قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يتفق أغلب المحللين السياسيين على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصية مثيرة للجدل ولكنه أيضا شخصية غامضة قد لا تكون دوافعها واضحة على الدوام وقد كرس له العديد من الباحثين دراسات عديدة حاولوا فيها رسم صورة واقعية لرجل يقود روسيا منذ عقدين تقريبا.

وفي كتاب صدر حديثا للكاتب رتشاد لوري تحت عنوان "بوتين: سقوطه وإنهيار روسيا المقبل" يسلط الكاتب الضوء على جوانب متنوعة من شخصية بوتين ثم يعرض فكرة استفزازية مفادها أن سلوك بوتين المعروف والمثير للقلق إنما يمهد الطريق لسقوطه وسقوط روسيا معه.
ويقيم الكاتب نظريته على أن بوتين الذي صعد إلى الحكم في عام 2000 لم يحقق الكثير لبلده على الصعيد الاقتصادي مثلا فبدلا من خلق فرص عمل جديدة ومستقبل أفضل لشعبه جعل من روسيا بلدا ذا طموحات امبريالية من الطراز القديم.
يقع الكتاب في 200 صفحة وهو يشرح التعقيدات الجيوسياسية في روسيا واوكرانيا والصين ويعتمد على معلومات واسعة جدا تفسر الكيفية التي تسلق بها بوتين السلطة وقدرته على الاحتفاظ بها على مدى عقدين تقريبا.
سيرته
ولد بوتين في لينينغراد في عام 1952 وأغرم في صباه بممارسة الجودو وكان جده طباخا لدى جوزيف ستالين وهنا يشرح الكاتب نوع العلاقة التي كانت تربط أسرة بوتين بستالين. وفي عام 1975 التحق بوتين بكي جي بي حيث جذب أنظار رؤسائه ما أدى إلى حصوله على عمل خارج روسيا لاسيما ألمانيا الشرقية. ويصف الكاتب بوتين ذلك الزمان بالقول: " كان يحب احتساء الجعة وكان أبا لطفلين وكان يستخدم سيارة". ثم يضيف "كانت الآفاق أمامه ضيقة تماما في نهاية الثمانينات".
يعتقد لوري أن مسيرة حياة بوتين لم تكن لتنبيء بتوليه مناصب مهمة في الدولة لكنه يرى أن ما ساهم في صعوده هو أنه عاد إلى موسكو إبان انهيار الإتحاد السوفيتي حيث عمت الفوضى في كل مكان وتمكن بدهائه من العثور على منفذ مكنه لاحقا من فرض نفسه. واليوم يحاول بوتين اغتنام الفرص في كل مكان داخل دول النيتو وفي اوكرانيا وفي القرم وفي كازاخستان وأواسط آسيا.
دهاء
يرى لوري أن بوتين أثبت أنه داهية. وهو يقول عنه إنه "يملك براعة في معرفة أي رشوة يتسلم وأيها لا" وإنه كان يتزلف ويتقرب للرئيس بوريس يلتسين ويلوح بامتلاك معلومات خطيرة تتعلق بمعارضين سياسيين ثم ما لبث أن برز كلاعب أساسي ليكون بديلا له.
ويلاحظ الكاتب أن بوتين ظل أهم مسؤول في روسيا على مدى 17 عاما وقد تمكن خلال هذه السنوات من لجم حرية الكلمة والتعبير والسيطرة على وسائل الإعلام فيما تحول خلال ذلك إلى ملياردير. ويضيف الباحث "توزعت جثث على مسرح رئاسة بوتين، بطريقة شكسبيرية" ومنها جثث صحفيين ومنشقين وخصوم آخرين.
ويعتبر الكاتب أن دعم بوتين للرئيس السوري بشار الأسد ما هو إلا "رسالة لغرض الاستهلاك الداخلي" هدفها إظهار القوة التي يتمتع بها بهدف حماية منصبه وحياته. لكن الباحث يعرج أيضا على قضية إنشاء الحرس الوطني في نيسان العام الماضي، وهو جيش خاص قوامه 400 ألف، ليجد فيه إشارة إلى ضعف داخلي لدى بوتين وليس إشارة إلى الثقة بالنفس.
أخطاؤه
تقوم فكرة الكتاب الأساسية على أن روسيا بوتين ستسقط لا محالة. ومن المؤشرات حسب رأي الباحث اهتمام بوتين الكبير بالتنقيبات في القطب الشمالي ثم موقفه في أوكرانيا وإزاء الصين والإنترنيت.
ويقر لوري بأن بوتين أعاد الاستقرار ودرجة من الاحترام لروسيا ، ولكنه لم ينجح، حاله في ذلك حال من سبقه من قادة روسيا، في تنويع مصادر الأقتصاد الروسي إذ ظلت البلاد تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز.
ويعتقد الكاتب أن حلم بوتين بإنشاء امبراطورية وما يرافق ذلك من حب كبير للسلطة هو ما دفعه إلى ضم القرم وإلى خلق أزمات أخرى. ويرسم الكاتب هنا صورة مقنعة عن قائد متسلط لا يعرف الرحمة ولكنه يسير بخطى ثابتة نحو نهايته ويعتبر لوري أن المسألة مسألة وقت فقط وأن العالم لا بد وأن يشهد انتهاء زمن فلاديمير بوتين وسقوط حلمه ومشروعه الامبريالي.
السقوط
هناك أسئلة عديدة يحويها هذا الكتاب الاستفزازي الذي يتنبأ بأن بوتين لن يستمر طويلا. ويقترح الكاتب سيناريوهات عديدة ومنها أن يزداد الرئيس الروسي استبدادا وثراءا. وبعبارة أخرى، يرى الكاتب أن بوتين لا يريد أن تبقى روسيا "مجرد محطة وقود بالنسبة للصين، وسوق لبيع الخشب".
ويطرح لوري سيناريوهات أخرى مثل أن يموت رئيس كازاخستان بشكل مفاجئ ليترك فراغا في السلطة في منطقة تتنافس عليها قوى عالمية واقليمية عديدة، هذا عدا الإسلاميين الذين يريدون مساعدة أقلية الأوغور الصينية.
ويعتقد الباحث أن مثل هذا السيناريو قد يدفع بوتين إلى ضم كازاخستان كما فعل مع القرم لحماية الأقلية الروسية هناك. وفي هذه الأثناء سيجد طريقة للتعامل مع أقلية الأوغور ليقدم بذلك خدمة جليلة للصين. وفي إطار هذا السياق سينتقل توازن القوى لصالح روسيا، حسب رأي الباحث.
وينتهي لوري إلى القول إن بوتين سيحتاج في أحد الأيام إلى بديل وهو يقترح هنا المرشح المعارض الشاب إليكسي نافالني الذي وصف حزب بوتين في أحد الأيام بأنه "حزب لصوص ومحتالين".
الإنترنت
يؤكد لوري أن فلاديمير بوتين كان يكره الإنترنيت ويعزو ذلك إلى أن وجود شبكة اتصالات ضخمة ومتشعبة وواسعة لا يمكن معرفة مداخلها ومخارجها ولا السيطرة عليها يمثل مصدر خوف كبير حيث يمكن أن يحدث أي شيء وكل شيء في هذه الشبكة ويؤدي في النهاية إلى إزاحته.
ولكن الكاتب يعود ويرى أن بوتين سرعان ما تجاوز خوفه المعهود وراح يرى في الشبكة العنكبوتية سلاحا مهما يمكن أن يساعده في تحقيق بعض أهدافه ومنها التدخل في الانتخابات. ويقول لوري "يعتبر بوتين العملية الإنتخابية نفسها أهم من شخصية الفائز فيها. فالمهم أن تبدو هذه الانتخابات وكأنها لا يمكن الاعتماد على نتائجها وأنها قابلة للتزوير، إن لم يحدث فيها تزوير بالفعل". وبالفعل ظهرت اتهامات بتدخل بوتين في الانتخابات الأميركية في عام 2016 ووصلت إلى حد إجراء تحقيق في الكونغرس في أبعاد هذا التدخل.
الكاتب
يرى النقاد أن رتشارد لوري أثبت أنه مؤرخ لتاريخ روسيا الحديث علما أنه سبق وأن كتب سيرة حياة ستالين وزاخاروف كما كان مستشارا سابقا للشأن الروسي لدى هيلاري كلنتون كما كان مترجم ميخائيل غورباتشيف لصحيفة نيويورك تايمز.
ولوري كاتب وصحفي أميركي ترجم مؤلفات لكتاب روس وبولنديين وعمل أيضا في إنتاج أفلام تلفزيونية وثائقية. من أهم كتبه "جوزيف ستالين" (1999)، ومطاردة الشيطان (1993) و"روسيا تتحدث" 1989.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن الأصل منشور على الرابط:
http://www.kansascity.com/entertainment/books/article160855889.html