GMT 6:00 2017 الأربعاء 27 سبتمبر GMT 17:50 2017 الإثنين 2 أكتوبر  :آخر تحديث

خمس دقائق من الشجاعة لانقاذ أوروبا ... وإلا

ميسون أبو الحب

كثيرة هي الأصوات التي تدعو إلى إنهاء وجود الاتحاد الأوروبي لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بالمصالح الوطنية ومنها ما يرتبط بفشل المؤسسة الأوروبية نفسها. كتاب جديد يشرح بتفاصيل واضحة المشاكل التي يعاني منها الاتحاد ولكنه يربطها بسوء أداء قادته والمتنفذين بمصيره وبمسيرته.

مضى ستون عاما على توقيع اتفاقية روما في عام 1957 والتي مهدت الطريق بعد عقود لتأسيس ما يدعى حاليا بالإتحاد الأوروبي. هذا الكيان الذي بدأ باتفاق تجاري بين دول قليلة ثم ما لبث أن تضخم وتوسع ليتحول إلى شراكة اقتصادية وسياسية تضم حاليا 28 دولة.
ويخيل للناظر من بعيد أن هذا الكيان قائم على تفاهم كامل وشراكة حقيقية وأصول ديمقراطية بمعنى الكلمة، غير أن أحد العارفين بما تحت الغطاء الخارجي يكشف لنا وللعالم حقيقة ما يدور داخل القدر الأوروبي والمتوزع بين العواصم وبروكسل ولكسمبورغ.
هذا العارف هو جان كاترُمير الذي يعمل مراسلا لصحيفة ليبراسيون في بروكسل منذ ثلاثين عاما وقد وضع خلاصة خبرته على مدى هذه السنوات في كتاب من شأنه أن يثير حفيظة الكثيرين من المسؤولين في الإتحاد وحتى في خارجه بدءا بعنوانه المستفز وهو "أنذال أوروبا: دليل استخدام للمشككين" عن دار بروشيه، بسعر 17.50 يورو ويقع في 324 صفحة.
إيمان ميت
يتساءل كاترُمير: "إن توقف رجل دين عن الإيمان بربه فهل يُعقل أن يستمر في الصلاة والتضرع له؟" ثم يشرح: "لطالما آمنت بأوروبا ولطالما تمنيت لو تأسست دولة الولايات المتحدة الأوروبية ولطالما اعتبرت أوروبا أرضنا الموعودة، تلك التي تسمح لنا بتجاوز الدول-الأمم التي تشن الحروب. واليوم، قد انتهى كل شيء إذ ما عدت أؤمن بها رغم أن ذلك لا يعني أن التجربة لم تكن مفيدة بل يعني أن دور أوروبا التاريخي قد انتهى ...".
بهذه الكلمات يبدأ كاترُمير كتابه قبل أن يبدأ بشرح أسباب وصوله إلى هذا المستوى في التفكير.
هدف سياسي وعسكري
يعرج الكاتب أولا على جذور تأسيس هذا الكيان ليشرح كيف بدأ مثل حلم يعد بمستقبل باهر يتمتع تقريبا بدعم كل الأوروبيين الذين اعتقدوا أنه سيكون حلا حقيقيا لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى العسكرية. فما أراده الأوروبيون هو كيان يمنع الدول كأفراد من شن حروب ويقف حاجزا ومدافعا عن هذه القارة القديمة في مواجهة هجمات محتملة من مناطق أخرى، لاسيما من الشرق، وبتعبير أدق من روسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقا.
ويكشف الكاتب عن أن فكرة إنشاء أوروبا موحدة كانت حلما قديما راود الكثير من القادة والسياسيين منذ زمن الدولة الرومانية بل راود أيضا أصحاب مخيلات خصبة مثل فكتور هوجو. وفي القرن العشرين طرح الفكرة رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرتشل في 19 سبتمبر 1946 في خطاب له في زوريخ ليتلقفها الكونغرس الأميركي لاحقا ويطرحها في مارس 1947 عندما أيد "إنشاء دولة الولايات الأوروبية المتحدة في إطار الأمم المتحدة". وكان هدف واشنطن هو مواجهة الإتحاد السوفيتي. ويشرح الكاتب بأن ظروف تلك الحقبة هي التي عجلت بتوقيع معاهدة روما لاسيما انتفاضة بودابست أو ما يدعى بالثورة المجرية وأزمة قناة السويس في عام 1956 لأنها أظهرت مدى ضعف الدول الكبرى في أوروبا أي فرنسا وبريطانيا أمام قوتين طاغيتين في العالم هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي.
فشل لاحق
بعد تلك البدايات يصل كاترُمير إلى عقود حديثة لينبه إلى أن مسؤولي أوروبا لم يكونوا يستشيرون شعوبهم في شؤون الإتحاد إلا فيما ندر ثم يحدد بعض التواريخ التي اعتبر أنها شهدت تسامي الكيان الموحد على الأمم والدول الأعضاء لاسيما مع اعتماد اتفاق شنغن المتعلق بحرية التنقل ثم العملة الموحدة والقانون الموحد في زمن رئيس المفوضية جاك ديلور. وكل هذه انجازات جيدة حسب الكاتب الذي ينبه رغم ذلك إلى فشل الاتحاد في تحقيق تقدم اجتماعي حقيقي في القارة العجوز.
ولكن تاريخ الاتحاد لم يكن سهلا ومضمونا وسويا تماما حيث يشكك الكاتب بجميع من أعقب ديلور الذي أمضى في منصبه عشرة أعوام بين 1985 و1995 وكان وراء مرحلة التسامي وتجاوز السلطات والحكومات الوطنية. ويصف هؤلاء بأنهم كانوا يتنافسون على قلة الكفاءة والمؤهلات حتى حولوا المفوضية الأوروبية – الذراع التنفيذي في الاتحاد – إلى مجرد سكرتارية لدى المجلس الأوروبي الذي يضم رؤساء الدول والحكومات الأوروبية. ويتحدث الكاتب بنبرة قاسية عن جاك سانتير رئيس المفوضية بين 1995 و1999 وعن رومانو برودي 1999-2004 ثم ماريو مونتي وخوزيه مانويل باروزو 2004-2014 المتورط بأزمة بنك غولدمان ساكس وبعده جان كلود يونكر الذي حول دولته الصغيرة لوكسمبورغ إلى جنة ضريبية.
أما المجلس الأوروبي وهو أعلى مؤسسة في الاتحاد الأوروبي فيعقد اجتماعات منتظمة ليكتشف تكاثر الخلافات بين أعضائه في كل مرة: أوكرانيا، روسيا، الطاقة، التبادل الحر، العمالة، الإرهاب، المهاجرون ... الخ. أما السبب فيكمن حسب الكاتب في توسع الاتحاد المتعجل حيث انتقل من 15 عضوا في عام 1995 إلى 28 عضوا حاليا بنسب تطور متفاوتة جدا.
البرلمان
يتطرق الكاتب إلى مؤسسات الاتحاد بتفصيلات صادمة حيث يعبر عن اعتقاده بعدم وجود علاقة حقيقية بين جميع نواب البرلمان الأوروبي بالقارة عدا ما ما يتعلق بالإسم، حسب رأيه، لأن أحزابهم الوطنية هي التي اختارتهم. ثم يشير إلى جدلية تتعلق بشرعية النواب نفسها لاسيما إن عرفنا مثلا بأن نائبا فرنسيا يمثل عدد ناخبين أكثر باثنتي عشرة مرة من نائب من مالطا. ثم إن البرلمان لا يشرع قوانين بل هي مهمة المجلس الأوروبي الذي يضم رؤساء الدول والحكومات.
ويلاحظ الكاتب أن الاتحاد الأوروبي الحالي عبارة عن "كونفيدرالية تعود فيها الكلمة الأولى والأخيرة للدول الأعضاء ويتم اتخاذ القرارات فيها بالإجماع أو باتفاق الآراء" ويعني ذلك أن مؤسسات الاتحاد لا تملك حق اتخاذ أي قرار يتجاوز الحكومات الوطنية علما أن هذه الأخيرة هي التي ترشح أعضاء المفوضية الأوروبية ولجنة الممثلين الدائمين وأعضاء لجان الخبراء وبالتالي فهي تتحكم بكل شيء وعلى جميع المستويات.
تكرر الفشل
ينبه الكاتب إلى أن تاريخ الاتحاد مليء بالعديد من الفضائح والأزمات ويتطرق إلى الفريق الفرنسي الألماني المتحد علنا أمام الملأ. ومن هذه الأزمات ما يتعلق بقضية اليونان إذ يقول "تكفينا ملاحظة حالة التذبذب والاضطراب التي رافقت طريقة التعامل مع أزمة منطقة اليورو بين 2010 و 2012 حيث كادت دول عديدة أن تسقط في هوة عميقة لم تخرج منها اليونان حتى يومنا هذا رغم مرور أكثر من سبع سنوات على الأزمة! وهذا يعني أن مئات الآلاف ما يزالون يدفعون الثمن بحيواتهم المدمرة".
ويتحدث الكاتب أيضا عن مشاكل أخرى منها العملة الأوروبية الموحدة التي يعتبرها تجربة فاشلة ذات آثار سيئة لا سيما على مشاعر التضامن بين شعوب أوروبا. ويكتب "كان من شأن العملة الأوروبية التي رافق بدء العمل بها ضجيج عال في عام 1999 أن تعزز النمو وأن توفر الحماية للأوروبيين من أزمات خارجية، غير أنها لم تؤد دورها وهو ما يظهر جليا من خلال أزمة 2007-2008 المالية والاقتصادية ثم من خلال أزمة منطقة اليورو في الأعوام 2010-2012. (....) ومنذ إطلاق اليورو تعاني فرنسا من عجز تجاري فيما تراكم ألمانيا فوائض بمعدلات غير مسبوقة. ولذا، لا يمكن لأحد أن يجادل في أن اليورو أفقر فرنسا وجميع دول الجنوب ولكنه أفاد ألمانيا بشكل غير معقول".
من هم الأنذال؟
هم أولئك الذين أوصلوا الأمور إلى هذا الحد، هم رؤساء الدول والحكومات الأعضاء وقادة المؤسسات والنواب، أولئك الذين أجتمعوا بمناسبة مرور ستين عاما على اتفاقية روما. هذا الكتاب يشرح قصة جبن وحسابات وتداخل مصالح بين سياسيين يريدون أن يحبهم الناس وموظفين يريدون أن يخشاهم الآخرون.
ومع ذلك، ورغم كل ما ذكر الكاتب من مساويء إلا أنه يؤيد الإنطلاق من الصفر والبدء بإصلاحات حقيقية لإنشاء أوروبا سياسية حقيقية وصياغة دستور جديد يضع أسس إنشاء فيدرالية أوروبية ليقف بذلك بوجه من يسعى إلى إعلان وفاة أوروبا مثل زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبين التي تطلب من الفرنسيين انتخابها لتحقق هذا الهدف.
وينبه الكاتب إلى أن أوروبا اليوم تواجه مشاكل من نوع جديد تحتاج إلى مواقف من نوع جديد ومنها تهديدات خارجية متمثلة بروسيا بوتين وبأميركا ترمب ومنها داخلية متمثلة بمؤيدي البريكست وبصعود الأحزاب المتطرفة.
ويقول: لو تحولت أوروبا إلى كونفيدرالية حقيقية فيجب توضيح المهام من البداية وإلا واجه مواطنو القارة تعقيدات كبيرة في المستقبل ويقترح "خمس دقائق من الشجاعة السياسية" لتحسين أدوار جميع مؤسسات الاتحاد بدءا بالمجلس الأوروبي الذي يعتبره "أول نقطة سوداء يجب معالجتها" ثم المفوضية التي من المفترض أن يعاد النظر في سبب وجودها ودورها الأصلي بالأساس.
وينتهي الكاتب إلى القول بأن أوروبا اليوم مثل رجل يقع على اكتشاف مريع عند بلوغه الستين وهو أنه كان ضحية أوهام طوال حياته ويكتب "إنها نتيجة محزنة. هذا النجم الميت الذي كان الاتحاد في السابق، ما عاد له سبب للوجود، ما عاد يمنح الدفء، بل العكس تماما لأنه تحول هو نفسه إلى مشكلة ولذا آن الأوان الآن لمنح الدول الأوروبية حريتها وهي التي كانت مصدر عظمة القارة العجوز. يجب تحرير الطاقات بدلا من تطويقها وإقامة الحواجز أمامها!"

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات