GMT 11:35 2017 الجمعة 3 فبراير GMT 9:33 2017 السبت 4 فبراير  :آخر تحديث
فتى الشاشة يروي سيرة حياته (الحلقة الأخيرة 11\11) 

عماد حمدي "الباحث عن الوفاء": وحدةٌ قاتلة مع شريط الذكريات

أحمد طه من القاهرة

"إيلاف من القاهرة: لمناسبة ذكرى وفاته، تلقي "إيلاف" الضوء على مسيرة الفنان الراحل عماد حمدي الذي لُقِّبَ بـ"فتى الشاشة الأول" لأكثر من 20 سنة، من خلال عرض مذكراته التي صدرت بتوقيع الناقدة إيريس نظمي قبل أكثر من 3 عقود، علماً أن الراحل سجلها قبل وفاته.
في الحلقة الأخيرة يستعرض شريط ذكرياته ويتحدث عن الوحدة القاتلة والألم النفسي الذي سببته له نادية الجندي بتفريقها بين ابنيه نادر وهشام.

متاعب نادية الجندي
ويكتب "حمدي الحلقة الأخيرة" من مذكراته التي اختصرتها "إيلاف" بإحدى عشر حلقة، ويقول: تفرق الأصدقاء وما عادوا يسألون عني. فمن سيتحمل مريض القلب الذي فقد شبابه وحيوته وضحكاته ولم يعد قادراً علي الإبتسام. ومن سيتحمل إنساناً يشكو الإكتئاب النفسي. أنا الآن لا أمتلك شيئاً حتى الشقة المتواضة التي أسكن فيها، تجلب لي المتاعب أيضاً. لقد تركت لنادية الجندي شقة تمليك في الزمالك مكونة من تسع حجرات، كانوا أصلا شقتين ضممناهما لبعضهما لتصبح شقة مجهزة بأفخر الأثاث. وكنت قد أحضرت ورق الحائط وقماش التنجيد من الخارج، ولم أبخل عليها بشيء. وضعت بعد ذلك كل ما معي من مال في فيلم أنتجته لتكون هي بطلته "بمبة كشر". وخرجت من البيت وأنا لا امتلك شيئاً سوي حقيبة واحدة بها بدلتان. خرجت بلا شيء، لكنها بعد ذلك، لم تتركني أعيش بقية أيامي في هدوء. فكانت تأتي إلي لتتشاجر معي وتلمح بأنها يمكن أن تستولي حتى علي هذه الشقة المتواضعة التي أسكن فيها مع إبني وزوجته وأمه وأولاده. وتلمح إلى أنها يمكن أن تستولي عليها لابنها أقصد ابننا هشام. وكنت أستغرب سائلاً نفسي: ألا يكفيها كل ما تركته لها. لقد حاولت المستحيل لكي أخلق حالة سلام بين إبني من زوجتي الأولى فتحية شريف نادر وبين ابني هشام من نادية الجندي. لكن محاولاتي كانت تبوء بالفشل، لان الأم تلعب دوراً مهماً في تلك الحالات. فالأم العاقلة تنصح ابنها بأن يكون عاقلاً وحريصاً على علاقته بأخيه. ولا تملأ قلبه حقداً. ولا تنمي فيه نزعة الكراهية. ولا تشحنه باستمرار بالكلام المستفز فتدفعه للاحتكاك الدائم بأخيه ليضيع معنى الأخوة. لكن إبني نادر كان واعياً ومدركاً لما يحدث حوله، ويعرف أن المشاجرات المفتعلة لن تنسية أن له أخاً من أبيه يجب أن يحرص عليه يسترضيه إذا غضب ويقترب منه اذا تباعد ويقف بجانبه إذا مرض.


العلاقة بين الأخوة
وكنت أقول لإبني: حاول أن تستفيد يا إبني مما حدث لي الآن ألا تجد فيه العبرة. غاب من حولي كل الأصدقاء. الجميع تركوني ولوكان أخي الأكبر في حالته الطبيعية ولو كان أخي التوأم موجوداً ولو أن أخي الأصغر رؤوف علي قيد الحياة ما كنت شعرت بتلك الوحدة القاتلة. إنك يا ابني نادر لا تستطيع أن تبقى طول النهار بجانبي. أنت جديد في عملك ولا بد أن تثبت وجودك وكفاءتك كمصور في وكالة أنباء الشرق الأوسط. ومن غير المعقول يابني أن تتخلى عن عملك وعن حياتك الخاصة لكي تتفرغ لي. لا تهمل عملك لا تضيع وقتك. أنا لا أحتاج شيئاً. كما تراني أبقى طول النهار ممدداً فوق سريري في سنين الصحة والعافية كنت أملاء البيت حركة ومرحاً وحياة. بل وكنت أحرص على دخول المطبخ، لاتفنن في إعداد الأطعمة الشهية. كانت هواية أيضا من هواياتي الأخرى القراءة وتربية الخيول وصيد السمك. لكني الان غير قادر علي الوصول إلى باب المطبخ إلا بصعوبة ومشقة. وأين هي المعدة السليمة التي تتحمل وتستقبل تلك الأطعمة. وأين هي الرغبة في تناول الطعام، إذا كنت فقدت الرغبة في الحياة، فكيف أشعر بالرغبة في الأكل. كنت اقول ذلك كلة لابني نادر لكني أشعر بأنه غير مقتنع. فقلبه لا يطاوعه ووفاؤه لابيه يمنعه من الغياب الطويل. كان يعرف أني أصبحت في حاجة إلى المساعدة والمساندة في زمن اختفى فيه الصديق وقلت فيه المروءة، ولم أعد أسمع غير كلمات المواساة التي تأتيني عبر اسلاك التليفون الذي نادراً ما يدق ويناديني كما كان يحدث أيام المجد والصحة والثراء. حين كان رنينه لا ينقطع، ويشعرني بأنني حي، وبأن الناس يذكرونني. لكن التليفون أصبح صامتاً بجانبي، قليل الرنين وكأنه يرثي لحالي يشاركني صمتي ووحدتي، وها هو التليفون أخيراً تعود إليه الحياة يعود إليه رنينه القديم.

تحية وفتحية 
وأثناء فترة تواجدي في مستشفي المعادي تحت إشراف الأطباء بعد جلطة المخ التي أصابتني لمست من جديد شهامة الزملية الفنانة تحية كاريوكا كانت تعالج هناك من السمنة الزائدة التي لاحقتها بعد أن كانت ذات يوم من فاتنات الخفة والرشاقة، لم تتركني تحية كاريوكا أعاني وحدي متاعب أيام الإصابة بالجلطة. بل كانت إلي جانبي تطعمني بيدها وتتابع حالتي الصحية ساعةٍ بساعة، وليس ذلك بغريب من تحية كاريوكا فالشهامة من طباعها وكل الوسط الفني يعرف ذلك. وهي كانت تقف دائما إلى جانب كل مريض وكل الذين تفاجئهم الكوارث غير المتوقعة.
بعد فترة العلاج عدت من جديد إلى شقتي المتواضعة أنتظر رنين التليفون، أنتظر كلمة مجاملة تشعرني بوجودي، وكالعادة عاد إبني نادر من عمله لكي يسأل عني ويعرفني بأخبار الدينا. فأنا لم أعد قادرا على قراءة الصحف، لكن إبني نادر لم يكن وحده وكانت معه أمه، زوجتي الأولى فتحية شريف لم تأت لكي تسأل عني بل جاءت لكي تبقى إلي جانبي في أيامي الأخيرة في الحياة. ومن شدة تأثري كدت أبكي ونظرت إلى نادر معاتباً، لماذا يا نادر تتعب أمك خاصةً وقد هاجمها مرض القلب، لكنها قالت لي : "من زمان وأنا عايزة أجي يا عماد إزاي أسيبك وحدك في الظروف دي من هنا ورايح ما تحملش هم احنا معاك جنبك على طول".
ولم أعد اشعر باني وحدي أصبحت أجد من يقدم لي كوباً من الماء ومن يساعدني على الوقوف. ومن يحميني من الوقوع على الأرض ومن يخفف عني آلامي. زوجتي الأولى الوفية فتحية شريف التي شهدت معي أيام نجاحي الأولي عرفتني، والأضواء تغمرني وجاءت تواسيني بعد انحسار الأضواء وابتعاد الأصدقاء.

نجله الأكبر نادر من زوجته الأولى الفنانة فتحية شريف

 


عيد ميلادي: المفاجأة السارة
أربعون ضيفاً وضيفة دخلوا بيتي فجاًة دون انتظار أو توقع، وفي يوم عيد ميلادي السبعين، فاشفقت علي قلبي من شدة المفاجأة ومن انفعالاتي التي لم أنجح في إخفائها. ما أجملها تلك اللحظة التي يدق فيها باب انسان وحيد وعندما ينفتح الباب يجد أمامه من كاد يسئ الظن بهم من كان يتصور أنهم قد نسوه، لم أعد قادراً على الذهاب إليهم فجاءوا هم لي. تذكروا، رفيقاً قديما تخلف في الطريق ولم يعد قادراً على استكمال الرحلة فتوقفوا وعادوا إليه يواسونه وينعشون قلبه المريض بدفء المحبة ونور الأمل.
لقد كانت هذه الوجوه التي لم أراها منذ فترةٍ بعيدة. المنتج المعروف مطيع زايد الكاتب الصحفي لويس جرجس وزوجتة الفنانة سناء جميل، سهير رمزي ووالدتها، أنور عبد الله وزوجته سعاد حسين، يوسف شعبان والكاتب الصحفي مفيد فوزي الذي كان يحمل  في يده جهاز تسجيل، وبعد دخول الضيوف الأربعين دخل أربعة رجال يحملون تورته كبيرة وخروفا مشويا وأنواعاً من الأطعمة وحتي الملاعق والشوك والسكاكين أحضرها معهم الضيوف الذين لم أكن انتظرهم، ولأن المقاعد لم تكن كافية فقد جلس اغلبهم  علي الارض، إلتفوا حولي فبددوا وحدتي، وفرت الكابة هاربة من جلسة الأحبة وتبادلت ابتسامة مع ابني نادر، كنا أربعة فقط ضمن احتفالنا الهاديء المتواضع نادر وزوجته وأمه وزوجتي الأولى فتحية شريف وحفيدي عماد الذي جاءت بعده حفيدتي مريم التي ولدت في 7يناير فسميتها باسم السيدة العذراء مريم.

ولكننا بعدما كنا أربعة أشخاص أصبحنا أربعين. وبعد أن كنا صامتين هادئين أصبحت الشقة صاخبة بالضحكات وبالتعليقات وتذكرت عيد ميلادي السبعين الذي تصادف أن نشرت صحيفة الجمهورية خبراً عنه. ويومها لم يتوقف رنين التليفون وسأل عني زملاء لم يسألوا عني أبداً من قبل ومنهم السيدة زوز نبيل مثلاً، والزميل حسن يوسف، لكن تذكرهما لي والأضواء بعيدة عني قد أسعدني وأراح قلبي المريض.
وامتدت سهرة الأربعين ضيفاً حتي الصباح. كانوا لا يريدون أن يفارفقوني وكنت لا أريد أن أفارقهم، لكن خوفهم من أن يرهقوني، وخوفي من تعطيلي لهم، أنهى احتفال عيد ميلادي السبعين. فأنا كنت قعيد الفراش والمرض، لا ينتظرني عمل، ولا تشغلني مسؤوليات، لكن محبتهم يجب ألا تنسيني بأن لديهم أعمالا سيؤدونها في الصباح، وبينما كانوا يصافحونني مودعين، كنت أسال نفسي هل ياتري سنلتقي مرة أخرى؟

وعدت من جديد لحياة الصمت والوحدة والاكتئاب ورغم الجهود التي يبذلها إبني نادر وزوجتي الأولى فتحية شريف ورغم ارتياحي لرؤية حفيدتي مريم إلا أن شريط الذكريات لم يكن يتوقف. فيعيد إلى ذاكرتي الأصدقاء والأطباء الذين كانوا من أيام النشاط والعمل والثراء، ونسوا طريق بيتي ورقم هاتفي، في أيام العجز والوحدة والإكتئاب. كنت أسأل نفسي: هل أطلبهم وأعاتبهم؟ ثم أجيب نفسي: لا....ساحاول أن أجد لهم أعذارا، سأبحث عن مبررات تقنعني، ربما موانعهم قوية وحتى لو لم تكن المبررات كافية، يجب أن اقتنع فأشد ما يعذبني الجفاء ونكران الصديق ونسيان العزيز.


مذكرات أخي
وعندما كنت أشعر بأن النوم يعاندني أعود إلى مذكرات أخي التوأم عبد الرحمن الذي سجل فيها تجاربه الطويلة في مجال العمل الدبلوماسي، البلاد التي عمل فيها والشخصيات الهامة التي التقى بها والمواقف الغربية التي تعرض لها، مواقف هامة في حياة الناس، وأيضا في حياة الشعوب. لقد سجل أخي تلك التجارب بأسلوبه الأدبي الجميل في كتاب مذكرات دبلوماسي غير مدونه. ولن اقول أن تلك الرحلات والتجارب تشبة ما كتبه أنيس منصور. فرحلات الكاتب المعروف كانت تشمل العالم كله تقريباً، لكن مذكرات أخي تشمل البلاد التي عاش فيها لفتراتٍ طويلة، والتي لم يكن يراها بعينٍ سائح يقوم بزيارات سريعة وخاطفة بل هي مذكرات إنسان عاش طويلاً في مواطن الأحداث، فرأى ما تحت السطح وما لا يراه السائح المتجول في أنحاء الدينا.
وعندما أكون وحدي وعندما لا أجد من يقرأ لي بسبب ضعف بصري، أعود إلى شريط الذكريات الذي لا ينتهي أبداً، لأرى ما في الناس وأحاول ألا افتش عن القبح في نفوسهم، إن كل اصدقاء الوسط الفني أعزاء وأعتقد أنهم يبادلونني نفس الأحاسيس والمشاعر الودية خاصة الزملاء القدامى رفاق رحلة العمر داخل البلاتوهات وعلى الشاشة. لن أذكر كل الأسماء لأني أخشى أن أنسى سهواً واحداً منهم. إنني أحمل لهم في نفسي كل الحب والإعتزاز. وليس معنى ذلك أن كل أصدقائي الفنانين من القدامي والعجائز فقط من أبناء جيلي الذين عاصرتهم وعاصروني. بل هناك كثير من الفنانين الجدد الذين أحمل لهم الود العميق محمود ياسين ونور الشريف وحسين فهمي ومحمود عبد العزيز. إن لكل واحدٍ منهم طابعه الخاص المميز. فالفرق واضح مثلاً بين محمود ياسين وحسين فهمي ليس فقط من ناحية الشكل والملامح بل من ناحية الشخصية وطريقة الأداء. لكن، لكل واحد منهما شخصيته المختلفة وطريقة أدائه المختلفة.  والأمر نفسه بالنسبة لنور الشريف الذي له شخصيته المحددة ولونه المميز. أما محمود عبد العزيز فهو الوسط بين الإثنين محمود ياسين وحسين فهمي، ولا أريد أن أقول أن هذا الجيل أفضل من جيلنا وأن جيلنا أفضل من جيلهم، فكل جيل له مزاياه وظروفه الخاصة. فمن مزايا جيلهم أنه جيل المسرحية قبل أن يظهر على خشبة المسرح أو شاشة السينما وحسين فهمي تخرج في مهد السينما قبل أن يظهر على شاشتها.

رصيدي 450 فيلماً
لقد أرغمتني الظروف علي العمل في خمسة أفلام دفعةً واحدة وفي وقتٍ واحد. ولقد حدث ذلك الموقف مرتين فقط في حياتي كلها التي قدمت خلالها 450 فيلماً. ولقد كانت المرة الأولى في بدايات انتشاري الفني عندما فوجِئت بأن أغلب المخرجين الكبار القدامى يرشحوني لبطولة أفلامهم، ولم أكن استطيع الرفض. كنت حريصاً علي علاقاتي الطيبة بهؤلاء المخرجين الكبار. وكنت أيضا أمر بمرحلة إثبات وجود "الفتى الأول" الذي اسمه عماد حمدي. وأعددت لنفسي جدولاً دقيقاً ينظم لي وقتي ويضمن لي التنسيق المطلوب، بحيث لا يؤثر عملي في فيلم علي فيلمٍ على آخر. ووضعت الجدول أمامي مواعيد 24 ساعة، لا وقت يضيع ورغم إني وزعت الجدول علي المخرجين الخمسة الذين كنت أتعامل معهم ذهبت متاخراً عن موعدي المحدد لتصوير فيلم كان يخرجه المخرج الكبير محمد كريم الذي كان معروفاً بدقته وانضباطه في العمل لدرجة مدهشة لكن الله سلم، ومر الموقف بسلام ولم يصرخ المخرج الكبير محمد كريم غاضباً. بل أنه لم يعاتبنأ لانه كان يعرف مدى حرصي على مواعيدي. لقد أدرك أن ظروفاً اضطرارية خارجة عن إرادتي هي التي تسببت بتأخيري غير المقصود وحرصت بعد ذلك على أن ألا أكرر ذلك الموقف.
 


جيل عاوز يقبض
لكن شاءت الظروف بعد مرور أكثر من ربع قرن أن أعيش من جديد نفس الموقف والمشاركة في خمسة أفلام بوقتٍ واحد. وحدث أن ذهبت متاخراً عن موعدي ربع ساعة فقط. وفوجئت بالمخرج الذي لم يكن كبيراً ولم يكن مشهوراً بل كان حتى وقتٍ قريب مخرجاً مساعداً. فوجئت به يصرخ في وجهي بطريقةٍ عصبية مستفزة وتمالكت نفسي وأنا في غاية التعجب وتذكرت الكبير القدير محمد كريم، وقلت سبحان الله الاستاذ الكبير تسامح ونصف المخرج لا يريد أن يتسامح، يريد فقط لأسباب نفسيه أن يستعرض نفسه داخل الاستديو أمام بقية العاملين ليثبت وجوده الذي فشل في إثباته بعد ذلك على الشاشة.
الحقيقة أنني لم ارتكب ذلك الخطأ إلا مرتين فقط في حياتي كلها، مرتين فقط، انشغلت فيهما بتصوير خمسة أفلام في وقتٍ واحد، ولكن مهما كان الفنان دقيقاً ومنضبطاً في مواعيده إلا أنه رغماً عنه سيضطر للذهاب متاخراً لأحد تلك الافلام، فيعرض نفسه لسخافات غير مرغوبة، ويعرض نفسه أيضا لحالة من عدم التركيز الذهني قد تؤثر على مستوى أدائه، وقد تؤثر أيضا على صورته في أذهان محبيه من جمهور السينما. لقد شاهدت منذ أيام فيلم "شاطئ الذكريات" على شاشة التليفزيون وشعرت بالفخر والإعتزاز لأني منتج ذلك الفيلم، ولأني مشارك في بطولته مع بقية فنانيه شكري سرحان وشادية وعبد الوارث عسر وتوفيق الدقن والسيد بدير. وبصراحة كان أهم ما يجمعنا روح الأسرة الواحدة التي لم أكن أشعر بها في أيامي الأخيرة داخل استديوهات السينما. وكان يجمعنا أيضاً، ذلك الصدق الرائع صدق العمل وصدق الأداء والرغبة الموحدة في تقديم فن سينمائي حقيقي لكني للأسف، قد شعرت بأن أغلب الجيل الجديد من الممثلين "جيل عايز يقبض". إن الواحد منهم لايسأل عن قيمة الدور بل عن قيمة الأجر، ولا يقول ما هي القصة بل يسأل كم الأجر في الحلقة؟ وكم عدد الحلقات التي سأظهر فيها. وينشغل بعملياتٍ حسابية. وعندما يتأكد من أن دخله المادي في المسلسل معقول، يوافق على العمل، ويحرص علي الظهور في كل حلقة حتى إن لم يكن وجوده ضرورياً من الناحية الفنية. بل ويحقد على الذين يظهرون في جميع حلقات المسلسل. إنه للأسف إنطباعي الذي كونته في الفترة الأخيرة عن جيل ممثلي وممثلات التليفزيون أقولها وأنا حزين ..."جيل عايز يقبض".


شريط الذكريات
كلما تحرك شريط الذكريات فانه يتوقف دائماً أمام نفس المشهد الذي أصبح يلح على ذهني الحاحاً عجيباً. كنت أيامها أعيش مسلسل المرض الطويل، تصلب الشرايين وجلطة القلب ثم جلطة المخ ومتاعب الأعصاب. وبعد اعتكافٍ طويل في البيت أرسل لي المخرج حسام الدين مصطفى لكي أعمل معه في فيلم "سونيا والمجنون" لكي أؤدي دوري، والد سونيا الأب الذي كان ممثلاً معروفاً ثم دارت الأيام ليصبح مهملاً في زوايا النسيان، لا يجد من يذكره ولا من يواسيه، ولا من يحمي ابنته من السقوط، فتضطر لبيع جسدها لكل عابر طريق لكي تعيش وتبقي عائلتها في عداد الاحياء.

أعجبني الدور، تعاطفت مع الممثل الذي كان لامعاً فاصبح منسياً، الذي كان ثريا فأصبح معدما، الممثل الذي كان شاباً وسعيداً فأصبح صديقاً للكابة والامراض، لن أنسى ذلك المشهد الذي لم يشاهده المتفرج على الشاشة لأنه قد حذف، ذلك المشهد الذي كان أولادي في الفيلم يتسابقون علي مساعدتي في ارتداء البدلة الجديدة التي سأعود بها إلى الأضواء مجدداً، في دور جديد أو بمناسبة عودة الأضواء لي في فيلمٍ جديد بعد خصامٍ طويل. لكن سعادتي بالدور تضيع عندما يعتذرون لي فجاة عن أداء الدور، فاخلع بدلتي لأشتري بثمنها زجاجة ويسكي أغرق فيها أحزاني وبحوارٍ رائع مع مانولي الذي يعمل في البار.
تعاطفت جداً مع تلك الشخصية في فيلم "سونيا والمجنون" بل وتوحدت معها، وجدت نفسي في تلك الشخصية إنني مثل والد سونيا، كنت مشهوراً وكنت غنياً وكنت وكنت ثم وجدت نفسي فجأة أعيش علي هامش الحياة علي حافة الدينا، لكني فوجئت وأنا أشاهد الفيلم بعد انتهاء التصوير بأن المخرج حذف مشاهد كاملة وشعرت بأن الشخصية التي أحببتها اختفت وبأني اختفيت معها وقلت للمخرج حسام الدين مصطفي لماذا حذفت كل تلك المشاهد لقد ضاعت الشخصية، وفوجئت برده الصاعق، تضيع الشخصية لكن مستحيل أضيع الأبطال نجلاء فتحي ومحمود ياسين.


لم أعد نجماً
في تلك اللحظة بالذات أدركت الحقيقة الغائبة عني، إني لم أعد نجماً ولا ممثلاً أول. أصبحت مجرد ممثل، كان كبيراً وكان شهيراً وكان في يوم من الأيام "الفتى الأول" وكان حاصلاً على أكبر الجوائز.. وكان وكان وكان طبعاً فعل ماضي! ونحن ننسى الماضي بسرعة. في ذلك اليوم بالذات شعرت أنني زائد عن الحاجة، وخرجت من الاستديو لأعود إلى بيتي، لأنتظر من جديد كلمة النهاية. 

اعتذار 
وكما يحدث في كل فيلم تأتي دائماً كلمة النهاية، وفي كل مسرحية يسدل الستار وفي كل مسلسل تأتي الحلقة الاخيرة، إنني انتظر نهاية الرحلة الشاقة الطويلة ولست نادماً علي أي طريق سلكته ولا علي أي قرار اتخدته. هذه حياتي، وهذه أخطائي أخفيها وأداريها، ليس لي في البنوك حساب، وليست في جيبي دفاتر شيكات، وليس في بيتي غير ما يكفي يومي، ورغم ذلك أعتبر نفسي صاحب أكبر رصيد 450 فيلماً، تلك هي تركتي، ذلك هو رصيدي الوحيد، فاعذرني يا ابني العزيز نادر، واعذرني ياحفيدي عماد واعذريني يا حفيدتي الحبيبة مريم، فأنا لم اترك لكم العمارات والعقارات والعقارت والأطيان. لم أودع لكم في البنوك جنيهاً واحداً لكني أعتقد انكم ستغفرون لي برصيدي الفني، لأفلامي وهو رصيد أعتز به ولا أخجل منه، صنعته بالتعب والعرق والمعاناه الطويلة، ورحل عماد حمدي في 28 يناير 1984 بعد مسيرة فنية حافلة.

ملاحظة: إختتمت "إيلاف" بهذه الحلقة نشر سلسلة المذكرات الشخصية للفنان الراحل "عماد حمدي" التي قدمتها تباعاً ويومياً حتى الحلقة الحادية عشر. ويمكنكم قراءة الحلقات السابقة عبر النقر على عناوينها إلى الشمال أعلاه تحت عنوان "مواضيع ذات صلة" بالترتيب التالي:

1- عماد حمدي شابٌ مطيع خسر حلم الطبابة
2- طرائف عماد حمدي مع شقيقه التوأم ومشروعهما الأول
3- عماد حمدي: البطولة الأولى في "السوق السوداء"
4- عماد حمدي: نجاحٌ ساحق بعد الفشل الذريع
5- عماد حمدي "الورقة الرابحة": حبٌ ونجاح مع فتحية شريف
6- عماد حمدي "القرار الصعب": طلقت زوجتي لأرتبط بـ"شادية"
7- عماد حمدي "الصياد الحزين": لا أنسى صراخ إبني في السينما
8- عماد حمدي: "الأيام الصعبة" وقصة زواجه بـ"نادية الجندي"
9- عماد حمدي "أيام النكسة": زواجٌ خاسر مع نادية الجندي
10- عماد حمدي "المشهد الأخير": مرحلة الإكتئاب والعزلة


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ترفيه