GMT 4:00 2017 السبت 28 يناير GMT 5:12 2017 الأحد 29 يناير  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

كارل ماركس بين العظمة والوهم

عبد الاله مجيد

انهارت الشيوعية قبل نحو 30 عامًا، لكن تأثير كارل مارس ما زال حيًا. نجد مقاربات ماركسية في بعض ما يُنشر اليوم في التاريخ والسوسولوجيا. تشمل أعمال ماركس "البيان الشيوعي" الذي كتبه مع فريدريك إنغلز في عام 1848، ولعل تأثيره في العالم الحديث كان أبلغ مما يفترض الكثيرون. ربما تحقق اربعة من مطالب البيان العشرة الأساسية في عدد من البلدان الغنية، بما فيها "التعليم المجاني لكل الأطفال في المدارس الحكومية" و"ضريبة دخل تصاعدية أو تدرجية". 

سيرة فكرية

كارل ماركس.. العظمة والوهم

لا دليل على أعمال ماركس أفضل من المؤرخ البريطاني غاريث ستيدمان جونز الذي يقدم جونز في كتابه "كارل ماركس: العظمة والوهم" Karl Marx: Greatness and Illusion (منشورات بلكناب؛ 768 صفحة؛ 35 دولارًا. منشورات ألين لين؛ 35 جنيهًا إسترلينيًا) توصيفًا غنيًا لحياة ماركس الذي أمضى شطرًا كبيرًا منها في فقر مدقع.

كان كارل المولود في ألمانيا، كما يشير المؤلف، يعمل ثلاثة أو أربعة أيام متواصلة من دون نوم، وكان مريضًا على الدوام (نظامه الغذائي الذي لا مهادنة فيه من "الصحون الدسمة والسمك المدخن والخيار المخلل مع نبيذ "موسيل" والبيرة والليكور، كان لا يساعد على تحسين صحته). يبدو ماركس شخصًا بغيضًا، متغطرسًا وعنصريًا لا يكفّ عن الاستدانة من إنغلز. 

لعل سيرة ماركس التي نشرها كاتبها فرانسيس وين في عام 1999 خيار أفضل للقراء الأكثر اهتمامًا بمثل هذه التفاصيل. فكتاب جونز هو في المقام الأول سيرة فكرية تركز على السياق الفلسفي والسياسي الذي كان ماركس يكتب فيه، إذ نال ماركس شهادة دكتوراه في الفلسفة في عام 1841، وكان محاطًًا بسجالات حامية حول آثار التصنيع وموقع الدين في العالم الحديث. وكان قارئا نهمًا لمجلة إيكونوميست مجاهرًا في الوقت نفسه بانتقاده لها بوصفها "الناطق الأوروبي باسم أريستوقراطية المال". 

مساهمة ماركس

على النقيض مما يُفترض في أحيان كثيرة، لم يخترع الشيوعية، بل إن راديكاليين، مثل بيار جوزيف برودون (1809-1867) والحركة التشارترية في انكلترا استخدموا منذ زمن طويل لغة يعتبرها قراء اليوم الحاضر لغة "ماركسية": "التمتع بالمساواة السياسية وإلغاء الملكية"، "جيش العمال الاحتياطي"... الخ. 

إذًا، ما كانت مساهمة ماركس؟، كان يمضي الكثير من وقته في الاختلاف مع راديكاليين آخرين مهاجمًا برودون بصفة خاصة، وشبهه بواحد "من الاقتصاديين البورجوازيين". 

الأهم من ذلك أن ماركس حاول أن يوفر إطارًا نظرًيا عامًا لآلية عمل الرأسمالية، خصوصًا كتابه "رأس المال" الذي نُشر في عام 1867. 

توصيف ماركس للرأسمالية توصيف أنيق ببساطته. كان يجادل بالقول إن العمال ينتجون كل يوم قيمة من البضائع أعلى من اللازم لإعالة أنفسهم، وإن الرأسماليين يستحوذون على فائض هذه القيمة. ولا يستطيع العمال نيل هذا الفائض لأنهم لا يملكون رأس مال (آلات، أبنية وما إلى ذلك). لكنهم، مع زيادة ما ينتجونه، يخلقون مزيدًا من رأس المال مكرّسين بذلك هيمنة الرأسماليين. وبحسب ماركس فإن "النظام القائم، كما يُفترض، على تبادل متساوٍ وعادل يمكن أن يحقق بصورة ثابتة فائضًا لأحد طرفي عملية التبادل". 

القيمة في العمل

ستيدمان جونز مؤرخ بميول ماركسية، لذا قد يتوقع القارئ منه تزكية رنانة لأفكار ماركس العظيم. لكن المؤلف ينتقدها بشدة في كتابه. على سبيل المثال، يشير إلى أن ماركس "استهان بالتطورات الجارية في الاقتصاد السياسي"، وكان ذلك خطأ كبيرًا إزاء التغير المتسارع الذي كان يشهده هذا الحقل وقتذاك. والأشد انتقادًا أن "غروندريسة"، المخطوطة الناقصة التي يعتبرها كثير من الماركسيين الجدد كنزًا في النظرية، تعاني من "عيوب بمحاجَّاتها الأساسية".

ويتخذ ستيدمان جونز موقفًا نقديًا أشد حدة تجاه أقسام من "رأس المال"، إذ يشرع ماركس في أحد مقاطع الكتاب للإجابة عن لغز. ذلك أن تغير مستويات العرض والطلب يفسر السبب في ارتفاع سعر السلعة أو هبوطه، ولكنه لا يسفر لماذا يكون سعر السلعة في حالة التوازن بين العرض والطلب، على ما هو عليه في هذه الحالة. وعلى سبيل المثال لماذا يكون سعر الفراولة أغلى من سعر التفاح؟. 

لحل هذا اللغز اعتمد ماركس على "نظرية القيمة في العمل". وساعد على البرهنة على أن سعر السلعة يتحدد بزمن العمل الذي دخل في إنتاجها ـ الأمر الذي يبين كيف يُستغَل العمال. لكنه "استبعد بصورة اعتباطية مرغوبية السلع النسبية أو منفعتها"، التي ستكون بنظر غالبية الأشخاص التفسير البديهي، كما يقول سيتدمان جونز. ويعبّر الكاتب عن شعور العديد من الباحثين المختصين بعمل ماركس: اقرأوا الفصول النظرية المكثفة من "رأس المال"، ومهما حاولتم فإنه من الصعب الهروب من الاستنتاج بأن هناك الكثير من الهراء.

ثغرات بحثية

يرى ستيدمان جونز أن القيمة الحقيقة لمثل هذا العمل تكمن في إدانته الحياة اليومية الحقيقية التي كانت تواجه الطبقة العاملة الانكليزية. وقام ماركس بتركيب "حشد استثنائي من الإحصاءات والتقارير الرسمية والتقارير الصحافية" ليبين مشقة الحياة على كثيرين يعيشون في أكثر البلدان الصناعية تطورًا في العالم وقتذاك. 

لكن، حتى بحوثه التجريبية كانت تعاني من الثغرات، الأمر الذي يتحاشى ستيدمان جونز التعريج عليه. فهو لم يولِ اهتمامًا كافيًا، على سبيل المثال بالإجراءات الموضوعية لمستوى المعيشة (مثل الأجور الحقيقية) الذي كان يتحسّن تحسنًا واضحًا بحلول خمسينات القرن التاسع عشر. 

يتمثل الانطباع الرئيس الذي يخرج به القارئ من هذا الكتاب في أن سمعة ماركس (في الأقل في بعض الأوساط) بوصفه اقتصاديًا - فيلسوفًا لا يُبارى، انطباعًا خاطئًا إلى حد بعيد، إذ خطط ماركس لكتابة "رأس المال" في أجزاء عدة، وأنجز الجزء الأول. لكن، عندما حان وقت كتابة الجزء الثاني فإن ماركس، إذ ادرك بأنه سيواجه عقبات فكرية يتعذر تذليلها، تذرع بالمرض (على الرغم من أنه بدا قادرًا على إجراء أشكال أخرى من البحوث). ​


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات