GMT 4:00 2017 الإثنين 20 مارس GMT 9:52 2017 الإثنين 20 مارس  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

الأسلحة الفردية في أميركا... أيام انفلات أم ثورة عضلات؟

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

الأسلحة الفردية النارية المنتشرة في أميركا والتي يحملها الصغير كالكبير مشكلة استعصى حلها حتى الآن لتتصاعد وتمثل تهديدًا صحيًا واجتماعيًا متزايدًا وفي الوقت نفسه تعكس رغبات ذكورية دفينة في التعبير عن الحرية الشخصية بمفهومها المتهور.

إيلاف: اليوم اخترنا لكم ثلاثة كتب تتحدث عن الأسلحة الفردية المتفشية في الولايات المتحدة. يقارب كل كتاب الموضوع من منظوره ولكن يتفق الثلاثة على أنها مشكلة مزمنة تمثل خطرًا محدقًا بالمواطنين كل المواطنين كل يوم وكل لحظة. وهذه الكتب هي: "يوم آخر في وفاة أميركا" للكاتب غاري يونغ. أما الكتاب الثاني فهو "أمة الثورة" الذي كتبه لويس كليرفس. أخيرًا نقرأ في كتاب "تعال وخذه" لكودي ويلسون.

يوم آخر في وفاة أميركا
من الأمور العجيبة في أميركا أنّ إطلاق النار على الناس حتى الموت أمر يتكرّر بشكل غريب. فهناك أكثرمن 30.000 حالة وفاة نتيجة لاستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة كل عام، علمًا أنّ ثلثي هذه الحالات هي انتحار، والثلث الباقي جرائم قتل. 
والجدير بالذكر أنّ معدل جرائم القتل بالسلاح الناري، الذي بلغ 3.4 لكل 100.000 نسمة في العام 2014، هو أكثر بخمس مرات من المعدّل المسجّل في أي دولة متقدمة أخرى. 

لكنّ النظام السياسي الأميركي يرفض بإصرار كل محاولة للتصرّف حيال ذلك. وقد أصبحت المجازر في المدارس حوادث عادية، ولكن، لطالما صوّت الكونغرس ضد أضعف تدابير السيطرة على السلاح. 

يوم آخر من القتل المجاني في غياب الروادع الفعلية

وقررت المحكمة العليا في العام 2008 أن التعديل الثاني في الدستور، الذي يبدأ بفقرة حول الميليشيات، يعطي الأفراد الحق في امتلاك السلاح. وفي النهاية اعتنق الكثير من الأميركيين عقيدة سياسية جديدة، مطبوخة من قبل جماعات الضغط المؤيدة للسلاح، التي ترى أن الأسلحة النارية هي حجر الزاوية في الحرية السياسية، وتقييدها قد يتسبب بمزيد من الجرائم.

في الوقت نفسه، يجد أميركيون آخرون أنّ تحليلًا مماثلًا منافٍ للعقل. لكنّ البلاد تتضمّن أكثر من 300 مليون سلاح ناري بين أيادي الناس. وبالنسبة إلى أولئك الذين يرون معدلات القتل بالسلاح الناري مرتفعة في أميركا بسبب المعدلات العالية من امتلاك السلاح، فهذا يؤدي إلى الشعور باليأس الشديد. وفي مواجهة وضع يعتبرونه غير مقبول أخلاقيًا وغير قابل للحل من الناحية العملية، يفضّل الكثيرون عدم التفكير في الأمر.

في هذا السياق اعتمد غاري يونغ، وهو صحافي في الغارديان، نهجًا ليغرق نفسه في البؤس. ففي كتاب "يوم آخر في وفاة أميركا: وقائع عشر حيوات قصيرة" (منشورات نايشون بوكس. 267 صفحة؛ 25.99 دولارًا. وغارديان فابر. 16.99 جنيهًا إسترلينيًا) يتناول السيد يونغ ضحايا القتل بالرصاص الأكثر تسببًا بالألم: الأطفال والمراهقون. ويروي الكتاب قصص عشرة شبّان، لا تفوق أعمارهم الـ19 عامًا، قتلوا بالرصاص في تاريخ اختير بشكل متعسّف في يوم السبت 23 نوفمبر 2013.

النتيجة هي صورة قاسية لأميركا، مرسومة بالدم. والضحايا هم من العرق الأبيض والأسود واللاتيني (من العرقين الأخيرين على وجه الخصوص)، من جميع أنحاء البلاد. 

في الواقع، قُتل جيدن ديكسون البالغ من العمر تسع سنوات في منزله في بلدة صغيرة في ولاية أوهايو على يد صديق والدته السابق الحاقد. وقُتل تايلر دان، 11 عامًا، بطلقة في رأسه من قبل أحد الأصدقاء بينما كانوا يلعبون بالبندقية في ميشيغان الريفية. وكذلك، في مجمع سكني في هيوستن، قام أحد أصدقاء إدوين راجو، 16 عامًا، بقتله، بينما كانا يلعبان بمسدس اشترياه.

حتمًا يقيّد عزم السيد يونغ على تخصيص فصل لكل ضحية، بحسب الترتيب الزمني، يقيّد السرد قليلًا. فبعض الفصول صغير: عندما يكون للمتوفّي سوابق جنائية أوعلاقات مع عصابات، غالبًا ما لا يرغب الأقارب في التحدث عن الموضوع. غير أنّ المأساة العشوائية في القصص التي يصادفها، تبرز استعصاء معالجة المشكلة. ووفقًا للسيد يونغ، فكتابه ليس نداء من أجل السيطرة على السلاح، بقدر ما هو "صرخة طويلة، كئيبة، ثاقبة" في بلد طغى عليه العنف المسلح، لدرجة إنّه تخلّى تقريبًا عن أي محاولة لإيقافه.

أمة الثورة

أمة الثورة تصنع ثروة تجار السلاح

أما أولئك الذين مازالوا يأملون في تحقيق تقدم، فمن الأفضل أن يحدّوا من آمالهم بعض الشيئ. في كتاب "أمة الثورة: حماية أميركا من إطلاق النار الشامل" (منشورات بروميثيوس، 397 صفحة، 25$) يناقش لويس كليرفس، الخبيرالأمني، ما يمكن عمله لوقف نوع واحد فقط من العنف المسلح: إطلاق النار الشامل، مثل المذابح التي حصلت في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا ومدرسة ساندي هوك. وتمثل هذه الهجمات جزءًا صغيرًا من جرائم القتل بالسلاح الناري (904 حالة وفاة في 111 حادثة منذ العام 1966، بحسب حسابات السيد كليرفس)، ولكن بالنسبة إلى عددها القليل، فقد تسبّبت بهلع كبير.

وكما ذكر السيد كليرفس، فكل الجرائم العنيفة تتألف من الجاني والهدف والسلاح. إذًَا، فمنعها يتطلّب على الأقل إزالة أحد تلك العناصر. لكن مرتكبي المجازر بالسلاح الناري لا يمكن ردعهم (فمعظمهم يكون قد خطّط للموت أصلًا)؛ ومن الممكن أن يكون أي شخص هو الهدف، وحماية الجميع كل الوقت أمر مستحيل. 

هكذا فإن الاستراتيجية الوحيدة المعقولة هي الحدّ من الأسلحة التي تسمح للمرتكبين بإطلاق عدد كبير من الرصاص بسرعة.ويكشف السيد كليرفس زيف ادعاءات جونلوت، وهو باحث محافظ في أمور الأسلحة، بأنّ القوانين التي تسمح للمواطنين بحمل السلاح علنًا تقلل من عدد المذابح. فإحصاءاته أكثر إقناعًا: في السنوات الأربع بعد إقرار الحكومة الأميركية حظرًا على ما تسمى أسلحة هجومية في العام 1994، لم يحدث أي إطلاق نيران كثيف.

انتهى هذا الحظر في العام 2004، فارتفعت حوادث إطلاق النار الكثيف مرة أخرى. وعلى الأرجح ستدين السياسة توصيات السيد كليرفس، بما في ذلك حظر مخازن الأسلحة ذات السعة الكبيرة التي تسمح للرماة بإطلاق العشرات من الرصاصات بدون إعادة التذخير، ومنع المدانين بالعنف المنزلي من امتلاك الأسلحة. هذه الإصلاحات تتطلب أن يثق الأميركيون بالمؤسسات الحكومية والعامة، ولكن للأسف، فالكثير من الناس في أميركا يحتقرونها. 

تعال وخذه
هذه الكراهية مربوطة برغبتهم في امتلاك السلاح، كما يتّضح في مذكرات كودي ويلسون الغريبة، "تعال وخذه". والجدير بالذكر أنّ السيد ويلسون مشهور لسبب واحد: في العام 2013 تمّ استبعاده من كلية الحقوق في جامعة تكساس بعدما صمّم سلاحًا يمكن صنعه بطابعة ثلاثية الأبعاد، مع رمز برمجي يمكن تسريبه على شبكة الانترنت. 

لقد كانت فكرة ذكية، دمجَت بين التحررية الأيديولوجية المؤيدة للأسلحة النارية وطوباوية العالم التقني التحرري، واستقطبت اهتمام وسائل الإعلام مثل Wired وVice. وقد استخدم ذلك ليجمع أموالًا لمشروعه، وتمكّن من طباعة نموذج مسدس بعد فترة وجيزة.

تعال وخذه... إلى المجهول

في كتاب "تعال وخذه: دليل طابعة السلاح للتفكير الحر"، (منشورات غاليري بوكس، 320 صفحة، 26$) يحاول السيد ويلسون أن يمدد لحظة شهرته من خلال سرد عملية إنشاء سلاحه بالتفصيل الممل. 

هذا ينطوي على قدر كبير من المذكرات المفصّلة التي تتخللها خطب تحررية طويلة امتعاضية. وكذلك يتمّ وصف أصدقاء السيد ويلسون المتكاسلين الذكور الذين يهوون الأسلحة النارية، بوقار ("بوذي متديّن وحرب العصابات في المدن"). بينما النساء، عند ظهورهنّ، فيتمّ اعتبارهنّ مجموعة من الصفات الجسدية (شقراء الشعر، وحلقات الأنف "لبست أحذية الفراء من أجلي"). أما الشركات والمدارس، وقبل كل شيء، المنظمات الحكومية، فيتكلّم عنها بازدراء طوال الوقت. (بطريقة مسلّية، يتبيّن أنّ عملاء من مكتب الكحول والتبغ والأسلحة والمتفجرات ودودون للغاية").

هناك فجوة لا يمكن جسرها بين الطريقة التي يفكّر فيها السيد يونغ والسيد كليرفس بالأسلحة من جهة، وطريقة تفكير السيد ويلسون من جهة أخرى. فبالنسبة إلى أول اثنين، الأسلحة النارية هي تهديدات للصحة العامة أو أجهزة تتسبب بمأساة لا جدوى منها. ولكن بالنسبة إلى السيد ويلسون، هي أدوات خاصة بالسلطة الذكورية والحرية العنيفة. 

متوجّهًا إلى مجموعة تحررية في الحرم الجامعي، يدّعي السيد ويلسون أن التعديل الثاني، أي النص الذي يمجّد وجود ميليشيا منظمة باعتباره أمرًا ضروريًا لأمن الدولة الحرة، يحفظ في الواقع "حق المواطن في إلغاء القانون بشدّة". ويتابع أنّ الفكر الثوري الحقيقي، يتطلب "شغفًا لإرهاب حقيقي وقوي". هذا كلام مروع. وفي زمن ترامب، يبدو وكأنه تحذير من الجنون والعنف القادمين.
 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات