GMT 4:00 2017 الأحد 5 مارس GMT 8:30 2017 الأحد 5 مارس  :آخر تحديث
إيلاف تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

تأريخ للنمو الأميركي على وقع انقلاب التقنيات الجديدة

إيلاف

ليس هذا كتابًا اقتصاديًا صرفًا بمقدار ما هو تأريخ اقتصادي للنمو الأميركي، في ذروته كما في حضيضه، مسلطًا الضوء على دور مهم تؤديه التقنيات الثورية الجديدة في صوغ المستقبل.

إيلاف: عُقد المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري هذا العام تحت شعار "الثورة الصناعية الرابعة"، التي قال رئيس المنتدى كلاوس شواب إنها ستكون أكبر من أي شيء عرفه العالم من قبل، بل هي تسونامي بالمقارنة مع الثورات السابقة، على حد تعبيره.

العصر الذهبي ولّى
يُنصح من يغريه هذا الكلام بأن يقرأ كتاب روبرت غوردن الجديد "صعود وسقوط النمو الأميركي: مستوى المعيشة في الولايات المتحدة منذ الحرب الأهلية "The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living since the Civil War (منشورات جامعة برينستون؛ 762 صفحة). 

التكنولوجيا ليست مصدرًا للتفاؤل بحسب صاحب الكتاب

فالمؤرخ الاقتصادي المرموق روبرت غوردن، الذي يعمل أستاذًا في جامعة نورثويسترن، وقف منذ زمن طويل ضد التفاؤل بالتكنولوجيا، وضد القول إننا في غمرة تغيير ثوري. ودأب على القول إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا ترقى إلى الإنجازات السابقة، وذهب بالتحديد إلى أن ثورة تكنولوجيا المعلومات أقل أهمية من أي اختراع من الاختراعات الخمسة الكبرى التي دفعت عجلة النمو الاقتصادية في الفترة الممتدة من 1870 إلى 1970: الكهرباء، وتأسيسات الصرف الصحي في المدن، والصناعة الكيميائية والصيدلانية، والمحرك ذو الاحتراق الداخلي، والاتصالات الحديثة. والموضوع المهم الآخر الذي يطرحه غوردن هو أن العصر الذهبي للنمو الأميركي ربما انتهى.

يسوق غوردن حجته للقارئ بأسلوب رائع، ويسند وجهة نظره بأمثلة حيّة إلى جانب البيانات الاقتصادية من دون أن يغفل ما يعنيه التغيّر الاقتصادي للأميركيين العاديين. واعتبر نقاد أن كتاب غوردن سيبقى إعادة بناء فذة للحياة المادية في أميركا يوم كانت الرأسمالية الصناعية في أوج صعودها. 

ثورة وانقلاب
أحدثت الثورة التكنولوجية في أواخر القرن التاسع عشر انقلابًا في العالم، ولم يعد ممكنًا التعرف إلى الحياة التي عاشها الأميركيون قبل هذه الثورة، إذ كانت فكرتهم عن السرعة تتحدد بالخيول وإيقاع أيامهم يمليه شروق الشمس وغروبها. كانت أبسط المهمات اليومية، مثل توفير الماء للاستحمام أو غسل الملابس، عملًا شاقًا يقصم الظهر.

وكما يبيّن غوردن في كتابه، فإن تعاقب الثورات قَلَب كل ناحية من نواحي الحياة. فاختراع الكهرباء أنار البيوت والشوارع بالمصابيح بدلًا من الشموع والفوانيس الزيتية، واختراع الهاتف قتل المسافات، واختراع الغسالة والطباخ والثلاجة، أو ما سمتها شركة جنرال إلكتريك "الخادمات الكهربائيات"، حرر المرأة من العبودية المنزلية.

كانت سرعة التغيير أيضًا مذهلة، ففي ثلاثين عامًا من 1870 إلى 1900، كانت شركات السكك تضيف 32 كلم من الخطوط كل يوم.

وهبط سعر السيارات بنسبة 63 في المئة بين عامي 1912 و1930، في حين ارتفعت نسبة العائلات الأميركية التي تستخدم السيارة من 2 إلى 89.8 في المئة.

أسهمت هذه التطورات بقسط كبير في التخفيف من أعباء العمل، سواء في المصنع أو البيت، وهي نقطة كثيرًا ما تفوت على الاقتصاديين الذين يميلون إلى التركيز على القدرة الشرائية للمستهلك، متجاهلين ما يتعيّن أن يبذله من جهود لاكتسابها. يقدم غوردن خدمةً كبيرة حين يذكّرنا بأن ظروف عمل الرجل والمرأة لا تقل أهمية عن الأجور التي تُدفع لهما.

زخم مستمر
سرعان ما تقدمت أميركا على باقي العالم في كل تكنولوجيا جديدة تقريبًا، وكانت قطارًا منطلقًا، فيما كانت أوروبا سلحفاة على حد تعبير أندرو كارنيغي، قطب صناعة الفولاذ في أميركا وقتذاك.

ففي عام 1900، كانت هواتف الأميركيين تزيد أربع مرات على هواتف البريطانيين للفرد الواحد، وست مرات على هواتف الألمان، و20 مرة على هواتف الفرنسيين. كان حوالى سدس حركة القطارات في العالم تمر عبر مدينة أميركية واحدة هي شيكاغو. وبعد 30 عامًا، كان الأميركيون يملكون ما يربو على 78 في المئة من السيارات في العالم. 

لم يفعل "الكساد العظيم" شيئًا يُذكر لإبطاء زخم أميركا، بل استمر القطاع الخاص في التجديد والابتكار. وكان عقد الثلاثينيات، ببعض المقاييس، أعلى العقود إنتاجية في عدد الاختراعات وبراءات الاختراع. 

أظهرت الحرب العالمية الثانية القدرة المدهشة لآلة الإنتاج الأميركية. وبعد عام 1945 عززت أميركا مكانتها في صدارة العالم ببناء نظام عالمي جديد من أركانه خطة مارشال ومؤسسات بريتون وودز، وبالاستثمار الكبير في التعليم العالي.

كان عقدا الخمسينيات والستينيات عصرًا ذهبيًا من الازدهار، فكان حتى الأميركيون ذوو التعليم الثانوي يستطيعون أن يحصلوا فيه على وظيفة ثابتة، ويشتروا منزلًا في الضواحي، ويركنوا إلى تقاعد مأمون. 

لكن لغة غوردن تصبح متشائمة عندما ينتقل إلى عقد السبعينيات، وما شهده من اضطرابات اقتصادية عندما اهتزت شركات أميركية كبرى بتأثير المنافسة الأجنبية، وخاصة من اليابان، وارتفعت أسعار النفط. وتفاقمت اللامساواة الاقتصادية مع تقدم الأثرياء مخلفين الآخرين وراءهم. وتراجع نمو الإنتاجية. وتواجه أميركا اليوم تحديات كبيرة تتمثل في شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف العناية الصحية والتعليم واتساع فجوة اللامساواة وتفاقم آفات اجتماعية مستفحلة. 

إلى سراب
لاستعادة الدينامية المفقودة، لا يراهن غوردن على الحالمين بتكنولوجيا تحل كل المشكلات مقتنعين بأن ثورة المعلومات ستنقذ أميركا من ركودها. يرى أن أميركا قطفت ثمار ثورة تكنولوجيا المعلومات، وأن معدل النمو ظل يرتفع كل عام في العقد الذي أعقب عام 1994، لكن الزخم لم يستمر، بل انكفأ منذ ذلك الحين. 

يعتقد غوردن أن الاقتصاد الجديد يتحول إلى سراب، وينتقد العقول التي اجتمعت في دافوس، لأنها لا تملك إحساسًا بالتاريخ يريها أن السيارات ذاتية القيادة ستغيّر العالم أقل مما غيَّره اختراع السيارة. لكنه يغالي في الاستهانة بالثورة الحالية في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وكيف أنها غيَّرت حياتنا. كما إنه لا يقول الكثير عن آفاق تطور الذكاء الاصطناعي، ولا يدرك سعة انتشار ثورة المعلومات، بفضل تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد وإنترنت الأشياء، من العالم الافتراضي إلى العالم المادي الملموس.

ربما يكون غوردن مصيبًا بأن ثورة تكنولوجيا المعلومات لن تعيد معدلات النمو في أميركا إلى مستوياتها السابقة، وربما يكون مخطئًا. إننا حقًا نقف على عتبة تحول جذري نتيجة تطور الذكاء الاصطناعي مثلًا أو تحقيق تقدم استثنائي في البيولوجيا. ولكنه يطرح وجهة نظره بمحاجات قوية لا يمكن التقليل من أهميتها.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات