GMT 4:00 2017 الخميس 29 يونيو GMT 9:04 2017 الخميس 29 يونيو  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

"ما بعد الحداثة" ماتت... لم تمت!

عبد الاله مجيد

إيلاف: ابتداء من أواخر الثمانينات فلاحقًا توقع روائيون وفنانون ونقاد ومؤرخون للفن موت ما بعد الحداثة. وأعلنت لندا هاتشيون في الطبعة الثانية من كتابها The Politics of Postmodernism "سياسة ما بعد الحداثة"، إنها "انتهت".

تنكرت ما بعد الحداثة بأزياء مختلفة، وبالتالي ليس هناك اتفاق قاطع على ما تتكون منه. ووصف فريدريك جيمسون ما بعد الحداثة في كتابه بأنها فقدان التاريخانية والافتقار إلى العمق والمعنى وانحسار المشاعر العاطفية، في حين أن براين ماكهيل جادل بأن ما بعد الحداثة تُحدَّد بافتتانها بالأنطولوجي.

عودة إلى التاريخ
إزاء هذا وذاك يبدو أن ما بعد الحداثة يتعلق من حيث الأساس بالتشكيك بالحقيقي، سواء أكان العالم الفعلي أو الفاعلية التمثيلية للرواية.

لكن يبدو أن القوى التي كانت تحرك ما بعد الحداثة نضبت الآن، وبحسب لندا هاتشيون في كتابها سياسة ما بعد الحداثة (إصدار دار روتليج مكون من 232 صفحة) فإن ما بعد الحداثة رفضت سرديات كبرى، بينها سرديات الدين ومفهوم التقدم والتاريخ نفسه. وتقدم روايات أنجيلا كارتر مثالًا واضحًا على النزعة ما بعد الحداثية النموذجية.

بريق ما بعد الحداثة لم يعد ملحوظًا

فهي في كتابتها حكايات خيالية تقليدية تهدم مرويات وسرديات كبرى عن الجنس والجنسوية والذاتية الأنثوية. على النقيض من ذاك يبدو أن هناك في المناخ الثقافي اليوم ارتباطًا متجددًا بالتاريخ وإحياء صنع المعنى الأسطوري الذي يستنكره غلاة ما بعد الحداثيين.

تشخيص الموت وزمانه
على سبيل المثال فإن روث أوزيكي تسجل في روايتها المنشورة عام 2013 تواريخ مترابطة، بينها قصة طيار انتحاري ياباني في الحرب العالمية الثانية، وزلزال توهوكو والتسونامي اللذين ضربا اليابان.

عملت ما بعد الحداثة على تكسير الواقع بألعاب لغوية لا تنتهي، كما يرى منتقدوها. وفي مواجهة هذا التكسير أخذت الواقعية تعود بوصفها موضة شعبية. الأكثر من ذلك أن العواطف تقوم من جديد بدور مركزي في الرواية الأدبية. ويبدو أن منطقًا لغويًا سائدًا جديدًا يظهر، وأن العالم أو عالم الأدب في كل الأحوال يعيد ترتيب نفسه. وما زالت هذه العملية في حراك، ويجب مقاربتها بالزمن الحاضر حصرًا. لفهم الوضع لا بد من طرح أسئلة في مقدمتها: "هل مرحلة ما بعد الحداثة ماتت؟، وإذا ماتت فـ"متى ماتت؟".

يشير نقاد مثل كريستيان مورارو وجوش توث ونيل بروكس وروبن فان دين آكر وتيموثيوس فيرمولين إلى سقوط جدار برلين في عام 1989 والألفية الجديدة وهجمات 11/9 وما يُسمّى "الحرب على الإرهاب" وحروب الشرق الأوسط والأزمة المالية وما أعقبتها من ثورات بوصفها أحداثًا تمثل فشل الرأسمالة العالمية مؤديًا إلى خيبة أمل بمشروع ما بعد الحداثة الليبرالية الجديدة والتفكك السياسي الأخير، الذي أسفر عن ظهور اليسار المتطرف واليمين المتطرف.

تفكيك الحقيقة
تسبب التأثير التراكمي لهذه الأحداث وما يقترن به من قلق عميق تثيره الأخبار على مدار الساعة في جعل العالم الغربي وكأنه مكان محفوف بالأخطار، حيث لم يعد المواطن يعتبر أمنه أو مستقبله مضمونًا كما في السابق.

وفي حين أن الحداثة قامت في نهاية المطاف على طوباوية، دافعت عن حقائق كونية معيّنة، فإن ما بعد الحداثة رفضت فكرة الحقيقة أصلًا وفككتها. المفارقة أن "ما بعد" إلى الحداثة إضافة تستجلي المفهوم ذاته الذي تريد رفضه. فـ"ما بعد" تعكس عدم ثقة ما بعد حداثي ما زال قائمًا، في حين تبقى "الحقيقة" محكًا مهمًا.

أسفر هذا السجال بشأن مصائر ما بعد الحداثة عن ظهور تيارات أدبية جديدة ـ أحدها يتبدى في رواية بن ليرنر الأولى "10.04"، حيث يعمل الراوي بن في تعاونية يفتخر بمبادئها الصديقة للبيئة والمعادية للرأسمالية، لكنه يستهجن عنادها في عدم مراعاة مشاريعه لقضاء أجازة باهظة الكلفة.

تجريد نوراني
أثناء عمله في التعاونية تكشف زميلته في الجمعية نور أنها لا ترتبط بيولوجيًا بالرجل الذي كانت تعتقد أنه والدها. ولهذا تداعيات عميقة على إحساسها بذاتها، لا سيما أن هويتها الأميركية ـ العربية أُرسيت على أصول والدها اللبنانية.

رغم الطبيعة الشخصية والعاطفية الحادة لقصة نور، فمقاطعات كثيرة تتخلها، وكثيرًا ما يتدخل الراوي بجمل تقريرية وتطفلات سردية. وهي طريقة ما بعد حداثية تؤطر القصة داخل قصة، وتجعلها مقدمة لها.

لاحقًا عندما يتوقف الراوي عند قصة نور، يتمنى لو كانت هناك وسيلة لمواساتها "من دون أن يبدو ذلك هراء تعاونيًا وقحًا". ثم يتأمل بن مشاعره هو قائلًا إن شخصيته بلغت حالة من التجريد، بحيث إن كل ذرة منه كأنها ذرة من نور، حيث "رواية العالم تعيد ترتيب نفسها حول نور". وفي رواية "10.04" تدور إعادة ترتيب العالم هذه حول محور الذاتية البشرية بوصفها في النهاية ذاتية عقلانية حميميًا وأخلاقيًا.

تشظي الذات
رواية "10.04" مثال واحد من الرواية المعاصرة يشير إلى اتجاه يتخطى ما بعد الحداثة. ويمكن تصنيف العمل على أنه رواية ذاتية، أو جنس أدبي يدمج كتابة السيرة الذاتية بالرواية. ازدهر هذا الجنس الأدبي مع ما يُسمى انتعاش أدب المذكرات.

قد يبدو هذا الجنس من الوهلة الأولى ما بعد حداثي يتعامل مع تشظي الذات وطمس الحدود الأنطولوجية بين الحقيقة والخيال. لكن الروايات الذاتية المعاصرة تحوّل الذات إلى سرد ليس كلعبة، وإنما للارتقاء بواقعية النص والتعاطي مع الأبعاد السوسيولوجية والفينومنولوجية للحياة الشخصية.

من مظاهر هذا التغير أيضًا اتجاهات أدبية حديثة العهد، مثل شعبية الرواية التاريخية وعودة الرواية الواقعية وارتباط الرواية المتزايد بالثقافة البصرية والرقمية. وفي الوقت الذي كثيرًا ما يشار إلى ديفيد فوستر والاس على أنه الشخصية الأدبية التي أطلقت نفير الحرب ضد ثقافة البوب ما بعد الحديثة، فإن كتابًا معاصرين آخرين يشنّون الهجوم عليها أيضًا، بينهم بن ليرنر وجنيفر إيغان وآلي سمث وديف إيغرز وجوشوا فيريس وجونثان فرانزن وشيلا هيتي وكازو أشيغورو وروث أوزيكي وزيدي سمث وآدم ثيرلويل.

تراجع ملموس
في هذه الأثناء ما زالت الثقافة الغربية تحتفظ بالموضوعات والاهتمامات التي شغلت الأجيال السابقة من الكتاب، وليس هناك ما ينمّ عن ظهور طليعة أدبية راديكالية تكتسح القديم لفتح الطريق أمام الجديد.

قد لا تكون ما بعد الحداثة ميتة، كما يروق لبعض النقاد أن يدَّعوا، ولكنها في تراجع على ما يبدو. وأصبحت أدواتها شائعة، بحيث استوعبتها الثقافة التجارية والشعبية السائدة. وفقدت ما بعد الحداثوية قيمتها لأسباب، منها وصول السوق إلى نقطة الإشباع منها.
ويرى نقاد أن انتهاء هزل ما بعد الحداثة وإدّعائها يتيح بناء أدب يتعاطى بجد مع مشاكل العالم الواقعي. وتقول الأكاديمية أليسون غيبونز المتخصصة في دراسة الأساليب اللغوية والنصوص الأدبية في جامعة هالام شفيلد إن هذا الأدب الجديد يستطيع أن يعاين أزمات معقدة ومتغيرة باستمرار في اللامساواة المتفاقمة والرأسمالية والتغير المناخي، يمكن أن يغفلها المرء بسهولة.



أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات