GMT 13:35 2017 الإثنين 3 يوليو GMT 13:38 2017 الإثنين 3 يوليو  :آخر تحديث

لكل جبل شيخ ولكل شيخ رواية: قراءة في رواية "موت صغير"

ميسلون هادي
     "إن الجبل بدون الشيخ تضريس لا قيمة له.. إن المكان بلا مكانة لا يكفي .لابد من تأنيث المكان حتى تكتمل مكانته."
    لو أن النظارات الطبية كانت معروفة في القرن السادس الهجري، لما اضطر العلماء إلى التوقف عن القراءة والكتابة في عمر الخمسين أو دونه، لم تكن المطبعة معروفة أيضاً، فكان العالم أو الفيلسوف يكتب نسخة أصلية من كتابه بخط يده، ثم ينسخه النساخون بنسخ محدودة تذهب لمختلف البلدان.. أما الرسائل، فلا إيميلات ولا آيفونات أو مسنجرات، بل رسول يأخذها على جمل أو حصان مع قافلة من القوافل، فتصل الرسالة بعد أشهر، أو قد لا تصل أبداً.. بمثل هذه الصعوبات عاش فقهاء وعلماء وشعراء حقب سابقة كانت ثرية بأشرس أسماء الأدباء والفلاسفة والفقهاء العرب.. ويبدو أن هذه العوائق التي نراها نحن صعوبات جمة، جعلت الصبر طويلاً والذهن صافياً أمامهم فكانت الأعمار تفنى للتفرغ لشأن كبيرـ ومشروع ضخم يخلده التاريخ على مر الزمان..  
   يخبرنا غوغل، ملاذ الحائرين، بأعلام التصوف والفلسفة، للقرن السادس الهجري، فتصيبنا صدمة الإنبهار مما اجتمع عليه هذا القرن من كبار الشيوخ والفلاسفة كابن رشد ومحيي الدين بن عربي وابن حزم الاندلسي  وأبو الحسن الشاذلي وجلال الدين الرومي وصدر الدين القونوي وأبو العباس المرسي وأحمد البدوي وشهاب الدين السهروردي وشمس التبريزي وابن الفارض وابو الفتح الواسطي وعشرات أسماء أخرى لا يتسع المجال لذكرها، ستشكل بثقلها الفارق عنصر جذب قوي للنهل من منهلها العذب، فكان  الروائي اللبناني أمين المعلوف هو السباق في هذا المجال في روايته (سمرقند)، وفيما بعد نسجت أليف شافاك روايتها (قواعد العشق الاربعون) على منوال رواية معلوف، فالبطلة تراجع مخطوطة عن الرومي لكاتب روائي جديد، وهذه الثيمة هي التي اشتغل عليها معلوف مع مخطوطة رباعيات الخيام، وإلى حد ما، مع مخطوطة (وصف أفريقيا) للرحالة محمد حسن الوزان في روايته (ليون الأفريقي). وهناك كُتّاب آخرون استلهموا أعمالهم من تلك الحقبة التاريخية المهمة كسلام عبود في روايته عن ابن زريق البغدادي، ولؤي عبد الإله في رواية، لم أقرأها بعد، عن ابن عربي. 
    انضم الروائي السعودي محمد حسن علوان إلى نادي  المعتكفين في الخوانق والجبال، فجلس على حصير ابن عربي، وأنعش سيرة  شيخ جليل اختلف الفقهاء والعلماء حوله، فمنهم من دافع عنه كالسيوطي والفيروز آبادي والسهروردي، ومنهم من خالفه، كابن خلدون، ومنهم من  كفّره وأخرجه من الملة باعتبار أن كتابه (فصوص الحكم) قد اشتمل على الكفر الصريح برأيهم.. وكل ذلك الجدال حوله لم يزد المتصوف الأشهر محيي الدين بن عربي إلا مكانة عظمى في قلوب محبيه، فلُقّب بالشيخ الأكبر وسلطان العارفين، وأصبحت صورته عابرة للزمان والمكان حتى حظيت بتراجم ومؤلفات كثيرة.
    ولد محيي الدين بن عربي في مدينة مرسية  بالاندلس، وتوفي في دمشق ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.. ومكانته كشيخ متصوف، كما يرى نصر حامد أبو زيد، مثّلت حالة متقدمة من نضج الفكر الاسلامي في مجال اللاهوت والفلسفة والتصوف. ونظر إليه أبو زيد بوصفه همزة وصل بين التراث العالمي والتراث الإسلامي. كان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف. وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها. هكذا يرد في السير والتراجم، ولكن الرواية تُظهر الأب كاتباً في بلاط الموحّدين.. مقرباً لا غنى عنه لدى أولياء الأمر، ومع ذلك حرص على حضور ابنه لحلقات الدرس في الجوامع، ودفع به إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، فنشأ  ملمّاً بالقرآن والحديث والتفاسير. 
هناك في اشبيلية تحدث خلوته الأولى مع شيخه يوسف الكومي حيث انهمرت عليه شلالات الرؤى، ومن إشبيلية إلى قرطبة حيث يتردد اسم ابن رشد في كل مكان. وفي لقاء يتسم بالبرود، وفقاً للرواية، سيدور الحوار بين عالم يؤمن بالمنطق والقانون وشيخ يؤمن بالكشوفات وما يدرج عليه أهل التصوف.. إنه اللقاء مع ابن رشد الذي كان يجد الحسن ما حسنه العقل، والقبح ما قبحه العقل.. وكان موضع احترام الخلفاء ثم ريبتهم ثم تنكيلهم، ونظن أن هذا السلوك هو المعتاد في العلاقة بين الحاكم والفيلسوف، ولكن الروائي يجعل ابن عربي يشعر بالذنب لشبهة كونه مشاركاً في إغضاب الخليفة على ابن رشد.. فعندما يسأله الخليفة أيهم أنفع للخليفة يقول له:
- إنك إذا ركنت للفقهاء عطّلوا عقلك، وإذا ركنت للفلاسفة عطّلوا قلبك، واذا ركنت للأولياء جعلوا قلبك وعقلك تحت نور الله المبين.
- أنت تتعصب للمتصوفة لأنك منهم.
- يا أمير المؤمنين، لقد فقهت من الدين فوق فقه الفقهاء، ومن الفلسفة فوق فلسفة الفلاسفة، ولو شئتُ أن أكون فقيهاً كابن حزم لكنت، أو فيلسوفاً مثل ابن طفيل لكنت، أو كليهما كابن رشد لكنت، ولكن الله اختار لي أن أكون من أهل الطريق فكنت.
    بعد سنوات سينادي منادٍ في السوق أن من كان عنده مخطوط أو كتاب لابن رشد يتعاطى علوم المنطق والفلسفة فليحرقه وإلا جلده الوالي.. يُستثنى من ذلك ما كان في الطب والحساب وعلم النجوم، فيخرج الوراقون كل ما لديهم من كتب ابن رشد لكومة ستم إضرام النار فيها، ويُنفى ابن رشد الى قرية يهودية فيشعر ابن عربي بالذنب .. شيء في داخله يقول إنه قد أسهم في نقمة الخليفة عليه عندما سأله عن رأيه بالفلاسفة والمتكلمين. ولكن ابن عربي يصرف هذا الفكرة عن ذهنه متعللاً بأن الخلفاء يكرهون الفلاسفة.
    ومن مراكش تبدأ رحلته إلى مكة عبر مدن الشمال الإفريقي، ومعها يبدأ المسار الموازي لترحال ابن عربي من الأندلس إلى مكة، وهو المسار الذي يعرفنا بأهوال وأطماع ومصالح سياسية غطاؤها الدين وواقعها حروب وثورات وقلاقل حاقت بهذه المنطقة سواء في الأندلس أو المغرب أو المشرق.. وكلما تغير خليفة  تغيرت معه أحوال الفقهاء والمذاهب، فهذا يقرب المذهب الفلاني وذاك يستبعده.. أما مع المتصوف العاشق ابن عربي فما الرحلة الطويلة إلا الطريق الذي يتشوف من خلاله ولاية أو وتداً أو كشفاً من الكشوفات حتى يحل به الرحال في مكة التي تُلقي عليه بشباك العشق، ثم بغداد التي يعثر فيها على وتده الثالث. ومع كل مقام هناك مقال يجعلنا ندرك الجهد الهائل الذي انكتبت فيه الرواية، وروعة المخيال الذي  صاغ للحقائق حكاية ساحرة،   ومع ذلك يساورنا القلق عن الحد الفاصل بين الاختراع والحقيقة، وهل يسوّغ هذا الجنس الأدبي المسمى بالرواية  تذويب هذا الحد في مخيال السرد؟. فمثلاً  جاء في المصادر أن  حلقة الوصل بين ابن عربي وبين جلال الدين الرومي تمت عن طريق تلميذ من المتأخرين اسمه صدر الدين القوني، ونسبها الروائي إلى حادثة أخرى عند العثور على الوتد الرابع لابن عربي، وهو شمس التبريزي، وقد مر بها الروائي مرور الكرام، بينما تمهل في وصف لقاءاته مع باقي الأقطاب والشيوخ، وصحبته المؤثرة مع خادمه ورفيقه بدر الحبشي..  وفي الحالين من التمهل كان السرد أخاذاً ممتعاً مبدعاً، إلى أن حدث التكرار في وصف الفيافي والمدن والقوافل والخانات، فبدا علوان من الروائيين الذين تغريهم زيادة في عديد الصفحات، فصبرنا عليها صبراً يعول عليه.. 
بالإضافة إلى خط الترحال المستمر  هناك فصول كتبت بحبر غامق عن ترحال مخطوطات ابن عربي بعد وفاته وتهريبها المستمر  من دمشق إلى الكرك إلى الأستانة ثم باريس ثم دمشق مرة أخرى بعد إنقاذها من أحداث حماة عام 1982 ، وهي فصول مهمة وحيوية تربط الماضي البعيد بالقريب، ماعدا فصل حماه الذي وجدته إشكالياً لا منتمياً للرواية باعتباره قد وقع في فخ المباشرة، وخلط انحياز السياسة بحيدة الفن. وإذا كان بعض الروائيين أصبحوا يثبّتون مصادرهم التاريخية في أعمالهم، كما في (عشاق وفونوغراف وأزمنة) للطفية الدليمي، و (دروز بلغراد) لربيع جابر، وإلى حدما، أليف شافاك في (قواعد العشق الأربعون) بنسختها الإنكليزية، فان علوان له قاعدة أخرى، تحيل إليها النسخة التي بين يدي، جعلت أدوات البحث في خدمة السرد دون الحاجة للتشويش بالمراجع والمصادر على بصمة الفن الروائي.
    مما جاء في بعض الأسباب عن استحقاق الرواية للجائزة رصدها وتعريفها بأماكن واحوال المدن التي مر بها ابن عربي.. وأرى أن هذا المسار  الأفقي هو مما نستطيع الحصول عليه في أي كتاب من كتب الرحالة والمؤرخين، بينما مسارتها الرأسية الأخرى هي التي تستحق التوقف والانبهار، وأولها ثراء اللغة التي يستعملها الكاتب محمد حسن علوان، والتي تعكس ثراء المضمون وأهميته الى درجة مدهشة.. صحيح أن الروائي يستعمل أسلوب الأعمال الموسوعية التاريخية الضخمة سارداً الأحداث على طريقتهم باباً بباب مع تقلب السنين وتعاقب الحدثين. إلا أن سياحته الفذة في القلوب والعقول تدل على رهافة في المشاعر  رهفت معها لغته وانتباهاته الجميلة التي سحرتنا، فكأنه مريد عاشق يكتب عن شيخ عاشق توله في الحب الإلهي، وذاب في عشق ابنة شيخه نظام التي كتب فيها (ترجمان الأشواق)، يغار عليها؟ ومن قال إن الأولياء لا يشعرون بالغيرة؟
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات