GMT 14:09 2016 الأربعاء 14 ديسمبر GMT 12:11 2016 الخميس 22 ديسمبر  :آخر تحديث

شواعرُ عراقيات محدثات بأصوات متميزة

جواد غلوم
كثيرا ما اتابع جديد الشعر في بلادي وابحث مليّا عن خفايا ومواطن الابداع المنثورة هنا وهناك ؛ وبالاخص لدى الشعراء الشباب الذين بدأوا يكتبون  مطلع الالفية الثالثة لعلي ارى سماتٍ  تجديدية مبتكرة تبعث فيّ شيئاً من البهجة والامل والذكرى لبلاد أثمرت شعرا وهّاجا ساطعا وابتكر تجديدات شعرية مثلما أثمر نخلا وافرا وارفا ولم أنس ما ظلّ يرنّ الى الان في أسماعنا من أشقائنا العرب وأصدقائنا غير العرب حينما كانوا يرددون مقولتهم الشائعة : " كنّا نشبّه العراق بكثرة شعرائه موازيا بعدد نخيله " .
ومع كل هذا الكم الهائل من نتاج الشعر وجدت فيما سأذكره ملامح ابتكار لدى شواعرنا النساء اللائي بدأن يكتبن خلال العشر سنوات المنصرمة وقد رأيت ان اكشف الاضواء عليهن لما يتميزن من قوة تركيز شعرية ورؤى جديدة .
انتقيت هنا خمس شواعر ونماذج من أشعارهنّ الجديدة غير المنشورة قبلا قمْن بإرسالها اليّ رأيت فيهن تميّزا واضحا وصعودا واثقا وانتباهات ذكية وخطىً واثقة في سلّم الشعر وإصراراً على الكتابة الشعرية المتميزة ، وهذا غيض صغير من فيض كبير لشعراء جدد وشواعر محدثات من وطني  آمل ان تُلقى الاضواء عليهم من قبل النقاد ودارسي الادب والشعر فما أقوله هنا ليس دراسة وافية مستفيضة شاملة انما انطباعات نقدية عابرة من قارئ شعرٍ يدلّ بإشارة ولو صغيرة على مكامن الابداع كي يتحرك المعنيون بأدبنا ويكشفوه عيانا .
 ابدأ بالشاعرة العراقية والفنانة التشكيلية المغتربة " رؤيا سعد " في قصيدتها التالية المسماة " سنكتب " لمست في شعرها عنادا وإصرارا على كتابة الشعر إضافة انشغالها بمرسمها الصغير ، فهذه السيدة مولعة بالشعر والتشكيل الفني وتصرّ على ان تكتب وهذا هو فرحها الغامر وسعادتها الرحيبة وهي نائية عن بلادها ومنعزلة تماما عن الوسط الادبي ... لنقرأ ماتقول في احدى قصائدها :
" سنكتبُ بالمتاح من هذا النبض البعيد عن قلبهِ
ونحن نُسمّر حقائبَنا المثقلة بالشوق 
بعلاماتنا الفارقة على أكتافنا 
بتلويح المحطات ، والهمهمات الغامضة 
للصداقات التي خبتْ وانطفأ فنارُها  
للمناديل المغرقة بالأسى  
على حوافِّ الأرصفة 
مصفّدين ، منتظرين 
سنكتب 
وبخطٍ مُرتبكٍ  
ندوّن الطرق ، ندوّن الذكرى 
بالمتاح من هذا النبض النائي عن أوروك "
فمازالت هذه الشاعرة التي تنعت نفسها بطفلة الشعر منزوية عن الاضواء في مكان اقامتها في استانبول ولا تريد ان تسلط الاضواء عليها معتكفة بين لوحاتها وبين قصائدها وتأبى ان تظهر للعلن الاّ على خاصة أصدقائها والمقربين منها .وها هي تقول في احدى قصائدها المسماة " طفلة الشعر " وهي تتطلع الى بركة ماء تسبح فيها بعض البجعات في احد المتنزهات :
" الطفلة التي في القصيدة 
تخضّب شيبَ كلماتها 
حدث أن نسيَتْ كفّها على مقبض الباب 
تقرع الأجراس لأعياد جديدة 
تطلق عليها أسماء تناسب رغباتها 
تنادي  المطرَ : أن اسقطْ 
ولا أحد يسمع رفيف توسّلاتها   
تطلق قصيدتها بنبرةٍ مختلفة 
تسمع حداء البجعات 
وهن يسبحن دون رؤوس 
يمضي المشهد ، ويتجدد الجدول 
والطفلة مشغولة 
بخضابِ شيب الكلمات " 
 
 الشاعرة العراقية الأخرى " فاطمة الفلاحي " الموزعة بين المنافي مع أسرتها هرباً مما يجري في وطنها الذي تحبّه حبا لايطاق ، لاتستقرّ في أرضٍ الاّ وتحزم حقائبها في مرتع آخر ، الموجوعة بفقد الكثير من عائلتها بسبب الحرب العائمة ابدا بين الاهل وابناء الوطن الواحد  والنزاعات العرقية والطائفية التي تأججت في بلادها وطال الموت أشقّاءها مما اضطرها وبقية اهلها على التشتت وقد اضطرت الى إكمال دراستها العليا في الجزائر ، هذه المرأة الفتية المثقفة والباحثة المتميزة في دراساتها المتنوعة الادبية والسياسية ايضا ؛ سمّت احدى قصائدها " احتلال " ولنقرأ مقطعا منها :
" في أروقة الروح
يخصلني الهمُّ جدائلَ سوداً
يكبّل حبسي بحزنٍ دفين 
موسومٍ باحتلال هاطلٍ أسحم
يكتظّ به مسامييّ كلّها 
وصرخة في الروح تعتلج فيّ 
يضيق بي البحر العريض
وقميص منفاي لا إزرار له
لأخلع احتلاله عني
وأندسّ في رحم تيه الوطن
أتنفسّ الاحتباس وانا الجنين الغضّ 
كم هو شاهق حبّك ، مواجيد دائمة 
فالروح ظمأى لكلّ الأزقة 
ألا تعجّل بالمجيء ؟؟
جِلْدي يذوي مع رياح السقم 
إلهي المقيم العابث في وطني 
لا أريد ان ينسلخ جلدي عني "
 
أما الشاعرة العراقية " نسيم الداغستاني " المقيمة في بيروت فقد تميزت بنشاطها الملحوظ وكان لها صوتها المسموع من خلال سعة مشاركاتها في النشاطات الادبية والفنية العالمية والدعوات الموجهة لها في السويد والنرويج ومساهمتها في مهرجانات الشعر هناك ولم تكتفِ بذلك فقد أوسعت مشاركتها في مسرحيات اقيمت في المانيا كممثلة تلفت الانظار اضافة لجمال شاعريتها ، هذه احدى قصائدها المسماة  " أنا طويلة " .
" انا طويلة كطول جدار برلين 
وطول حبل غسيل في الحي اللاتيني
مثل سيقان معلمة الرياضة قبل ثلاثين عاما
وبطول خيط الصوف بين أقدام جدّتي 
انا طويلة مثل لائحة شهداء الحرب
بل مثل قوائم أسماء محو الامية 
وان بترت ساقي في الحرب ستنمو لي عروق إضافية 
انا طويلة لا أُقاس بالأمتار ولا بحسابات التجّار
ان حاولت مطاولتي فاحسب إنّ راسي قرب الشمس
وبين كتفيّ جبال القوقاز الثلجية 
انا طويلة مثل كذب الصغار 
مثل أمنيةٍ تتزاحم في طوابير الانتظار 
مثل ارقام الهواتف التجارية 
وسأزداد طولا كلما نطقت باسمي 
سأشعر باني سيدة الحرية "
 
ولنعرج الى السيدة الشاعرة " فرح دوسكي " التي عاشت ردحا من عمرها بعيدا عن العراق وعادت اليه بعد سقوط الدكتاتورية اثر الغزو الاميركي لبلادها ولا اسميه تحريرا ، ففي قصيدتها " سأحتفل وحدي " التي خصّت بها هذا المقال نراها تلملم طقوسها الخاصة وتختار عزلتها بنفسها وتشيّد احتفالا خاصا بها نائية عن كل مايعكّر صفو عيشها في بلاد مزدحمة بالخوف والضجر والريبة من كل شيء .
" بعيدا عن لعنة ابليس
سأختار بحري ويابستي
عَـشائي ونوع دخاني
سأختار حرية سكني 
بعيدا عن الابطال المزيفين والجحيم ومتاهات العبور
في القلعة السومرية والرمادية وخارطة البلاد 
سألوّن راياتي ، غرائزي وأفقي
على أريكة المساء
واشرب ثمالة الجنون 
بعيدا عن ابي نواس وشارعه المقفر 
نخب الجراح والندم والشعر والندى والخلود 
سأرقص فوق رصيف تصحّري ورفوف صمتي
وأملأ الفضاء هتافا
بعيدا عن اسطورة الرافدين 
بعيدا عن الأضواء وهذيانات الخليقة 
ومحارق التوحش والانعتاق 
وألحق بسفينة نوحٍ قبل ان تغادرني "
ومع كل مايحيط بها من ضجيج وغرائبية في بلادها الا ان الشاعرة السيدة " فرح دوسكي " تظل تحتفل وحدها وتكمل ترتيب محفلها الخاص بها ، وفي ظني انها تعكس تماما حياتها التي تعيشها فعليا .
" سألهو بلهيب الضمير وحمم العربدات
سألعب لعبة القنص وأزور مقابرنا في الاعياد
سأعترف لاشلاء الضحايا وفتنة الليل 
عن متاهات الخلاص والنوايا السيئة
سأمرر غيمتي فوق سحابات الهطول 
أعيش مع الالهة عشتار وبلاهة الدراويش
سأستحضر وجه الحبيب وأراوغ المعاصي
سأحقق عشقا بين وهم الحلم وصدر الشاعر المعنّى 
لتغمرني الفرحة ، بعيدا عن اليتم والنحيب وحبل المشنقة 
أتكوّر على دفء القصص القديمة صاغرةً اليها 
سأرحّب باللحن وهديل الحمام ، أرحّب بصحوتي المتأخرة "
 
وأخيرا أدنو بأنظاري الى ماتقوله " وفاء السعد " ابنة البصرة ومتصوفيها ومعتزليها هذه الشاعرة العراقية التي غارت في أزقة التصوّف المديدة باستقامتها والتواآتها وتعرّجاتها لكنها لاتضيع ويبقى صوتها مسموعا مثل صدى واسترجاعه ، لنقرأ قصيدتها المعنونة " صبر بسعة قلب مريم " :
" كم توسلتُ وجه الله المبتسم 
ان يمهل الحمامات البيض 
يوقف سربهنّ المغادر 
انا مثل عينَي مريم مصلوبتي النظر اليك
طُفْ بقبلتي البكر وانشدْ قبلةً على ضفافي 
يا من سمّيتك عيسى المعمدان 
تعرج روحي الى مسراك بِمُرِّ سؤال :
كيف نضبت الفحولة وبخست بسعر الرجال 
أنا أمٌّ بألف اشتعالٍ 
أتناثر حنينا ، أقايض الله بالدموع 
انا ذات الأمّ ، تقضم الخبز بفمٍّ يتسوّل ألف صبرٍ
لشفاه السائلين 
لمَ اكون وليس في يدي حلوى لجموع الاطفال 
في ليالي العيد المريرة  ؟؟ "
بعد هذا الاستعراض العابر السريع لشواعر العراقيات الجديدات والمجددات ستكون لنا عودة لاحقة الى مايكتبه أولادنا الشعراء المجددون مترقبين اشارات ابداعاتهم حالما تصلني نصوصهم الجديدة غير المنشورة كما شاعراتنا الناهضات .
 
 
jawadghalom@yahoo.com 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات