GMT 15:34 2017 الثلائاء 23 مايو GMT 11:34 2017 الثلائاء 23 مايو  :آخر تحديث

كارسن ماكالرز: الشغف بأشياء عادية

إيلاف

 

بقلم كه يلان محمد
 
مايجعلُ أي موضوع مادة روائية هو قدرة الكاتب على سبكه في قالب سردي وإيجاد آلية مناسبة لصياغته الشكلية ،كما لايأتي نجاح المُؤلف الروائي من التنقل بين أزمنة مختلفة وحواضن مكانية متعددة بقدر مايكون الأمرُ متوقفاً على ذكاء الكاتب في خلق الشعور لدى المُتَلَقي بإنه يُعيدُ  إكتشاف العناصر المركبة للحياة الواقعية من خلال مايسردهُ الروائي في مُنجَزه السردي.ويلقي ضوءاً على ميزة لامرئية في أشياء عادية  ، نقولُ ذلك ونعرف بأن الرواية الجديدة  تحاول أن  تجعل الأشياء بديلا عن الشخصيات الإنسانية في متونها .ومن هنا لايبحثُ المتلقي عن ثيمات معينةَ طالما هو على موعد  للتعرف على الجانب الحميمي فيما أهملتهُ الذائقة المُدجنة،ما يحركُ شريط السرد في رواية (أنشودة المقهي الحزين) للكاتبة الأمريكية (كارسن ماكالرز) الصادرة من مسكيلياني 2017هو الشغفُ برصد مانصفه بأشياء عادية إذ مع توالي حلقات السرد على لسان الراوي العليم تتخذ الأشياء صورة كأنها غير معهودة بالنسبة لك،تقدمُ لك كارسن ماكالرز طبيعة الحياة في إحدى بلدات أمريكية حيثُ تدرك للوهلة الأولى خلو العمل من النتوءات والحشو بل كثيراً ما تلجأُ الكاتبةُ إلى تقنية الحذف المباشر وتفقزُ على مُدَدٍ زمنية طويلة لذا يكون ماهو أساسي وجوهرى في العملِ ماثلاً في مجال إهتمام القاريء،تبدأُ الرواية بجملةِ تُعَمِقُ لديك ما توحي به عتبة العنوان من أهمية عنصر المكان ومايُخيمُ على فضاء العملِ من أجواء كالحة،وإيقاع يتراوح بين سعادة خجولة وحزن غليظ.
 
الغريب 
يُسردُ الراوي حياة الآنيسة أميليا وهي توارثت عن أبيها متجراً لبيع العلف وذرق الطيور والسلع الغذائية،تتقاطع يوميات هذه سيرة هذه السيدة الموسرة مع يوميات البلدة الكئيبة، إذ إتسمت الحياة بالرتابة وتكرار المشاهد بجانب المتجر الذي تقطر فيه أميليا الحولاء الشراب كان هناك مصنع للقطن يقضي فيه الرجال سحابة نهارهم المثقل بالشغل هذا الأنطباع هو ماتخرجُ عقب قراءتك للصفحات الأُلى إذ تعرف بأن صاحبة المتجر تعيش وحيدة وحققت مكاسب مالية كبيرة بحيثُ تؤهلها أموالها لأن تكون عضواً في الكونغرس على حد وصف الراوي لولا ولعها بتقديم الدعاوى القضائية حول مسائل في غاية التفاهة،لكن يقعُ ما يخلصُ مسار الحكي من الركود ويشرعُ الباب على إحتمالات وتوقعات لدى المتلقي وذلك عندما يصلُ رجلُ أحدب إلى متجر البلدة وأخذ يبكي على مرأى السيدة أميليا .فالقادم شخص غريب الأطوار يدعي بأنَّه إبنة خالة  أميليا وياخذ بشرح بتفاصيل صلة القرابة بينه وبين السيدة الغنية إذ يذكرُ بأن أمها تدعي فاني جيسوب من تشيسياو وعندما تتزوج برجلها الأول تغادر تلك المدينة ويسمع منها الإبنُ لاحقاً بأن لديها أخت  غير شقيقة إسمها (مارثا) وهي أم سيدة أميليا،وبهذا يكسبُ الرجلُ بشق الأنفس مكاناً لنفسه عند إبنة خالته ومايثير إستغراب أهل البلدة ويعطيهم الفرصة للإسترسال في إفتراضاتهم وتخميناتهم هو تواري الأحدب عن الأنظار لعدة أيام حيثُ يتداولون فيما بينهم عدة سيناريوهات منها مقتل الغريب على يد تلك المرأة ودفنه ولم يَعُدْ للرجل أثر.وماعزز من قوة هذه الشائعة عدم فتح باب المتجر كما أن لميرلي راين تفسيره الخاص لإختفاء الوافد يُشارُ أن ميرلي يبدو بمظهر بليد ويحضر في عدة مشاهد ودوره لايعدو تكملياً لشخصيات أخرى فهوكان مقتنعا بأن السيدة الغنية قتلت الرجل للحصول على مافي حقيبته، لكن يتفاجأ أهل بظهور الأحدب من جديد إذ كل الشواهد تشيرُ إلى أن الأخير يحظى بإهتمام صاحبة المتجر وتقدم له أصناف الطعام والمشروبات بل ولو لم يأتِ (إبن خالة لايمن) إلى البلدة لما تحول المتجر إلى مقهى ينعم فيه عمال المصنع بالإسترخاء، وبما أن الراوي متحكم بدفة السرد لذلك فهو ينقلُ على لسان سيدة ماكفيل نشوء علاقة عاطفية بين أميليا وإبن خالتها، هنا يتوقف السردُ لتسمع رأي الراوي عن الحب ولماذا يُفضلُ الإنسانُ أن يُحِبَ بدلاً من إن يُحَب؟ زيادة على ماسبق مع توالي مقاطع الرواية منجمةً يتضحُ بأن السيدة عاشت حياة زوجية لمدة قصيرة لم تتجاوز عشرة أيام مع مارفن ميسي شقيق هنري ميسي عانى الإثنان من فقدان الأُم والأب، فالأول عرف بعداونيته وإستهتاره وقعت صبايا البلدة في شِرْكِ غوايته غير أن هذا الطبع مايلبث أن يتغير عندما يعشقُ أميليا ويصبحُ شخصاً مُختلفاً عما كان عليه في السابق.لكن لايتوج الحب بعلاقة أبدية لسبب لايبوح به الراوي بل يمكن إدراكه مما يصوره الراوي لما للأيام التى عاشا فيها مع البعض قبل الإنفصال.
 
العاشق الخائب 
بعد فشل تجربته مع أميليا يغادرُ مارفن ميسي البلدة ويتنفس الجميع صعداء بغياب الفتى الشرير،وتبدى السيدة أميليا إرتياحها أكثر حين تسمع خبر إعتقاله بتهمة سرقة ثلاث محطات للوقود لكن لايمضي وقت طويل بعد أن يُطلق سراحه يعودُ إلى البلدة هكذا يتصاعدُ التوترُ ويتسارع الإيقاع وصولاً إلى مايعقبُ من الأيام مع رجوع مارفن ميسي،عوضاً أن يقع إصطدام بين زوج سابق وعشيق جديد للسيدة أميليا كمايفترضُ القارىء هذا الإحتمال، يكون الأحدب تابعاً لمارفن ميسي دون أن يثير ذلك التصرف غضب أميليا،أو يؤدي إلى نفورها من (إبن خالة لايمن) فيما يتسمرُ الأحدب في مصاحبة (مارفن ميسي) في كل الأمكنة يتواصل كل من السيدة أميليا ومارفن ميسي التلويح بالتهديد ضد بعضهما بصرياً فعلاً تحضرُ أميليا نفسها لمواجهة حاسمة مع غريمها ربطت كيساً خيشياً مملوءاً بالرمل بأغضان شجرة الليلك الهندى وظلت تلطمه كل صباح بالمقابل يرتفع عدد الزوار الى المقهى مترقبين المواجهة بين صاحبة المقهى ومارفن ميسي ويتم تجهيز مسرح المبارزة حتى الناسك الذي كان بعيداً عمايجري في البلدة ما أن تناهى إليه الخبر بما يتوقع حدوثه حتى يصل إلى المقهى ويستطلع الحشود، برع الكاتبُ في رسم حالة الترقب واندماج الحضور في اللحظة بحيثُ ينصب كل الإهتمام لما يدور على الخشبة، ترجح الكفة لصالح أميليا وتطيح بخصمها أرضاً لكن مايراه الجمهور غير متوقع مرة أخرى إذ ينقض الأحدب على المرأة وتنقلب المعادلة رأساً على العقب وتنهزم السيدة أميليا ومن ثم يعيث الأثنان في ممتلكاتها فساداً ويغادران البلدة وتبقى أميليا وحيدة.هذا العمل بقدر ماهو بسيطُ في الأسلوب بقدر ذلك عميق في الدلالة والتأثير على المشاعر ويكشف ماتختزنه بعض أشياء عادية من شحنات حميمية هائلة.وأنت تطوي الرواية لاتغادرك المشاهد كأنك شاهدت فيلما للتو.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات
0