GMT 4:00 2017 الجمعة 31 مارس GMT 10:18 2017 الثلائاء 4 أبريل  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

سير حيوانات غريبة رحلت منذ زمن طويل

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

للحيوانات سيرها أيضًا، جمعت بعضها إيلينا باساريلو في كتاب لا جدال في أهميته، يعكس نفسيتها التمثيلية بما فيه من تلاعب وأداء ودراما وجرأة في مجموعة متنوعة من الأصوات والأنفس.

إيلاف: من يزور متحف تقنية العصر الجوراسي في لوس أنجليس للمرة الأولى، ويتجول بين صالات العروض عابقًا بالفضول لفتح بوابة توصل إلى إعادة إنشاء فناء من آسيا الوسطى، كولومباريوم على السطح مزيّن بالنوافير والسرخس، بالتماثيل والسكون، يجد نفسه وجهًا لوجه مع حمامة بربرية حية على عشها، وعيناها الداكنتان الصغيرتان لا تركزان على شيء أكثر من الحاجة إلى الجلوس، وريش جناحيها المضمومين يرتفع في نسيم مغبّر من الشوارع أدناه.

حيوانات رحلت تبعث من جديد

هذه الحمامة مجرد دعامة لمجموعة مصممة من أجل الخيال البشري السارح، ومع ذلك تجلس هنا كي لا تعرف شيئًا عن هذا الهدف، ولا يهمّها إلا البيض الذي تحتها. في الواقع، النظر إليها يملأ عيني من يراها بالدموع.

تاريخ مختلف
إنها الحال التي يبلغها قارئ كتاب "حيوانات في وقفات غريبة" Animals Strike Curious Poses (كتاب مصور؛ 217 صفحة؛ منشورات ساراباند بوكس، 19.95 دولارًا) للكاتبة إيلينا باساريلو، التي حازت جائزة وايتينغ، وصاحبة مجموعة "دعني أجلي حنجرتي"Let Me Clear My Throat) 2012)، التي تناولت موضوع الصوت البشري في سلسلة من المقالات المتراوحة بين صرخة ويلهلم والصوت المناجي لدمية تتكلّم من بطنها.

الآن، في هذا الكتاب، كتبت باساريلو السير الذاتية للحيوانات الشهيرة من يوكا، الماموث المحنط (37000 قبل الميلاد) إلى سيسيل الأسد (2015)، ومجموعة من الحيوانات الوحشية، مثل وحيد القرن في لوحة آلْبْرِخْت دورِر، إلى الدببة الإليزابيثية المقاتلة، والسيد إد الحصان، وعنكبوت محطة الفضاء، والسلحفاة التي يقال إن داروين اختطفها.

في مقطع غير عادي، تجمع باساريلو الجدول الزمني لتاريخ الكهرباء في أميركا مع تاريخ الفيلة في أميركا، مازجة الضوء بالظلام، والصدمات الكهربائية بالإعدام، في تأمل لاذع حول العنف الموجود في صميم الحداثة.

وفي مقاطع أخرى، تعيد كتابة النصف المفقود من أنشودة كريستوفر سمارت الشعرية لهرّه جوفري، وتزوّدنا بنسخ جامدة من كوكو الغوريلا، وهي تخبرنا بلغة الإشارات نكتة مسرحية قذرة معروفة.

سلسلة مترابطة
إنّ استخدام خلفية المؤلف مفتاح لفهم عمله خطوة كسولة، غير أن التلاعب والأداء والدراما والجرأة في المجموعة المتنوعة من الأصوات والأنفس في هذا الكتاب عوامل تعكس الجانب التمثيلي عند المؤلفة.

وعلى الرغم من تألق باساريلو الفكري، إلا أنها ترفض الأسلوب الجاف للعالم الأنثروبولوجي أو الناقد الثقافي: كتبت مثلًا في أحد المقالات عن الحيوانات في طفولتها: "في تفكير بيرجي Berger، هناك مساحة صغيرة للأطفال". وهذا له مغزى سياسي وخلاق، لأنّ كتاب "حيوانات في وقفات غريبة" يتحدث عن جحافل لا صوت لها نتشاطر الأرض معها، وباسمها أيضًا، ويبيّن لنا كيف يمكننا أن نعطيها معنى، وبصورة حاسمة، كيف أنها منطقية بالنسبة إلينا.

تقول المؤلفة عن الماموث المجمد: "من المومياء على لوح الكهف الجليدي تأتي سلسلة متصلة من الحيوانات، وكلها تشير إلى الخلف". هذا ما تقوم به هنا، تصيغ سلسلة من المقالات عن موضوعات مترابطة، فعند قراءة مقال واحد، تتماشى معه المقالات الأخرى بسلاسة، فتلاحظ التماسك التحليلي الواضح في أشكال المقال المتباينة التي تُعدّ ربما النعمة الأكبر التي تميّز هذا الكتاب.

أهمية كبيرة
بغضّ النظر عن موت حيوانات الكتاب منذ وقت طويل، فهو ذو أهمية حالية كبيرة، وليس لأننا نعيش في الانقراض العظيم السادس فحسب. يعكس مقال وحيد القرن في لوحة دور حياة صور مبدعة وعلاقتها المميزة بالحقيقة، ويجعل أوروبا في بداية العصر الحديث، أقرب إلى حالتنا اليوم: "كما لو أن أي شيء في رأسك يمكن تأكيده من خلال تقرير بعيد المدى. مخاوفك الأعمق، أفكارك الأكثر ضياعًا - يمكن سحبها جميعها من السماء وإظهارها في نقوش خشبية لوحوش مرعبة أو مرض جدري جديد أو حكاية شعبية ".

إن إعادة سرد قصة القديس فرنسيس والذئب من غوبيو فحص لطبيعة الذئاب وكذلك للإيمان في السلطة، كما إن ذلك يعالج بجرأة أعمق الأسئلة عن الهوية. هل يبقى الذئب ذئبًا إذا ظهر أمام بابك لتطعمه؟، كيف يكون الحيوان عبرة؟، كيف يكون الشخص شخصًا؟.

في بعض الأحيان، عند قراءة هذا الكتاب، وملاحظة الإتقان الواضح لشكل المقال، يشعر القارئ مثل طائر الزرزور الذي تصفه باساريلو في أحد أجمل المقالات في المجموعة، "فوغيل ستار (1784)": "عندما تجذبه صفّارتك الموزارية، لن يقوم هذا الطائر الصغير إلا بطرفة صغيرة بعينيه، مركّزًا كامل نفسه الصامتة على الموسيقى الآتية منك".

جمال فوضوي
هذا المقال الذي يتناول ظاهريًا الطير الأليف الذي أحبّه موزارتهو اصطدام بين علم الموسيقى وعلم النفس وعلم الطيور. فيطلعنا على أوجه الشبه بين هاجس أواخر القرن الثامن عشر بشكل سوناتا كلاسيكي رباعي الأجزاء، ومخطط الأربعة أجزاء في أغنية طائر الزرزور التي يبني عليها هذا الطائر جماله الفوضوي من قصاصات مكسورة من الألحان التي سمعها من حوله – ويخبرنا أيضًا كيف تعاون موزارت وطائر الزرزور في ازدهار نادر للإبداع بين الأجناس، حيث حاكى كلّ منهما الآخر، محطّمين كل القواعد.

ليست هذه مجرد قصة عن موزارت وطائره، بل رسالة حب إلى الخشونة والفوضى والنزوات وجمال الأشياء التي لا تتلاءم مع بعضها، ولا تذهب حيث من المفترض أن تذهب. وفي ما يتعلّق بهذا المقال بالتحديد، تكتب المؤلفة: "فكر في الأمر. كان يصفّر لحنًا غارقًا في الجبر الذهبي في فيينا إلى مخلوق مكسو بالريش، ومن ثم هزّ الحيوان رأسه الصغير، وغرّد له ومضة مجيدة، غير عادية، وموزارية. لم يكن هذا جميلًا فحسب؛ بل كان لعبة التعرف إلى اللعبة!".

هذا كتاب يدور حول الضعف البشري والحيوانات. وبالطبع هو مليء بالظلام، كيف لا؟، فالعنف وعدم الفهم صبغا علاقتنا مع الحيوانات.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير بتصرف عن "نيويورك تايمز". الأصل منشور على الرابط الآتي:
https://www.nytimes.com/2017/03/13/books/review/animals-strike-curious-poses-elena-passarello.html?_r=0



أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات