GMT 5:00 2016 الجمعة 18 نوفمبر GMT 8:30 2016 الجمعة 18 نوفمبر  :آخر تحديث
تفوق على أدائه بفيلم كيت كات

محمود عبد العزيز: بين الكوميديا والفانتازيا الخالدة

أحمد طه من القاهرة

إيلاف من القاهرة: تُلقي "إيلاف" الضوء على مسيرة الفنان محمود عبد العزيز الذي قدّم أكثر من 100 فيلم وأجمل أدوار الدراما الخالدة بتاريخ الفن المصري. ونتابع في الحلقة السادسة الحديث عن أعماله، لنبدأ بفيلم "الجوع" الذي قدّمه في العام 1986 من إخراج علي بدرخان. وهو مأخوذ عن قصة الأديب الكبير نجيب محفوظ "الحرافيش"، ويُعتَبَر أحد أهم أدواره السينمائية. وتدور أحداثه في القاهرة عام 1887 حيث يصبح فرج الجبالي محمود عبد العزيز هو فتوة الحرافيش، فيتزوج من إبنة أحد التجار الأثرياء التي تلعب دورها الفنانة يسرا، فينقلب على الحرافيش ويستغل المجاعة التي تحلّ على الحارة والقاهرة في الحبوب من أجل مصالح التجار بعد أن أصبح منهم. وتقود "زبيدة" التي تُجسد دورها الفنانة سعاد حسني زوجة أخية "جابر"، الذي يلعب دوره عبد العزيز مخيون، ثورة الحرافيش ضد "فرج "وأمثاله من التجار. فيتم قتله وينصبون أخاه جابر فتوة جديدًا، ولكنه يرفض، وفي نفس الوقت يساعد الفقراء والحرافيش عن طريق سرقة الأغنياء وإعطاء الفقراء.
ولقد صوّر هذا الفيلم الصراع بين الأغنياء والفقراء محققاً مفهوم الفتوة عند نجيب محفوظ كبطل شعبي، ورؤية علي بدرخان بأن استسلام وخضوع الفقراء والضعفاء وعدم تمردهم هو سبب جبروت "الفتوات". وكان الأداء التمثيلي بهذا العمل متميزاً للغاية بحيث أنه يُعتَبَر إضافة قيمة على سجل كل من "السندريللا، عبد العزيز مخيون ويسرا".

كوميديا
ويمكن القول إن الأداء الكوميدي الذي يمثل أحد ملامح شخصية "عبد العزيز" الفنية بقي محبوساً في اطار محدود تفرضه طبيعة أدوار الفتى الأول. فطبيعة معالجة الكثير من أفلامه كانت تفرضه بشخصية الرجل المصري التي كانت مدخله الصحيح للنجومية لكون هذه الشخصية بطبيعتها خفيفة الظل. ففي ثلاثية رأفت الميهي التي تقوم أحداثها على الفانتازيا، وجد الراحل ضالته وانطلق نحو الكوميديا. حيث كانت هناك مساحة واسعة للخيال في ردود أفعال الشخصيات تجاه مواقف غير تقليدية أو عادية تفرضها القضية المطروحة في أسلوب معالجتها. وقد حقق ثلاثة أفلام متميزة بالفعل. 

وكانت البداية بفيلم "السادة الرجال" الذي قدمه في العام 1987، ويقوم على كوميديا ساخرة ترصد الظلم الذي يقع على المرأة سواء في المنزل أو العمل، ويمارسه عليها المجتمع وكأنه أمر عادي. وهنا لا تجد بطلة الفيلم معالي زايد مفراً سوى أن تتحول إلى رجل وتطرح المعالجة قضايا المرأة من خلال هذا التحول ببراعة وذكاء.
إلا أن الأحداث قد تنوعت بعد ذلك، حيث تناولت قصة حب الرجل المتحول من إمرأة، بسبب قرار الزواج الذي تتخذه لتنقذ طفلها. فامتلأ الفيلم بالغرابة والمفارقات ومنح فرصة ذهبية لـ"عبد العزيز" بتقديم أداء ثري ومتنوع لردود الأفعال على الزواج الذي تحولت إمرأته إلى رجل بأسلوبٍ كوميدي مدهش يجمع بين المرح والسخرية بذكاء ومهارة في تجسيد الشخصية.
أما تجربته التالية في "سمك لبن تمرهندي" عام 1988 الذي تدور أحداثه حول طبيب بيطري يطارده رجال السلطة بتهمة الإرهاب، ويتزوج من خطيبته. ولكنه يظل مطارداً من أشياء كثيرة حتى ينتقل إلى مستشفى لغسيل المخ. فهو فيلم مليء بالرموز، ويفتقد لروح الكوميديا والعبث، فلم تشفع لهذه التركيبة المعقدة خفة ظله وحضوره المحبب.

أما ثالث أفلام الفانتازيا سيداتي آنساتي عام 1990 فيدور بفكرة جريئة وغريبة أيضاً، حول رجل يحمل درجة الدكتوراه، ولكنه يفضل أن يعمل ساعيًا في بوفيه نفس الشركة لتحقيق مستوى أكبر من الدخل وبنفس طريقة التفكير. فيما تُقرر أربع زميلات بالشركة الزواج من شخص واحد لحلّ أزمة عدم زواجهن بسبب الظروف الإقتصادية، حيث تصبح مرتبات الساعي وزوجاته الأربع مناسبة لحياة اجتماعية جيدة، وتصبح العصمة بايديهن لمواجهة أي تمرد من الزوج وتتوالى المواقف والمشاكل والمفارقات. فيما يلعب "عبد العزيز" واحداً من ألطف أدواره في علاقته بزوجاته الأربع.

 

أفضل أدواره
أما في فيلم الكيت كات الذي قدمه في العام 1991، من إخراج داوود عبد السيد، فيقدّم أفضل أدواره على المستوى الشخصي، ويحقق أحد أرفع مستويات الأداء التمثيلي في السينما المصرية. فقد استفاد من كل خبراته في التعامل مع الكاميرا، وقدرته التمثيلية الموهوبة وخفة ظل وقوة حضوره ليقدّم شخصية تتمتع بخصوصية شديدة وتفرّد. وهي شخصية "الشيخ حسني" في قصة إبراهيم أصلان. حيث يكون فاقد البصر ولكنه يتعامل مع الجميع وكأنه مُبصر، ويتمتع ببصيرة تجعله يعيش الهموم والمتغيرات التي تحدث من حوله في "الكيت كات". علماً أنه يهوي الطرب ويتحدى عاهته، وقد باع المنزل الذي ورثه لتاجر مخدرات مقابل ما يحصل عليه بشكل دائم ويومي من الحشيش، ويريد ابنه الوحيد أن يسافر إلى الخارج. وذات يوم يموت أحد أبناء الحي، وبعد انتهاء تلاوة القرآن ينسون مكبر الصوت مفتوحاً، فيتحدث الشيخ حسني بشكلٍ غير مقصود عن فضائح بعض أهالي الحي، المعلم الذي يخون صديقه مع زوجته، والصائغ الذي هربت منه زوجته، وعن علاقته القديمة مع إحدى جاراته، وعن علاقة ابنه بامرأة في الحي سافر زوجها. ولقد كتب داوود عبد السيد سيناريو وحوارًا رائعًا لأحداث هذا الفيلم التي تبدو واقعية في المكان والشخصيات، ولكنه يُكسِبها عمقاً وشجناً يجعلها تتجاوز الشكل الدرامي التقليدي، وينتقل إلى رصد علاقات حميمة بين الشخصيات والمكان، وما يُحركها من أحلام وآمال تعطيها القدرة في التغلب على هموم ومشاكل حياتها اليومية.

وجاء الشيخ حسني ليمثل ذروة في أداء "الراحل" بفيلم "الكيت كات"، بحيث تفوق فيه على أدائه بكل أفلامه السابقة، ولم يتجاوزها لكنه لم يتجاوز هذا الأداء في أفلامه اللاحقة، رغم أنه قدّم عدة شخصيات بشكلٍ قوي وجميل، وقد انتقل بعد هذا العمل إلى نوعٍ مختلف من الأفلام التي تعتمد بشكلٍ أساسي على الشخصيات التي تقوم عليها دراما الأحداث بالكامل، وحملت معظم هذه الأفلام اسم أو صفة الشخصية التي يقوم بتجسيدها على الشاشة.

أدوار مختلفة
ويمكن رصد هذا الاتجاه أولاً في ثلاثة أفلام من تأليف عصام الشماع، وهي: "دنيا عبد الجبار" في العام 1992 والجنتل في العام 1996، والنمس في العام 2000. ففي فيلم "دنيا عبد الجبار" إخراج عبد اللطيف زكي يقدِّم عبد الجبار الصول بالشرطة، الذي يتمتع بمواصفات جسدية تجعله مهاباً، ويبدو قوي الشخصية ويطلق شاربه الكثيف لتأكيد ذلك، وأن كان في واقع الأمر شخصاً طيباً ومسالماً. وعندما تسند له وظيفة عشماوي، يكون أضعف أداء هذه الوظيفة، أما دنيا فهي جارته وزوجته بعد ذلك، ويستغل غريمه في حب "دنيا" مسألة فصله من الوظيفة في إهانته وضربه أمامها، فيضطر عبد الجبار وزوجته لمغادرة الحي والسفر للعمل في بورسعيد. ولكنه يتعرض لمهانة مماثلة، فيهرب إلى الصعيد ليجد ثأراً قديماً ينتظره، فتتغيّر حياته تماماً وتعود له مهابته.

وجاء أداؤه لهذه الشخصية بمنتهى البراعة، في الإنفعالات والتحولات من شخصٍ مسالم إلى شخصٍ يخشاه الجميع. ثم يأتي فيلم "خلطبيطة" عام 1994، من إخراج مدحت السباعي. وتدور أحداثه في إطارٍ من الفانتازيا من خلال موظف في احدى مكتبات وزارة الثقافة. وهو شخص نقي ومسالم، وتطمع كل من جارته وزميلته في الزواج منه. وبالرغم من كونه رجلاً ليست له أية ميول أو إتجاهات سياسية، يجد نفسه مطلوبًا لاستجوابه من جهة أمنية غامضة ثم يفرَج عنه، مما يجعله يتخفى ويتنكر في عدة شخصيات للهروب من المراقبة، ثم تعود أحداث الفيلم 40 سنة إلى الوراء، أي إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، حيث يتم القبض عليه ومحاكمته بتهمة إغتيال أحد الباشوات الخونة، وقد منحه هذا الفيلم مساحةً ليتقمص شخصيات عديدة، ويعبّر بشكلٍ متميز عن مواطن يتعرض للمطاردة دون سبب أو تفسيرٍ واضح.

مع القليوبي
ويشارك بعد ذلك بفيلمين من تأليف وإخراج محمد كامل القليوبي. الفيلم الأول "ثلاثة على الطريق" عام 1993، وهو من نوع الأفلام التي يُطلق عليها تسمية "أفلام الطريق". وتدور حول سائق لوري يقوم برحلة من الأقصر إلى طنطا حيث تقع عدة أحداث ويلتقي بشخصيات مختلفة، وتأتي الرحلة في زمنٍ أحداث ديروط الإرهابية، فيقابل طالبين جامعيين أحدهما شيوعي، والآخر من الإخوان المسلمين تطاردهما الشرطة، وحين يهربان، يقبض على السائق  لوجود حقيبتين فيهما منشورات تُعبِّر عن توجهات هذين الشابين. وتستمر الرحلة حيث  ينقل السائق كمية من المخدرات من تاجر إلى آخر، وفي نفس الوقت يقيم علاقة مع الراقصة، ويرتبط بالطفل، وقد لعب فيه دور سائق بكثير من الحيوية. وتخلله العديد من المواقف الكوميدية، وحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

أما الفيلم الثاني الذي قدّمه بعنوان "البحر بيضحك ليه؟" في العام 1995، فتقع كل أحداثه في الإسكندرية، وتصوّر محاسباً في منتصف العمر يعيش حياته بشكلٍ جاد وصارم لدرجة الملل، وفجأة يشعر أنه لم يحقق أي شيء له قيمة، فلم يحصل على ترقية رغم تفانيه في العمل، ولم يرزق بأولاد بعد زواج عشر سنوات، ولم يحقق ثروة أو وضعاً اجتماعياً مميزاً، فيقرر أن يتمرّد على هذه الحياة ويهيم على وجهه، ويلتقي بأحد الصعاليك الذي يجعله يعيش حياة الليل في الإسكندرية مع نساء الليل ويتزوج أربعًا منهن، ثم يعيش مع فرقة متجولة لألعاب الحواة والأكروبات، ويتزوج من فتاة فيها. وهذه الرحلة تقترب في مواقفها من أفلام الفانتازيا، وتسخر من تزمت الطبقة المتوسطة التي تخضع للتقاليد الإجتماعية على حساب تحقيق حياة حقيقية وسعيدة، ولقد تألق مجدداً بدور الرجل المتمرد بشخصية غير تقليدية تُحرِّك إبداع الممثل بداخله.

 

زيارة السيد الرئيس
أما فيلم "زيارة السيد الرئيس" في العام  1994 فكان من إخراج منير راضي، وهو مأخوذ عن قصة يوسف القعيد "يحدث في مصر الآن". وفكرة الفيلم تقوم على واقعية حقيقية هي زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974، والتي تُعد أول زيارة لرئيس أميركي إلى مصر. بحيث تنطلق الأحداث من شائعة في قرية "الضهرية" تقول إن القطار الذي حمل الرئيس وضيفه الأميركي سوف يتوقف في القرية لزيارة، حيث توزع المعونة الأميركية، وينقلب حال القرية بقيادة رئيس مجلس القرية الذي بات يتوهم أنه سوف يصبح محافظاً، بينما تداعب الأحلام والآمال أبناء القرية. والأهم أن هذا الفيلم يُعتبَر بشكلٍ عام، كوميديا جيدة تسخر من الحلم الأميركي، وأدى "عبد العزيز" فيه دوره كرئيس مجلس القرية بتفهم وخفة ظل.
 

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ترفيه