GMT 10:30 2010 الثلائاء 19 يناير GMT 17:55 2010 الخميس 11 فبراير  :آخر تحديث

استراحة في ظلال الحرف الأبجدي

توفيق آلتونجي

 توفيق آلتونجي: حينما أضافت عبقرية إنسان ما بين النهرين الرسم للكلام المنطوق استخدم عصا مدببة من قصب البردي المنتشر في اهوار الجنوب للكتابة. هذا القصب المدبب يستخدم لحد يومنا هذا في رسم الفني "الخط" للحرف الأبجدي "الف باء" المستخدم في اللغات الشرقية الحديثة في الكتابة من عربية و أوردية وفارسية وتركية عثمانية وكوردية وباكستانية وأفغانية كما استخدمت في النصوص الافستائية القديمة "اللغة الزرادشتية" في إيران والهند ولغات أخرى. هناك فرق بين اللغة وشكل الكتابة حيث نرى بان اللغة التركية الحديثة تكتب بالأحرف الاتينية  التي من المعتقد انها شرقية المصدر كذلك ومن بلاد الفينيقيين، لبنان حاليا، بينما كانت تكتب اللغة التركية بالحروف الأبجدية حتى نهايات الحرب العالمية الاولى. ان جمالية الحرف لا يأتي فقط من الانحناءات والانعطافات والتنقيط والتحريك بل من معاني مجهولة صوفية المنهل لا يعي كنها البشر ف "الكلمة" كانت ولا تزال تزاول تأثيرها الروحي و السحري العجيب على نفوس البشر.
 حل رموز الكلمات بقت تاريخيا منحصرا بين طبقة رجال الدين فهم  حافظوا على توارثها، قراءة وكتابة، وسرا من أسرارهم يتوارثونها أبا عن جد. استخدام سحر الكلمة في النص المقدس في المعابد حيث نرى نصوص من الكتابة عند السومريين والبابليين والأشوريين حفرت على الحجر او على الرقم الطينية في معظم متاحف العالم. هذه التقاليد بقت تزاول في معظم العقائد القديمة حيثما تواجدت.  لا ريب ان بلاد الرافدين كان مكانا خصبا لظهور وانتشار تلك المعتقدات.اليوم نجد آثار تلك العقائد القديمة في الديانات الباطنية المنتشرة في كوردستان بصورة خاصة ك الايزيدية واهل الحق والكاكائية والقزل باشية وحتى النقشبندية والمولاوية "نسبة الى المتصوف مولانا جلال الدين الرومي" والطرائق الدينية المتواجدة في ربوع كوردستان والدراويش. النص المقدس لم يتم تدوينها بل على الأكثر تم تداولها شفاهيا بين ابناء طبقة رجال الدين. حتى ان الكتابة انحصر بين ابناء تلك الطبقة بإعطائها ميزة وصفة مقدسة لا يبوح احد بسره.
استخدم الفنان التشكيلي العراقي الخط كأداة تكاملي في اللوحات الفنية وهناك العديدين من التشكيليين العراقيين لا يزالون يستخدمون الخط في رسوماتهم ولوحاتهم. الحرف ربما ك صوت لا يعني شيئا أذا لم يتم تشكيلة وربطه بحروف أخرى لا بل أحيانا نحتاج عدد من تلك الكلمات كي نفهم ما يعنيه الآخرون. لكن الحرف التشكيلي يخترق المجهول من المعاني ليأخذنا الى عالم نطلق فيها الخيال الى عنان السماء ونحلم. لقد استخدم التشكيليون القدماء الخط كأداة جمالية في المخطوطات القديمة التي وصلتنا. بجانب النمنمات، رسومات صغيرة الحجم استخدم في الكتب والمخطوطات القديمة كصور توضيحية او رموز دينية يعتقد ان تلك الرسوم تجد اصولها في حضارات الصين القديمة وانتشرت عبر الهند الى ايران والى دول المشرق لاحقا. كان الخط من أهم عناصر تلك اللوحات الفنية التي زينوا بها الكتب التراثية والنصوص المقدسه. نرى كذلك إن الديوان العثماني والفارسي قد استخدم الحرف والخط في إعطاء هيبة ووقار للكتابات والأوامر الرسمية السلطانية "الفرمان الهمايوني".

 

يبقى ان نعلم بان الحرف كتشكيل يضيف الى جمالية العمل الفني طلسما يريد به الرسام ان يأخذ بيد الملتقي "المشاهد" الى عالم سحري يقبل التأويل دون أي حواجز او قيود. ان الذكاء البشري يقبل كل رموز عالم الخيال بحدودها ألانهائية بينما يبقى معالجة الفنان التشكيلي لا يعني الا معالجة شخصية فحسب.
سأحاول في لقائي مع احد رموز الفن التشكيلي العراقي خوض غمار تلك التجربة الشخصية وكيف تمكن معالجة الحرف كخط وتكوين في أعماله التشكيلية والكرافيك واعني الرسام التشكيلي الأخ حسين كاكائي. سألته عن معالجته للتاريخ كمصدر لإلهام المبدع فرد قائلا: ما زلت انا بنفسي فی طور البحث عن انسب اسلوب لی. عندما نکون فی بحث دائم بالأستعانة الی موروثنا الفکری والحضاری و نستنبط من حروف الكتابة ومن منهل الموروث الثقافي لحضارة وادی الرافدین. واستلهم  انا بنفسي من الحرف جانبا روحیا فالشرق زاخر بمصادر الألهام  حيث يمکن تسخیرها بشکل یطاوع الحداثة والمعاصرة.
البيئة ومحاكاة الواقع خاصة محاكاة جمال ريف ربوع كرميان وكوستان وعن تاثيرها  انعكاس تلك البيئة على العمل الفني يرى انه  قد یکون التأثیر غیر مباشر فی أعماله إلا إنه يذخر في ذاكرته بساطة الأشیاء وجمالها والألوان التی لم تعکرها الواقع الراهن بل حتى دفأ الشمس وسطوعها والضیاء الصادرة من فنار نيران باباگرگر الأزلیة. كرسام يستسیغ من المفردات والحروف بتناغم و تجلي محاكيا حیاة المنفى وترویض الذاکرة وهو بعید عن بیئته التی يتوق لزيارتها وهو في شوق دائم الى تلك الربوع.
للعقائد العراقية القديمة مكانة مهمة في ارثنا الثقافي كيف تمكن الرسام حسين  من توظيف تلك الرموز وما هي تلك الرسالة المبهمة التي تريد ان يفهما المتلقي عند مشاهدة أعمالك الفنية؟
انا متأثر جدا بصوفیة الحروف كتعبیر عن الکینونة الذاتیة و ذلك الأقرب الی نفسه اننی متأثر فنیا بمدرسة البعد الواحد  1971 الذی ارسی قواعده رسما و تنظیرا الأستاذ المرحوم شاکر حسن ال سعید الذي يعتبر وبحق الاب الروحي للوحة الصوفية واستخدامه للحرف في اللوحات ويذكر بانه كان يقضي أوقات طويلة متجولا في الصحراء محاولا كشف أغوار الكينونة في مكان مولده السماوه حيث بحيرة ساوه ورمال سلمان باك. يستمر الرسام حسين في حديثة قائلا: للحروفیة وقع واثر کبیر علی نفسی لارتباطه الوثیق بالصوفیة کتعبیر عن الکینونه الذاتیة بتسخیر الحرف والاستلهام منه  کثیمة روحیة تتجاوز الذات وتکون علاقة حمیمه بین الذات والعالم الخارجی لأنه اسلوب بعید عن المحاکاة عن الطبیعة تمتزج مع کوامن الذات  وتعید الآشياء الي ازالها الحقیقی  لذا ارید ان ترتقی اعمالی بشکل تدریجی ویفهم المتلقی ذلک السلم  الفنی العریق.

 

 ردا على سؤالنا حول موضوع التكامل بين التراث الشرقي والتطور التكنولوجي في المجتمعات الغربية حيث نراها من الأمور التي تناقش كثيرا في الإعلام الغربي فكيف تمكن كمهاجر من عكس تلك الأمور في أعماله التشكيلية يقول: کل منا یحمل معه أينما رحل مخزونا وتفاصیل ما تربی علیه وذلك ینعکس فی مجالات صور الإبداع ولا ضیر ان یستفید الفنان من الموروث  ومسایرة الواقع المعاصر ومع وجود الاتجاهات والتوجهات المتغایرة تحت تأثير التكنولوجيا یصطدمون بجدرانها والکثیر منهم لا یزال یرسم لوحته بالألوان علی قماشه اللوحة البیضاء.

سألته ان  كان هناك تناغما بين رؤية المجتمع الغربي للإعمال التشكيلية للفنانين الشرقيين وبين ذلك الإرث التشكيلي الغني لفنان عصر النهضة في أوربا فرد قائلا: ان الجانب الأكاديمي والكلاسيكية المفرطة  وإبراز العضلات المفتولة کانت من سمات فنانی عصر النهضة والحركة التشكيلية  فی الشرق لم یمر بتلك التجربة او عبر تلك العصور الا ان هناك تفاوتا لا مجال للمقارنة بین الرؤیة فی المجتمعات الشرقیة والغربیة فالنظرة تأتی کناتج لأسباب کثیرة باختصار الإنسان الشرقی یبحث عن المواضیع و التعابیر اکثر بینما الغربی یتذوق اللوحة علی أساس تقنی وکقیمة جمالیة وقد لا یهمه فحوی اللوحة کثیرا.هذا ما لمسته خلال عشرون عاما  من الغربة والاحتكاك والتجربة مع المجتمع الغربی.  إذن كيف يمكن توظيف التراث الشرقي الثقافي من شعر وأدب في الرسم الديني" الأيقونة الدينية" والنمنيات في الأعمال التشكيلية المعاصرة؟
الفنان مشروع تجارب  تکتسب بالبحث والتمرين والمتابعة. الرؤیة المعرفیة فی الفن تنضج مع الاستمرارية والتواصل .فمن الممکن مثلا تسخیر الرموز والحروف والأشكال الموروثة وإدخالها بأسلوب یندمج فی تفاصیل اللوحة وبشکل عصري يواكب  التطور الفنی و ووظیفی تعطی للوحة الفنیة میزة و خصوصیة شرقیة.  فإذا ما تم توظيف تلك المفردات فإنها تعنی حتما الانتماء الی جذورالاصالة والقیم الموروثة.

نشكر في ختام لقائنا هذا الفنان حسين كاكائي متمنين له دوام الإبداع والموقفية راجين ان يحدثنا عن مشاريعه المستقبلية. برأی ان الفنان محکوم بالتواصل لدیمومة الأبداع وعلیه ان لا یتوقف لیقدم باستمرار ما ینجزه من اعمال وعلی اساس ذلك ارید ان استمر فی اقامة المعارض الفردیة و المشترکة کلما سنحت الفرصة متمنيا عرض خلاٌصة تجاربی فی کرکوك والسلیمانیة وأربیل ومدن الدنيا.

تم نشر جميع الصور بترخيص من الفنان حسين كاكائي.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات