GMT 20:36 2017 الإثنين 22 مايو GMT 20:18 2017 الإثنين 22 مايو  :آخر تحديث

قراءة في مواجع رواية عقاب يحي: "بوح امرأة عطشى"

ماجد ع محمد
بما أن الشك من حُسن الفِطن وفقَ منظور مَن أودع الجملة بين أيدينا  من السلف، كقاعدة يُستعان بها في أغلب مناحي الحياة بما فيه ما يتعلّق بموضوعات الفنون والآداب، تداولها، أو التعاطي معها من منظار تذوقي جمالي صرف، لذا لا نعرف مدى تطابق رأي الأديب الفرنسي الراحل أناتول فرانس في قوله:"إن النقد سياحة تقوم بها الروح بين الأعمال الأدبية، وبأن الناقد بستاني يطوف بحدائق الأدب مجتنياً من كل بستان زهرة" وذلك مع ما ورد في سياق هذه الرواية الموجعة والصادمة بأهم ما يجرح كرامة الإنسان عموماً، والشرقي على وجه الخصوص، ألا وهو موضوع الشرف وفعل الاغتصاب، فيا ترى أية سياحة هذه وتكاد التفاصيل المجرحة للكرامة تدفع بالقارئ إلى مراقي الذهول وهو يصطدم بما يقرأ؟ ليس لفانتازيا المدوّن إنما من هول صدمته الواقعية، صحيح أن البوح العطش للحرية، والرغبة الحارقة لدى البطلة للإنعتاق من القائم المتعب هو مستساغٌ سماعه في مستهل الرواية، ولكن الملفت أن شكوى كل من ليلى وسلمى وما تبوحان به فيما يتعلق ببناء أهرامات الأحلام عن الحياة المستقبلية لهن، وعن شركاء الحياة وفرسان أحلامهن، كما هي عليها أحلام الملايين من أناس هذه الجغرافية التي تكاد تكون الأحلام فيها حياة أخرى تقيم في المخيلة، وذلك ليس لاستكمال نقصٍ ما في الواقع، إنما لاختلاق واقعٍ آخر أو عوضاً عنه، أو علّ الحلم يمدهم ببعض ما يشجع حيواتهم المعاشة، علماً أن أغلب تلك الأحلام لا أرضية لها، ولا أساسات تقام عليها أعمدة الأحلام، وهي تحاكي حيوات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من الأشخاص الذين أدمنوا على الأحلام كما يدمن بعضهم على اللوتو أملاً بالفوز بالملايين التي قد تغيّر دنياهم رأساً على عقب، مع أن أغلب المقامرين قد يذهبون بأيديهم وأرجلهم نحو هاوية التردي الاقتصادي ومن ثم الانحطاط الاجتماعي، أو كمن يدمن الخمر تهرباً من الواقع فيما يقوده الإدمان إلى أدنى درك من سلالم الواقع، فيبدو أن بعض أسباب الإدمان على الأحلام هو التفاوت الاقتصادي بين البشر، واختلاف ظروف حيوات الناس، إذ يغدو الحلم هو الملجأ لكل مَن لم يكن قانعاً بظرفه، وكل من لا يقدر على التصالح مع الواقع كما هو، وحيث قيم القناعة لم تعد محط ترحيب لدى أغلبية أناس هذه البقعة الجغرافية التي تتحدث عنها الرواية، بالرغم من أن القناعة ملهمة للطمأنينة وجالبة لراحة البال، ومع أن الإنسجام مع السائد غالباً ما يزرع الأريحية في السرائر، إلا أن بطلات الرواية يدخلن في صراع نفسي بسبب ميولهن الشخصية والمفاهيم المختلفة لديهن عن الحرية الجسدية، فكل منهن غير راضية عن زواجها، والبوح بينهن يجعلهن يشتهين أن يعشن تجارب خارج المسموح ولو أن ذلك لا يتجاوز الأماني، فزوج سلمى يحاول التقرب من ليلى عبر السهرات والولائم والتغزل الضمني، مع أن كل ذلك لن يؤدي للوصول للعلاقة المحرمه، لمعرفة ليلى بالحدود بين ما تفكر به وبين المسموح أن تمارسه في حياتها، فيما تكتشف كل من ليلى وسلمى وقريناتهن بأن هذه الثورة حاجة شخصية لكل منهن ليخرجن من طقوس العيش المفروض عليهن.
فالرواية التي بين أيدينا عالم واسع نجد فيه ما لم نتوقعه قبل القراءة، ومنها مثلاً نفحات عدة هي أقرب إلى الصور الشعرية الجميلة من النثر، والتي تخللت بعض الصفحات عدا عن القصيدتين في القسم الأخير من الرواية، وذلك حين يقول على لسان الشخصية: "كانت أمي تضع انفعالات والدي في عب صدرها الواسع" وعبارة "أبي كتلة العواطف المنطلقة في كل اتجاه مثل سهام تخرج دفعة واحدة نحو أهداف مبهمة" ص: 11 "مثل أي قطعة أثرية لم ينفض عنها غبار التاريخ" ص: 60 " حجرة أدبية اغلقت أبوابها بقفل الزواج" ص:68 وفي الصفحة 118 نجد هذه الجملة الجميلة "أنا مجرد امراة تفتحت شرايينها بعد زمنٍ على ريح الثورة فانضمت إليها" فيما نقرأ في الصفحة 172 " أحلمُ، ألفُّ الأماني في لب الخبز وأنشره كي يجف فيحافظ عليه، ثم أخبئه في عبي خوفاً من لصوص الوطن الذين يسرقون حتى الأحلام"، ومن الصور الجارحة في المشهد الذي يكون فيه فعل الاغتصاب قاب قوسين من الوقوع نقرأ في الصفحة 126"اختنق الصوت في كهوف الاحتمال" وقلت لجسدي كن غيري وليفعلوا بي ما يشاؤون طالما كانت روحي حرة بعيدة عن متناولهم" وفي الصفحة 127 نقرأ "كان الخجل يحممني بعرقٍ غزير وهو يمنعني من الالتفات أو التحديق". 
ورغم سرد المواجع ثمة مشهد كوميدي وسط الألم والقهر كوصف البنت للعريس الذي جاء لخطبتها قائلة ص. 14 "شاربه منتصب كمجاميع نملٍ أسود حطت دون انتظام" وكذلك تشريح البنت لشكل الرجل الذي يتقدم لخطبة إحداهن وكأنهن يرددن الصفات الشكلية القبيحة لأحنف بن القيس ص. 16، وتسديد المرأة بكاميرا النواظر والتقاط الصورة الكريهة للرجل وهو "يأكل مجلوعاً لا يشبع وكأنه محروم من الاكل" وذلك من خلال طريقة أكله الممجوجة وطريقة مضغه والأصوات التي يحدثها وبعض البقايا العالقة عل اطراف فمه أو وهي تسيل على ثيابه وذقنه من شراهته"ص:52.
وفيما يتعلق بعادة الاختراعات لدى الذكور في التفاخر بعلاقاتهم مع النساء والتباهي بعدد صاحبات الواحد منهن ههنا الصورة معكوسة في الرواية إذ أن سلمى هي التي تختلق عشرات القصص الغرامية تعويضاً عن نقصٍ ما بداخلها كما هي نواقص الذكور المفتخرين بعلاقاتهم المتعددة بالنساء، وحيث نرى رشيد "يروي لأقرانه مغامراته وكيف نجح في جرجرة فريسته وأشربها الكونياك وراح يلعب بجسدها وهو يصف ذلك بطريقة شعبية بذيئة ويسرد تسلله بعد الفخذين الى بئر الشرف أو عش الحرام" وهي بمجملها كلمات وقصص مختلقة منه تعويضاً عن النقص الذي يعانية ودلالة على تربيته الشوارعية.
كما يمرر الروائي حالة التناقضات الداخلية التي يعيشها الإنسان السوري حيث أنه يطرح ويدعو ويروّج لأشياء معينة ولكنه سرعان ما يقوم ويفعل العكس، كدعوات سلمى للتحرر من ربقة الذكورة، والقرار الذي لا يمكن التنازل عنه، ورفضها المطلق بدايةً للزواج التقليدي إلى درجة الهروب والانتحار ومن ثم فجأة تقبل بمجرد شخص ميسور الحال وترمي بلحظة واحدة كل ما قالته من الأحلام الوردية التي كانت متمسكة بها، وتستسلم لزوج لا يتعامل معها إلاّ كفريسة وكوحش كاسر يخرج كبته وساديته الجنسية المتراكمة طوال الأعوام السابقة في ضحيته سلمى، وكيف "كفرّت بالحب وصارت تعده كذبة كبيرة ووسيلة مشرعنة لتحويل النساء إلى إماء"ص.45 وكيف أن التراكم التاريخي في قمع النساء دفعت البطلة إلى أن تشعر بشيء من "الحقد على الرجال والخوف منهم بما فيهم أباها الذي كانت متعلقة به" ص.13، ويُشتشف من سياق المقروء أيضاً أنه بالرغم من القتل والخراب والدمار الذي جرى في سوريا خلال أعوام الثورة، إلا أن من بعض فوائدها أنها خلخلت البنية الهشة للمجتمع وظهرت كل التقرحات المتراكمة على شكل طبقات جوفية، إذ أننا نقرأ عن أمراض جابر النفسية وتوارث مرضه عن أهله تذكير لنا بقول نيتشة بما معناه "أن ﺗﻮﺣﺶ اﻟﺮﺟﻞ الذي ذرعه الآب ﰲ أﺣﺸﺎء امرأة منكسرة ﺬﻟﻴﻠﺔ، وإما أن ﻳﻜﻮن وﺣﺸﺎً ﻛﺄﺑﻴﻪ أو ﻋﺒﺪًا ذﻟﻴﻼً ﻛﺄﻣﱢﻪ" وحيث نرى سلمى بعد انهيار جبل الاحلام امام هول الواقع المر لحياتها الزوجية وهي تقول:" لقد تركت له جسدي ليفعل فيه ما يشاء ويمارس عقده الموروثة" ص.77 فيما تصرّح  ليلى بحقيقة ما هو عليه جابر الذي حطّم اماني رفيقتها سلمى وهي تقول له:" يا من يعتقد بأن متاع ومطية للمتعة والإنجاب والتي فقط تروي غرائز وتشوهات وشذوذ الرجال أولئك الذين لا يقيمون أي اعتبار لحق المرأة في الجنس والدور والقابليلية والرغبة الداخلية لديها"، وعن حال التشتت والضياع بين تعدد الهوايات لدى البطلة ففي ص.55 يذكرنا المشهد بلوحة كاريكاتورية للفنان دارا ائستري حيث تمثل اللوحة حمار ما وهو يصعد الدرج وهو يحلم في آن واحد بأنه سيصبح موسيقياً ثم رساماً ثم استاذاً ثم مطرباً ثم شاعراً ثم محامياً ثم مهندساً فلا يعرف الحمار ماهي حاجته الداخلية ولا يعرف بالأصل ميوله إلى أي من الفروع تكون أقرب إلى غيرها، كما لا ينسى المؤلف على لسان البطلة استعراض ظاهرة تحليل المحرم لدى الكثير من المتدينين والقول" إن صارت لهم صيدة معينة من عارضات اللذة لا يوفرونها بعد قراءة الفاتحة" ص.57.
وعن مشهد الإغراء والإغواء الذي تمارسه بعض الفتيات في الجامعة نقتطف " لاحظت بعض الطالبات تستخدم أجزاء من جسدها لتدويخ الشباب ودفعهم للاستجابة، وقد لبسن قصير الثياب أو الضيق منه ورحن يرفعنه أكثر لإظهار مفاتن الفخذين" ومن ثم  حالات الاستغلال الجنسي للطالبات ونصب الفخاخ أمامهن في الجامعة حيث "يعتقد رشيد على أن وجوده في الجامعة لسنوات طويلة يسمح له بمزيد من العلاقات مع أصناف البنات القادمات وتوظيف خبراته المتراكمة في اصطيادهن"ص.70، وثمة موضوع شيق يتناوله الروائي في الصفحة 161 وذلك عندما تتعمد سلمى أن تسيل لعاب زوجها في حديثها الشبقي عنهن أي عن صديقاتها أمام زوجها وهي تلعب ذلك الدور التحريضي من دون أن تشعر بالغيرة، وذلك ليس حباً بالتعهر أو التسويق له إنما كرها بالرجل وقرفاً منها، لعلها بذلك الاسلوب تتخلص من نهمه الجنسي الحيواني الذي لا يعرف الكلل ولا ينتابه الملل من الاعتداء الجنسي المتواصل عليها.
أما عن الفئة التي كانت ومنذ انطلاق الثورة تركب قاربين في آن واحد واضعين قدماً في قارب الثورة والقدم الأخرى في قارب النظام، وذلك على أمل النجاة في حالة غرق أي قارب منهما بحيث يكون الثاني في متناوله، حيث تتحدث ليلى عن ازدواجية زوجها وهي تقول:" يضع قدما هنا وقدما هناك وينتظر ميلان الكفة لأية جهة كي يدّعي ما يناسبه من قصص مفبركة جاهزة في عبه المعبأ بآيات النافق" ص. 77 وحيث نرى جابر زوج سلمى أيضا يحاول أن لا يبدي موقفاً واضحاً من النظام والثورة ويفضل أن يكون موقفه ضبابي حتى لا يخسر أي طرف منهما وهو يُصرّح: "علينا أن نقف منها موقف المؤيد أو المعارض بآن، وقوله بأن الأمور ليست واضحة على أي اتجاه سترسو، وعلينا التزام الحذر وعدم التهور في إعلان مواقف واضحة تجاه النظام أو المنتفضين الذين يسميهم جابر بالمتمردين" وهذه الظاهرة لمسها الكثير من السوريين أثناء المظاهرات التي كانت تخرج لإسقاط النظام حيث "كانت المئات  تسير إلى جانب المظاهرات وكأنها تضع رجلاً مع المتظاهرين ورجلاً في رماد الحياد"ص.91، وهنا تقول إحدى الشخصيات في سياق الرواية ممن لا يريد أن يخسر النظام ولا يعارض المعارضة من باب الاحتراس من تغيير الموازين وهو يردد "خد وعين، يعني هنا وهناك"، وهو ينصح زوجته بأن عليها أن تبقى على الرصيف ككثير من الحياديين المتفرجين أشباه المؤيدين الذين يعبرون عن موقفهم المتخاذل بحيادٍ سلبي تام، وهو ما يذكرنا بقول مارتن لوثر كنج بما معناه "أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون على الحياد أوقات المعارك المصيرية الكبرى".
أما بالنسبة لدور النساء في الثورة فلم يكن ليختصر دورهن في الوقوف بوجه النظام في المظاهرات وإطلاق الشعارات السياسية، إنما في تخلص النساء من عبودية المنازل، وكذلك كان للثورة دورها على إحداث التغييرات الفردية ضمن الدين الواحد وليس فقط على مستوى الجماعات، وكيف أمدت الثورة النسوة بالقوة فتحوّلت ليلى في لحظات معينة إلى وحش كاسر، وامتلكت قوة رهيبة أضعاف ما كانت عليه في الحالة العادية، وقد تحولت إلى لبوة حقيقية، وكيف غرست الشوكة في خصيان جابر الذي حاول اغتصابها عندما لجأت ليلى إلى بيتهم، وهذا العنف في الانتقام لم يأتِ من فراغ، بل وكأن دفاعها لم يكن عن كرامة الذات فقط، بل هي كانت دفاعاً عن الكرامة المهدورة لصديقتها سلمى، أو لعل المقصودين بالطعنة كانوا جميع الذكور الذين لا يرون في الأنثى إلاّ مكباً لشهواتهم المقرفة، لذا جاء الانتقام قاسياً وذلك من فرط حقد المرأة على الرجل الذي يجعل منها مجرد كنيفٍ لإفراغ ما في جوفه، لذا نرى ليلى وهي تخاطب نفسها عما فعلته بجابر قائلة "اخصاء مثل هؤلاء الرجال هو العلاج الناجع لهم وأهمُ من قتلهم لأنهم يجب أن يبقوا أحياء يتنغصون طول البقاء"ص.156، كما يمرر الكاتب على لسان إحدى الشخصيات أكاذيب الرجال وادعاءاتهم المتعلقة بالديمقراطية والحرية فهم "يتشدقون بشعارات الحرية وحقوق المرأة ومساواتها بالرجل ولكن حين تقترب منهم يبرز غول القرون الغابرة، وذكورية الشرق مخلوطة بالمعتقدات الراسخة، فهؤلاء الرجال يمارسون الغش الحقيقي، ويخلطون الأوراق والتخوم ويكذبون ويسيئون لجوهر الفكرة" أي فكرة الحرية ص:227 .
ويبقى أن ما امتازت به هذه الرواية بخلاف القوقعة لـ:مصطفى خليفة، أو خيانات اللغة والصمت لـ:فرج بيرقدار أو خمس دقائق وحسب لـ: هبة الدباغ، هي في ما يشبه الجانب التوثيقي للانتهاكات اليومية في سجون النظام، توثيق سلوكيات أجهزة أمن نظام الأسد وجلاوزته خاصةُ في موضوع التحرش الجنسي بالمعتقلات واغتصابهن، وحيث يبرز الروائي أحقر ما في الإنسان المتسلط الذي يجتمع لديه التخلف مع الحقد بآن واحد، وكيف أن النظام يلجأ الى أسوأ وأقذر الوسائل للنيل من كرامة الإنسان، حيث يحشرهم جميعاً "رجالاً ونساءا عراة في مكان واحد لكسر إرداة المعتقلين ونزع كرامتهم" ص. 114 ، وكما تحدثت تقارير منظمات حقوق الانسان عن المسلخ البشري يصف الروائي حال المسلخ وناسه في ص.117ـ 125 وهو بحق يستشرف الأحداث لأن الرواية مكتوبة منذ ما قبل ظهور تقرير المسلخ البشري في سجون النظام، ومن المشاهد التي تقشعر لها الأبدان هو عندما يقول أحد الجلاوزة المسمى أبو العناتر لليلى" ستعترفين يعني ستعترفين وسنتسلى بك ببعض المداعبات التمهيدية وإن لم تستجيبي سنجعل منك عاهرة محترفة بعد أن تتذوقي نخبتنا، بل وحتى أصحابك الذين رغم تظاهرهم بالأخلاق سيتسابقون إلى مضاجعتك، وسيفعلها بك أكثر من واحد في وقتٍ واحد وعلى جميع الاتجاهات وستدفعين الثمن بجعلك قحبة تطلبين الرجال حتى في أحلامك" ص. 129 وكيف مارس جلاوزة الأسد الاغتصاب الجماعي لهديل أمام عيون حبيبها، ومن ثم مطالبتهم منه بأن يضاجعها أمامهم، وكيف لفظ ربيع أنفاسه الأخيرة من القهرِ لأنهم رغم كل الركل والضرب لم يقدروا على أن يجعلوه يضع احليله بفم حبيبته فمات ولم ينصاع لطلبهم" ص.133 كما استشهد قبله تحت التعذيب كل من مازن الأحمد وسميحة الراشد، إذ من بعض أبرز الاستراتيجيات الوضيعة لنظام البعث هي استراتيجية تدنيس الكرامة البشرية وتعهير المجتمع ككل عبر الإقدام على الاغتصابات الجماعية، فثمة صورة صادمة جداً يقدمها الروائي عما آلت إليه أحوال المعتقلات في سجون النظام وهي أن من كثرة قيام الجلاوز باغتصاب المعتقلات كان ذلك يجعلهن مدمنات جنس، ويدفعهن الموقف تالياً الى طلب الجنس والتعود عليه "بعضهن أصبن بما يشبه الحمى التي تترافق مع سخونة شديدة وهذيان ما لم تتم لها ممارسة جنسية ما" ص:  188، والخطير في أمر الاغتصاب أنه مع مرور الزمن يغدو فعلا اعتياديا وروتينياً ص. 145 فالاغتصاب في أقبية فروع النظام يصبح واجب وطني كخدمة العلم.
وكما هو الحال بالنسبة لما حدث في بعض السجون التركية مع المعارضين الكرد، حيث انتشرت في المعتقلات ظاهرة أدب السجون، والذي غدا أحد فروع الأدب الكردي المدموغ برائحة الزنازين، كذلك الحال ففي الثورة السورية وفي معتقلات نظام البعثِ الفاشي، تفتقت القرائح الشعرية لدى بعض الثوار والنشطاء، وها هي إحدى المعتقلات تخاطب ولدها الذي تركته خلفها في الخارج وهي تنشد: 
يا علي يا قطعة القلب التي اختبأت خوف السكون
 أيها الأنا. دمي. عمري. دموع الأم في بطن الظنون
ألم آتيك ملايينا في المنام
ألم أحضنك تقبيلاً لا ينام 
وأحكي لك الحكايا
والأغاني التي نامت عليها العيون
وابتسامات البراءة والأم.. أنا امك .. ليلى الحنون؟!  
وتعيد سلمى في قصيدة اخرى من قصائد المعتقل تنشد: 
" الحلم يبحث عن جنين
والحلم ابتهالُ الصبح حيناً بعد حين" ص: 231 
فيما يبقى الفاصل الترفيهي في المعتقل هو الذي يقمن به العاهرات اللواتي حشرن في نفس المهاجع مع نشطاء الثورة، على كل حال فهذا التصرف ليس بجديد لدى نظام البعث العربي، إذ من ضمن ما نتذكره أن في حلب وقبل الثورة بسنوات اعتقل يوماً أحد أهم قياديي حزب الاتحاد الشعب الكردي ألا وهو مصطفى جمعة وحينها لم يضعوه مع السياسيين في سجن حلب المركزي، إنما ومن باب إهانته وتحطيمه من الداخل نفسياً ومعنوياً وضعوه في مهجعٍ مع المسجونين بتهم الاغتصاب والشذوذ الجنسي، عموماً يظهر الروائي ههنا الدور الايجابي للمومس التي حُشرت مع ناشطات الثورة في مهجعٍ واحد، حيث تحاول المومس من خلال خلق جو فكاهي إبعاد شبح الحزن والألم عن سماء المعتقلين لبضع دقائق، ومن المشاهد الإنسانية الفريدة التي نلمسها لدى المعتقلات بالرغم من التفاوت بينهن، حيث نجد المومس والمناضلة يصبحن أسرة انسانية واحدة، فتتحد أوجاع ومأساة العاهرة والشريفة، حيث أن الهم المشترك والمصير المشترك ألغت حتى الفوارق القيمية بينهن، كما أن الحقد على الذكور وقذارة أفعالهم في المعتقلات بحق السجينات يعيد إلى أذهاننا اسطورة النساء الأمازونيات وكرههن للرجال، وحسب الاسطورة أنه لولا حاجة المحاربات الأمازونيات إلى اللقاح الذي كن يحتجنه في السنة مرة واحدة لاستمرار النسل، لقضين على كل الذكور من فرط كراهيتهن لقطيع الذكور، وكذلك من مفارقات العمل أن حديث المومس جمانة الأسعد عن والدها وطريقة تحدثها عنه واحتقارها له تذكرنا بمحمد شكري في الخبز الحافي والصور السلبية والبشعة المرسّخة في ذهنه عن والده الذي لم يكن ليستحق غير البول على قبره.
كما لا تخلو صفحات الرواية من نقد مَن كان يدور في فلك النظام ويشرعن إجرامه من الأحزاب السياسية طوال عقود حكم البعث، وهو يصف "(الجبهة الوطنية التقدمية) بجبهة البصم والتلفيق والتصفيق لصاحبها النظام ورأسه"ص.85 ، بالرغم من أن الكاتب حاول أن لا يكون قاسياً أو متطرفا في الحكم على تلك الفئة من الأحزاب، إنما ينصفهم حيث يبين بأن أبناء قيادات وأعضاء الجبهة الوطنية التقدمية شاركوا في الثورة ص.104، وفيما يتعلق بشوائب الثوار فيتطرق الروائي حتى إلى فساد المنظمات الإغاثية في تركيا وطريقة تسجيل القوائم والأسماء الوهمية من قبل بعض تلك المنظمات، ومن ثم بيع المواد المخصصة للمحتاجين في السوق السوداء، وكذلك ظهور فئة تجار الحروب وأمرائها من المتسلقين على الثورة وأموالها من أصحاب النفوذ والعلاقات مع الدول الداعمة، وابتلاء الثورة بالعشرات من الأمراض الوافدة أو المفروضة عليها، والإيحاء بأن الثورة التي تخلو من القيم الثورية سينتقل إليها كل حثالات النظام ليعتاشوا عليها، كما اعتاشوا على النظام عشرات السنين والقول: " لقد بات كثيرهم أصاحب ثروة ومغانم لم يحلم بها، وهو يمارس أفعالاً نترحم أمامها على النظام" ص:2013، وكذلك الجانب الآخر من مساوئ المنظمات ألا وهو تدخل مخابرات الكثير من الدول فيها، منتقلاً إلى الفساد الموجود في صفوف الثوار وصولاً إلى الناشطات المعتقلات في السجون، فزينب الخطيب التي كانت تُعد بمثابة أيقونة ثورية تبينت لاحقاً بأنها عميلة رخيصة لأجهزة الأمن، ومن هنا يبدأ العقل الثوري بمحاكاة عقلية النظام في التصفية والانتقام، ويغيب العدل الذي كانوا ينشدونه عن بال الكثير منهم، فيقلّد المظلوم تصرفات الظالم، حيث تمكنت بعض المعتقلات من زميلتهن زينب الخطيب وذلك عبر خنقها بواسطة مخدة نتنة وضعت عنوةً وعلى مراحل على فمها حتى فارقت الحياة، والمشهد هنا ربما يُعيد الى أذهاننا قول الأديب الفرنسي ألبير كامو ألا هو "أن نهاية كل ثوروي أن يكون طاغية أو زنديقا"، والملفت كذلك في الرواية أنها أنصفت الطوائف الأخرى ولم يتأثر مؤلفها بما تبثها وسائل الإعلام من السموم الطائفية، ودعوة تلك المنابر إلى زراعة الحقد والضغينة بين طوائف المجتمع السوري، وذلك سواء أكان إعلام النظام الفاتك، أم ذلك الإعلام المحسوب على المعارضة، فيبين الكاتب كيف "كان العلويون والعلويات في الصفوف الأولى حين التظاهر وكانوا من أبرز الناشطين والناشطات، لأن الثورة جعلتهم قريبين من بعضهم وأضعفت الفوارق بين فئات المجتمع، وأنبتت شيئاً مشتركاً بين الجميع ألا وهو الوطن، الحرية، الحلم، المساواة، التغيير، حقوق الانسان" ص.86ـ 87  وثمة قدرة استشرافية واضحة لدى الكاتب في فهم تركيبة نظام البعث حين يقول: "نظام يقتل الحياة ولا يابه لشيء سوى بقائه جاثما على الصدور" فها هو رئيس وفد الهيئة العليا للتفاوض نصر الحريري في ختام جولة مفاوضات جنيف 6 يوم الجمعة 19/5/2017 يقول: بأن النظام بعد كل القتل والدمار لا يفكر إلا بقضية واحدة وهي أن يحذف كل المحافظات والمكونات السورية من الخارطة ولا مشكلة لديه بأن تأتي كل دول العالم للبلاد شريطة بقائه في الحكم.
 أما عن ديمقراطية الطاغية فهي أقرب إلى الواقع من ناحية توزيع لعناته على كل أطياف المجتمع السوري، إذ أن دكتاتورية النظام امتازت بالتساوي في طغيانه بين كل المكونات، حيث كان ديمقراطياً جداً في تعمبم الإهانة والتنكيل بالمواطنين في عموم البلد، وكيف أن النظام لم يفرق قط في تعذيبه وإهانته بين العلويات والكرديات والسنيات، والروائي يشير إلى ما آلت إليه الأمور والتشظي الذي حصل بين فئات المجتمع، فكما أحدثت الثورة شرخاً واضحاً داخل الطائفة العلوية بعد ظهور الرايات السود في صفوف الثوار، كذلك الحال بدأ يظهر التفاوت في البيت الكردي وتتعدّد وتتفاوت الأصوات داخل الأسرة نفسها تجاه الثورة والموقف من النظام وكذلك من المعارضة التي كانت من قبل جزءاً من النظام، بل وبالنسبة للطائفة العلوية  كيف كان النظام في بعض المواضع أشدُ تنكيلاً بهم مقارنةً بالآخرين، وتم التعامل مع المعارضين العلويين للنظام بشكل أفظع من معارضي الملل الأخرى.
بينما من ناحية التيارات العلمانية فنلاحظ من خلال المسرود في شخصية ربيع اليساري شيء من الإنسجام مع المحيط والتراث الديني، وعدم محاربته  للدين كما هي العادة لدى الكثير من العلمانيين، وهو اليسار الذي حرر المتدين من قيود الجمود الديني ودله على الجوانب الرحبة من الدين، وليس إلى الإلحاد كما هي عادة بعض المتقلبين رأساً على عقب، ولكن المأخذ الفكري على الروائي هو أنه يشير من خلال المكتوب بأن أسلمة الثورة كانت بإيعاز من النظام ومن الغرب، ولكن السؤال فإذا لم يكن هاجس الأسلمة مغرياً ويثير لعاب الكثير من السوريين فلماذا انساقوا معها طائعين، فرحين؟ بل وراحوا يدافعون عن المتطرفين ويبرؤون ساحتهم من الانتهاكات اليومية كما برؤوا ساحة النظام من جرائمه لعقودٍ طويلة، إذ كما كان الكثير من السوريين ولإثبات ولائهم للنظام كانوا يمجدون الأسد ويبجلونه، فالعلة نفسها انتقلت إلى جسد الثورة، وصار مقياس الثورية متعلقاً بالشتم كما كان من قبل محكوماً بالمديح! وصار الأكثر ثوريةً هو الأكثر شتماً للأسد وحقداً على العلويين لكي من خلال تلك المزاودة يثبت ثوريته أمام أقرانه كما يشتم الشبيح الثوار ليل نهار حتى يثبت ولاءه للنظام المجرم! وفيما يتعلق بالفائض في الكلمات نرى بأن الروائي أكثرَ من المترادفات في بعض الأماكن بهدف توضيح الفكرة للقارئ، إلا أن ذلك دفعه للاستطراد في بعض المواضع، وكمثال ففي الصفحة 106 جملة حشرة منزوعة الأسنان أو السم، أو القدرة على اللدغ، وكذلك ص108 الحكم في القولبة والتكييف والتجميد والتقديس ومنع التطور والاجتهاد، ص: 156 السادي، الانفصامي، المجرم، ص: الخوف، القلق، الكوابيس، فهذا التوضيح الترادفي ربما تسبب في زيادة عدة صفحات.   
وتبقى الرواية مفتوحة الآفاق والخواتيم لأن الثورة لم تنتهي بعد، ولأن مصير أبنائها لا يزال مجهولاً، ولأن كل يومٍ تحدث المفاجآت في حياة السوريين في الداخل وفي المغتربات والمهاجر، ولأن الحلول السياسية لا تزال تأتي كسُحب الصيف في أيام القيظِ، لذا أبقى الروائي ختام عمله مفتوحاً على أمل أن يتممها أبناء سوريا بما تمناه الروائي وحَلِمَ به قبل الشروع بكتابة الرواية، وفي ختام هذه القراءة بودي تذكير القارئ  بجملة الأديب الانكليزي د.هـ.لورنس وهو يقول:" لا يمكن أن يكون النقد الأدبي أكثر من وصف مُسبب للمشاعر التي أنتجها أو سببها الكتاب للناقد، حيث يرى لورنس بأن النقد هو استجابة شخصية لما أحدثه المكتوب في الناقد" وبرأينا المتواضع غاية القراءة بعيون نقدية ليس الهدف منها اكتشاف العثرات، إنما إضاءة النص وتدليل القارئ والأخذ بيده إلى أماكن أو زوايا خفيت عنه، وبالتالي لفت إنتباه القارئ أو الكاتب نفسه إلى ما لم يخطر بباله، أو إضفاء رونقٍ خاص على المقروء، وتسهيل المسالك الوعرة إن وجدت أمام قُرّاء العمل، وأن يضيف شيئاً جديداً من لدنه إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وليس فقط إحصاء مثالب العمل الذي بين لديه كما درجت العادة في بلادنا.  
ــــــــــــ
ـ بوح امرأة عطشى/ عقاب يحي/ الطبعة الأولى 2017 دار نون 4 للنشر والمطبوعات.
ـ ما وراء النص/ د. ماهر شفيق فريد/ اتجاهات النقد الأدبي الغربي/ الدار المصرية اللبنانية 2016. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات