GMT 4:00 2017 السبت 22 أبريل GMT 17:30 2017 الثلائاء 25 أبريل  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

وداعًا لأشياء تملكنا: في البساطة درب السعادة

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

يتعلق الإنسان بالأشياء التي يملكها فتملكه. إلا أن فوميو ساساكي يتكلم على سعادة غامرة انتابته حين تخلّى عن أشيائه كلها، واكتفى بالحياة بحدودها الدنيا، وهذا هو فحوى كتابه.

إيلاف من بيروت: لا يملك فوميو ساساكي إلا فراشًا قابلًا للطيّ، وثلاثة قمصان وأربعة أزواج من الجوارب. وبعدما قرر التخلّص من ممتلكاته، بدأ يشعر بالسعادة، وها هو يوضح السبب.

إمتلك أقل... تحيا بسعادة أكبر

في ما يأتي مقطع من كتابه "وداعًا للأشياء – عن الحياة بالحدود الدنيا" Goodbye, Things - On Minimalist Living (منشورات بينغوين، 256 صفحة، 9.99 جنيهات إسترلينية):

إسمحوا لي أن أخبركم القليل عن نفسي. أنا في الخامسة والثلاثين من عمري، ذكر، عازب، لم أتزوج قَط. أعمل محررًا في دار للنشر. انتقلت أخيرًا من حي ناكاميغورو في طوكيو، حيث عشت عشر سنوات، إلى حي فودوماي في جزء مختلف من المدينة.

هناك تكلفة الإيجار أقل، لكنّ هذه الخطوة استنفدت مدخراتي. يعتقد بعضكم أني فاشل: راشد غير متزوج لا يملك الكثير من المال. لو بقيت الشخص الذي كنت عليه من قبل، لكنت محرجًا جدًا للاعتراف بكل هذا. فقد كنت مملوءًا بالفخر غير المجدي. لكن، بصراحة، لم أعد أهتمّ لأمور مماثلة. والسبب بسيط جدًا، فأنا سعيد تمامًا كما أنا. ما هو السبب؟، لقد تخلصت من معظم ممتلكاتي المادية.

إلى البساطة درّ
البساطة نمط حياة تقلّل فيه ممتلكاتك قدر الإمكان. فالعيش مع ضروريات الحياة فحسب لا يوفر مجرد فوائد سطحية مثل متعة غرفة مرتبة أو سهولة التنظيف، بل يؤدي أيضًا إلى تحول أكثر جوهرية. لقد أعطاني فرصة التفكير في المعنى الحقيقي للسعادة.

نعتقد أنّه كلما زادت أملاكنا أصبحنا أكثر سعادة. لا نعرف مطلقًا ما يحمله الغد لنا، لذلك نجمع وندّخر قدر ما نستطيع. وهذا يعني أننا بحاجة إلى كثير من المال، لذلك نبدأ تدريجًا بالحكم على الناس بحسب كمية المال التي بحوزتهم. أنت تقنع نفسك بأنك بحاجة إلى كسب كثير من المال حتى لا تفوّت النجاح. لكي تجني المال، تحتاج أن يقوم الجميع بإنفاق أموالهم. وهكذا دواليك.

لذلك ودّعت كثيرًا من الأشياء، مع أن عددًا كبيرًا منها رافقني سنوات عدّة. على الرغم من ذلك، أعيش الآن كل يوم بروح أكثر سعادة، وأشعر الآن بالرضا أكثر من أي وقت مضى.

بؤس المقارنة
ألقوا نظرة إلى خزانتي، من السترة إلى البدلة، وبعض القمصان البيض، وعدد قليل من السراويل التي تناسب الأسلوب البسيط. أنوي إنشاء زيّ خاص بي يحمل بصمتي الخاصة كما فعل ستيف جوبز.

لم أكن أعتمد البساطة دائمًا، فقد اعتدت شراء الكثير من الأشياء، معتقدًا أن تلك الممتلكات ستزيد من تقديري لذاتي وتسعدني. أحببت جمع أشياء عديمة الفائدة، ولم أكن أقدر على رمي أي غرض بعيدًا. كنت بطبيعتي أهوى جمع أشياء تافهة إعتقدت أنّها تجعل مني شخصًا مثيرًا للاهتمام.

لكنّني كنت، في الوقت نفسه، أقارن نفسي دائمًا بالآخرين الذين يملكون أشياء أكثر أو أفضل، وهذا غالبًا ما جعلني بائسًا. لم أتمكن من التركيز على أي شيء، وكنت دائمًا أضيع الوقت. وكانت وسيلة هروبي هي الكحول، ولم أتعامل مع النساء بشكل عادل. لم أحاول أن أتغيّر. إعتقدت أن هذا مجرد جزء مما كنت عليه، وكنت أستحق أن أكون حزينًا.

أشياء وأفكار
ما كانت شقّتي فوضوية بشكل فظيع. عندما كانت صديقتي تأتي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع برفقتي، كنت أرتّبها فتبدو مقبولة. لكن، في الأيام العادية، كانت الكتب مكدسة في كل مكان، إذ لم تكن هناك مساحة كافية على الرفوف. تصفحت معظمها مرة أو مرتين، وفكرت في قراءتها عندما يتسنّى لي الوقت.

كانت خزانتي مكتظة بما كنت أعتبره ملابسي المفضلة، لم أرتد معظمها إلا مرات قليلة. كانت الغرفة مليئة بالأشياء التي اعتبرتها هواياتي، ثم سئمت منها. الغيتار ومكبر الصوت، غطّاهما الغبار، وكذلك كتب تعليم المحادثات الإنكليزية التي كنت قد خططت لدراستها إذا حصلت على مزيد من وقت الفراغ. حتى الكامير الأثرية الرائعة التي لم أضع فيها يومًا فيلمًا للتصوير.

خداع الشكليات
في الوقت نفسه، واصلت مقارنة نفسي بالآخرين. صديق من الكلية عاش في شقة فاخرة على أرض أنشئت حديثًا في طوكيو، كان مدخلها رائع وأثاثها إسكندينافي أنيق. عندما زرته، وجدت نفسي أحسب الإيجار في رأسي، بينما كان يرحّب بي، ويدعوني إلى الدخول.

كان يعمل في شركة كبيرة، ويتقاضى راتبًا جيدًا، وتزوج بصديقته الرائعة، وأنجبا طفلًا جميلًا يرتدي ملابس على الموضة. كنا متشابهين تقريبًا في الكلية. ففكرت، ما الذي حدث؟، كيف أصبحت حياتنا مختلفة؟.

زحمة الأشياء تفقدنا الشعور بالسعادة

كنت أرى أن الفيراري البيضاء المكشوفة السريعة التي تمرّ بشكل متفاخر بقربي، ربما تساوي ضعف قيمة شقتي. كنت أحدق مأخوذًا بالسيارة، وهي تختفي، واضعًا قدمًا واحدة على دواسة دراجتي المستعملة.

رميتها بعيدًا
كنت أشتري تذاكر اليانصيب، على أمل أن أتقدّم بسرعة. انفصلت عن صديقتي قائلًا لها إنني لا أستطيع أن أرى مستقبلًا لعلاقتنا في حالتي المالية المحزنة. خبّأت طوال الوقت عقدة الدونية التي لديّ بعناية، وتصرفت كما لو كان كل شيء طبيعيًا في حياتي. لكنني كنت بائسًا، وجعلت الناس الآخرين بائسين أيضًا.

ربما يبدو الأمر كأنني أبالغ عندما أقول إنني بدأت أتحوّل إلى إنسان جديد، حتى إن أحد الأشخاص قال لي: "كل ما فعلته هو رمي الأشياء بعيدًا"، وهذا صحيح. لكن من خلال وجود عدد أقل من الأشياء حولي، بدأت أشعر بسعادة أكبر كل يوم. بدأت أفهم رويدًا رويدًا ما هي السعادة.

إذا كنت تشبهني بشخصيتي القديمة - بائس، تقارن نفسك باستمرار مع الآخرين، أو تعتقد أن حياتك مزرية - أظنّ أنه ينبغي أن تحاول توديع بعض أغراضك.

تمرين ضد الضياع
نعم، هناك بالتأكيد أشخاص لم يسبق لهم أن تعلقوا بالأشياء المادية، أو عباقرة نادرون يستطيعون أن ينجحوا وسط فوضى ممتلكاتهم. لكن أريد أن أفكر في الطرق التي يجد فيها الناس العاديون، مثلك ومثلي، الملذات الحقيقية في الحياة.

الجميع يريد أن يكون سعيدًا. ولكن محاولة شراء السعادة يجعلنا سعداء لبعض الوقت لا غير. نحن ضائعون عندما يتعلق الأمر بالسعادة الحقيقية.

بعد كل ما مررت به، أعتقد أن توديع الأشياء الخاصة بك هو أكثر من مجرد تمرين لترتيب أغراضك. إنه تمرين لتعلّم السعادة الحقيقية. ربما يبدو ذلك سخيفًا، لكنّه صحيح برأيي.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات