شيء ( الصورة، الجناس، الوقفة التي لاتثبت على حال، التدفق...) إلا في احترام شروط التفعيلة المعطاة.. إذ أن هذا النموذج المسمى "قصيدة نثر" اختار بوجه الإيقاع العروضي الوقعَ الانسيابي المعتمد على المعنى أكثر مما على الوزن، وعلى الإحساس أكثر من التفعيلات، معتبرا "إيقاعات النثر التي هي أكثر مرونة وشمولية، مصادرَ عروضية جديدة"، على حد عبارة كلايف سكوت..
إن ما يؤسف له هو أن ما يسمى خطأ "قصيدة النثر العربية" (التي لما كانت لتظهر لو لم تحدث ثورة الشعر الحر العربي على قيود الأوزان الخليلية) بقيت محتقرة عَروضيا حتى يومنا هذا، رغم أن لها تجارب منذ اكثر من نصف قرن، لم تجد متبحرا واحدا في العروض العربي، يخصص وقته للعثور على تفاعيل / بحور غير معروفة للأذن العربية في عدد كبير من أفضل ما كتب تحت هذه اليافطة الخاطئة: قصيدة نثر، ويقوم بقراءة تقطيعية جديدة لها.
لقد التفت ابن خلدون، دون توضيح مسهب، إلى أن هناك أوزان لم يعرفها العرب في ظروفهم آنذاك: "... ليس كل وزن يتفق في الطبع، استعملته العرب في هذا الفن، وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة: البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا، بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية، نظما"!

نحن اليوم في مطلع الألفية الثالثة، وما لم يجده العرب في سالف خيامهم نظما، هو اليوم يتدفق معا شكلا ومضمونا على اسفلت العولمة، يتفق في الطبع والذهن، في الروح والجسد: إنه وزن آخر من جل الموازين الطبيعية التي لم يعرفها عرب الألف الأولى.

***
كانت هناك عدة كتب بقلم كتاب كبار تناولت مسألة "الشعر الحر"، وباللغة الانجليزية التي ادعى هؤلاء السيطرة عليها: للمثال كتاب مانسيل جونز عن "الشعر الحر" طبع عام 1951 في اكبر دار نشر يعرفها بالأخص مترجموننا هؤلاء: كيمبريدج، واعيدت طباعته عام 1968. وهو يعتبر من أهم المراجع الأولى حول حركة الشعر الفرنسي في فرنسا.. وبلغة واضحة مع شهادات مؤسسي الشعر الحر الفرنسي... ويتناول الخلفية التاريخية التي مهدت للشعر الحر الفرنسي، ومن بين هذه التمهيدات قصيدة النثر.. شيء جيد أن

تي اس اليوت
يعرف القارئ أن قصيدة النثر الفرنسية كان لها دور في انبثاق الشعر الحر وليس كما عندنا وعلى نحو خاطئ، كما سأبين فيما بعد.
لماذا لم يُترجم هذا الكتاب الذي ظهر في السنوات الأولى من ميلاد حركة الشعر الحر في العالم العربي، وبالأخص أنه يضيء جوانب عديدة كان النقد العربي آنذاك مثلما اليوم في أشد الاحتياج إليها لتقوية أدواته النقدية في مسألة الشعر الحر التي تكاد تكون ترجمة حرفية للشعر الحر الغربي. بل لكان قد قرأ القارئ العربي أول تقديم تعريفي لمصطلح قصيدة النثر فتترسخ في ذهنه بعض مميزات هذا الجنس الجديد، ولربما لدفع التعريف هذا عددا من الشعراء الشباب آنذاك لارتكاب قصائد نثر عربية رائدة بالمعنى الصحيح للمصطلح (انظر مقالتنا التعريفية).
 ومن غريب الصدف أن هذا الكتاب يبين لنا أن الشعر الحر الفرنسي أيضا رافقته سجالات من كتبَ أولا قصيدة حرة؟ "غوستاف كان" أم "جول لافورغ"، والنقاش جد حاد بين قصائد الاثنين إذ تتقارب تورايخ نشرها (كما عندنا: أيٌّ كانت أولَ قصيدة حرة: "كوليرا" الملائكة أم "هل كان حبا" للسياب)، وأن الشعر الحر مؤامرة أجنبية لتهديم نقاء اللغة الفرنسية بتهديم عموده الأساسي البحر الاسكندراني (كما أشيع عندنا في خمسينات القرن الماضي بأن الشعر الحر مؤامرة لزعزعة التراث العربي)، وأن الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان هي التي مهدت الطريق لظهور الشعر الحر، وأُستعملَ في هذه الترجمة أسلوبٌ وزني سيعرف فيما بعد باسم الشعر الحر وكان له دور مؤثر على "كان" و"لافورغ" الذي قام بترجمة ويتمان، وهذا الاعتبار لا يختلف عن طروحات عدد من النقاد العرب بأن ترجمات باكثير لشكسبير سبقت نماذج الشعر الحر العربي الأولى وكان لها دور مؤثر على الملائكة.

***

من خلال بحثي عن مصادر تتناول قضية "الشعر الحر"، وجدت ما يقارب 9 كتب حديثة بالانجليزية ساذكرها في مراجع الحلقة الثانية من هذا المقال، أما في الفرنسية فلم أجد (طبعا باستثناء التعريفات المقتضبة التي نجدها في المعاجم الفرنسية، وبضع صفحات مهمة في كتاب ميشونيك "نقد الإيقاع") سوى كتاب صغير واحد (70 صفحة من القطع الصغير) يتناول الشعر الحر: "أوائل شعراء الشعر الحر" وهو محاضرة ألقاها احد روّاد الشعر الحر: ادوار دوجاردان في السوربون عام 1922، وكتاب هنري مورييه "إيقاع الشعر الحر الرمزي وعلاقاته بالمعنى"...  بينما في الانجليزية هناك عشرات الكتب ومئات المقالات التي تتناول قضية الشعر الحر... وخصوصا خلال السنوات العشر الأخيرة، ظهرت كتب عميقة تعيد النظر في كل مسالة الشعر الحر بأسلوب ممتع وصارم مصطلحيا. وقد يستغرب القارئ متسائلا: كيف والشعر الحر الانجليزي هو ابن الشعر الحر الفرنسي؟ لكل شيء جواب، وهنا جزء بسيط منه: أن الشعر الفرنسي مقطعي أي وحدته الوزنية تقوم على عدَ المقاطع اللفظية وتساويها من بيت إلى آخر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رسالة البيان التحرري من العروض الكلاسيكية، لحركة الشعر الحر تتجلى في حذف s الجمع من كلمة Libre وكلمة  Vers في المفهوم اللساني الكلاسيكي هي دائما جمع لأن البيت الاسكندري يتكون من شطرين لذلك أي نعت يضاف الى Vers ، كما في تيار  Vers Libérés ، فأن s الجمع يضاف.

بينما اللغة الانجليزية لغة نبرية ومن هنا تقوم وحدة الوزن الشعري على تفعيلة مكونة من مقطعين كما في البحر الأكثر شيوعا الايامبي، وعلى ثلاث مقاطع كما في البحر الانابيست. على أن القياس الوزني للتفعيلة في الشعر الحديث يقوم على المقاطع المنبورة وغير المنبورة على عكس ما كان معروفا في الشعر الانجليزي الكلاسيكي المقطع الطويل والقصير. لكن في الشعر الحر، كما اوضح باوند: "يمكن تشخيص التفعيلة، المتفق عليها في الشعر الكلاسيكي، لكن الوزن، كما هو معرف تقليديا، لا يظهر". أو بعبارة اليوت الشهيرة: "على شبح وزن بسيط ما، أن يترصّدَ من وراء الستارة حتى في الشعر "الأكثر حرية"؛ فيتقدّم على نحو مهدّد ما إن نغفوا، ويتراجع، ما إن نصحوا. الحرّية حريةٌ حقا عندما تظهر بوجه قيد مصطنع". ومعظم الدراسات المعاصرة للشعر الحر المكتوب باللغة الانجليزية، تحاول تقطيع هذا الشعر وايجاد وحدات وزنية شبه مفقودة تتوافق، بشكل ما، مع وحدة الوزن المعروفة.
هذا شيء لا وجود له في الشعر الفرنسي، إذ كل ما يحتاجه التحرر من قيود الوزن عند الشاعر الفرنسي هو إلغاء حساب المقاطع لاغير (طبعا ينحو كل شاعر حقيقي إلى الاعتناء بتقطيع يتقاطب ووقع أحاسيسه وأسلوب يتماشى وتدفق أفكاره). وعندما يلغى عَـدُّ المقاطع ويعود الشاعر لا يفكر به، لا تعود هناك التباسات كثيرة مثلما موجود في الشعر الحر الانجليزي، تحتاج إلى شروح ومساجلات، وكما وضح دوجاردان: "الشعر الحر يجهل عدّ المقاطع syllabes ". ناهيك أن ظهور السوريالية نسف فكرة وجود "فن شعري"، نموذج يُتبع، إذ أعادت السوريالية للمخيلة البشرية حقها الأساسي باتخاذ الشكل الذي يتدفق في آن مع تعبيرها.

***

أما حركة "التصويريين" التي اطلقت الشعر في اللغة الانجليزية، فليس هناك مرجع عنها بالعربية.. والأنكى أنه كانت هناك فرصة كان يمكن للقارئ العربي أن يطلع من خلالها على هذه الحركة تعريفا ونقدا في الكتاب الذي اشترك فيه عدد كبير من الاخصائيين، حرره لدار بنغوين مالكولم برادلي وجيمس ماكفارلن: "الحداثة".. والذي قام بترجمته الى العربية مؤيد حسن فوزي وصدر بجزئين في بغداد (1990)... إلا أن المقال المتعلق بحركة "التصويريين" لم تتم ترجمته وحذف من الطبعة العربية لسبب جد بسيط هو ان كاتبه نتان زاخ شاعر إسرائيلي، وثقافة اللاتطبيع تتطلب هذا التجهيل! لحسن حظ القارئ ان كاتب مقال "قصيدة النثر والشعر الحر" كلايف سكوت لم يكن إسرائيليا. فمقاله رغم الترجمة الركيكة يسلط بعض الضوء على هذين الجنسين المنفصلين. وتجدر الاشارة هنا إلى أن لكلايف سكوت كتابا جد مهم بالانجليزية حول "الشعر الحر": يتبع فيه طريقة جديدة نبرية يستطيع اثبات أن عددا من قصائد الشعر الحر الفرنسي الرائدة مهما تحررت لم يمكنها الابتعاد عن النموذج الذي تتمرد عليه.

هناك معجم جد كبير حرره الأديب الراحل مجدي وهبة صدر عن مكتبة لبنان: "معجم مصطلحات الأدب". ومن المعروف أن مجدي وهبة شخصية ثقافية متبحرة في علوم الأدب، ومعجمه هذا يدل على المام كامل بكل مصطلحات الأدب، مستعملا طريقة جديدة يقدم مقتبسات بالانجليزية والفرنسية لأدباء أجانب كبار تعرف مفهوم الشاعر، ثم يقدم تعريفا مفصلا تارة وتارة مقتضبا بالعربية.
لكن... مما يؤسف له أنه أولا، لم يكتب إشارة واحدة إلى جنس "قصيدة النثر"، وكأنها غير موجودة مع العلم أن تعريفا بها مذكور في كل المعاجم الفرنسية والانجليزية التي استعان بها. وثانيا خلط في تعريفه بالعربية لـ"الشعر الحر"، بين مميزات اتجاهين مختلفين: هما  Vers libérés أي "الشعر المُحرّر" أو المتحلل من بعض قيود وزنية لكن دون المس بأسس العروض الفرنسي وأفضل من يمثل هذا الاتجاه هو بول فيرلين، وتيار Vers libre "الشعر الحر" المتحرر كليا من قواعد العروض الفرنسي.

***

هناك أخطاء فادحة شائعة وسط الشعراء والنقاد وأتباعهم القراء:
بأن فيرلين هو رائد الشعر الحر بينما كان من أكثر المتحفظين على تيار الشعر الحر Vers libre وعلى عكس مالارميه الذي رحب بالشكل الجديد مع التزامه كتابيا بالبحر الاسكندري (وسمي نسبة إلى ملحمة كتبت في تمجيد ألكسندر ذي القرنين يتكون فيها البيت الشعري من شطرين تفصلهما فاصلة وزنية وفي كل شطر ستة مقاطع). لم يكتب بول فيرلين قصيدة واحدة تعتبر شعرا حرا، على العكس أنه كتب قصيدة ابيغرام الشهيرة يستهزئ فيها من هرولة الجيل الجديد الى كتابة الشعر الحر.

وبأن بودلير اخذ من وولت ويتمان، بينما لم تترجم بعض قصائد ويتمان الا بعد موت بودلير وليست هناك وثيقة واحدة تؤكد أن بودلير قرأ ويتمان او سمع به، بل على العكس، إن ويتمان هو الذي سمع ببودلير عن طريق مقالة لسان بوف ترجمت إلى الانجليزية يتطرق فيها إلى أفكار بودلير في مفهوم الحداثة، وقرأها ويتمان واقتبس منها مقطعا لبودلير، في مقدمته لـ"اوراق العشب".

وبأن الشعر الحر الأوروبي غير موزون... وبأن الشعر الحر الأوروبي موزون... وبأن التحرر من الوزن نفسه في فرنسا كما في ألمانيا، أو انجلترة، بينما كل لغة لها إيقاعها العضوي الذي يفرض في نهاية الأمر مسار التحرر من قيوده... وبأن بأنّ، بأنّ، بأن الخ.

 

الحلقة الثانية: انبثاق حركة الشعر الحر في فرنسا، دور الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان، الإحياء الانجليزي للشعر الحر



في ثقافات