GMT 13:15 2018 الخميس 31 مايو GMT 14:15 2018 الخميس 31 مايو  :آخر تحديث
يتصدّر نِسَب المشاهدة رغم المط والتكرار بإنتاجٍ فقير!

إسقاطاتٌ غير مُقنعة في مسلسل "كل الحب كل الغرام"

هلا أبو سعيد من بيروت

"إيلاف" من بيروت: أصيب مسلسل بالعقم منذ وفاة بطله الممثل اللبناني فادي ابراهيم الذي أعطى لهذا العمل قيمة إلى جانب ثلة من الممثلين اللبنانيين المعروفين مع بداية أحداثة التي شدت المشاهد اللبناني الى متابعته بشغف الشوق لأعمالٍ تحاكي بيئة الضيعة ببساطة أهلها وفلاحيها، وربما التوق للإطلاع على عادات العائلات الميسورة في ثلاثنيات القرن الماضي أو التعاطف مع الطفلة "نسرين" المشرّدة التي عانت المرارة منذ نعومة أظافرها.
نعم هكذا هو المتابع للدراما اللبنانية في غالب الأحيان عاطفيّ بتفاعله يشده الحنين الى التاريخ والقرية ويتعاطف مع الفقراء ويثور مع الثوار وينتفض ضد الطغاة، لكن الكاتب مروان العبد الذي رحل قبل إكمال قصة العمل قد شطح بمخيلته عن أرض الواقع بإسقاطات لم تأت منطقية في سياق العادات والتقاليد من الزمن الغابر، وتابع العمل ضياعه بمطٍ وتطويل ليفقد مصداقيته خارج التسلسل الزمني بصورةٍ نمطية مكررة للوجوه والأحداث التي ما عادت تقدّم جديداً للمشاهد!


قصة العمل
ويعود هذا العمل بنا لعهد الإنتداب الفرنسي على لبنان في ثلاثينات القرن الماضي بعد أن يقصّ علينا رواية عاطفية بدأت مع دخول الطفلة "نسرين" المشرّدة الى حياة أسرة ميسورة لتجد نفسها في أحضان والدين غير طبيعيين هما الممثلين القديرين فادي ابراهيم واليسار حاموش. لتبدأ مرحلة العمل الشاق في الأرض مع الأب وتواجه الكراهية من الابنة الطبيعة "رانيا"(تاتيانا مرعب) بسبب حنان الأم، وتنشأ علاقة حب بينها وبين الابن ربيع. ثم يكبر الأطفال لتبدأ قصة حب تترسخ بعمقٍ روحي بين الشاب ربيع(باسم مغنية) والشابة نسرين(كارول الحاج). ثم تتقاطع الأدوار بين صراع الطبقات الإجتماعية في مواجهة هذا الحب الذي يقابله الميسورون بالرفض باعتبارها لقيطة وفلاحة. فيتم الإيقاع بربيع بشرك علاقة غير شرعية مع ابنة عائلة غنية هي "زينة" التي تُجسِّد دورها الفنانة المغربية جيهان الخماس(ابنة الفنان خالد السيد والفنانة ماي صايغ في المسلسل)، لينتج عن العلاقة ولادة طفل(شادي) يجبره على الزواج بها، فتقطع "نسرين" علاقتها بـ"ربيع" بإصرارها على زواجه لإصلاح خطأه بينما تستمر هي بكفاحها بالعمل في الأرض... لتصبح بعد سنوات المناضلة "بنت الأرض"!


بعدها تتطور الأحداث بطريقةٍ غريبة في القفز عبر الزمن بزواج "رانيا" وهروبها الى بيروت ووفاة والدتها بسبب حزنها الشديد. ثم تتوالى الأحداث بوفاة الأب وميراثه الذي يهبه لابنته غير الطبيعية، التي تُطرَد لاحقاً من منزله، ثم تعود الى القرية بصورة سيدة ثرية تشتري الممتلكات وتصبح صاحبة نفوذ تعمل للخير وتساعد الفقراء، ليدخل العسكر الفرنسي على الخط ويبدأ نضالها الوطني مع الثائرين بوجه الاحتلال بعد الموت الافتراضي لحبيبها "ربيع" برصاص الجيش الفرنسي!



في التفاصيل
وإن عدنا لانطلاقة هذا العمل في حلقاته الأولى، لقلنا أنه أعاد للذاكرة صورة "مريانا" البنت الأصيلة التي أدخلت الفنانة كارول الحاج الى قلوب المشاهدين منذ عفودٍ خلت، ولربما يكون استكمالاً لمشهدية قريبة من مسلسل "ياسمينا" الذي جمع الثلاثي فادي ابراهيم وكارول الحاج وباسم مغنية. لكن، هذه الشخصية قد لبست "الحاج" وكأنها لا تتقِن غيرها. ولقد آن الآوان لها أن تقدّم شخصية مختلفة تبرز قدراتها في غير بيئة وبأسلوبٍ مختلف!
وإن كان علينا إنصاف الممثلين الرئيسيين في العمل، فلا بد من الثناء على أداء الفنانة اليسار حاموش التي أعطت الأمومة بعداً مميزاً في التفاني والتضحية، وفادي ابراهيم الذي أثبت قدرات عالية كما عود المشاهدين، والممثلة هيام أبو شديد التي تميّزت بشخصيةٍ جديدة عفوية دخلت قلوب الناس، وأيضاً ماي صايغ التي أظهرت تحولاً مقنعاً في قناعاتها بعد زوجها وابنها "وسام" اللذين غيرا مفهومها الإجتماعي. بينما كان حضور باسم مغنية تماماً كحضور "الحاج" وكأنهما يؤديان واجباً تمثيلياً، فيكرران المشهديات العالقة في ذهن المشاهدين بعيداً عن عمق التأثير! فيبدو بدوره هذا أضعف بكثير قياساً بأدائه في أدواره التي نتابعها بالمسلسلات الجديدة ومنها "تانغو" الذي يقدّمه بشخصيةٍ مختلفة!

نص أفلاطوني أقرب إلى الخيال
لقد أبحر مؤلف العمل بخياله الأفلاطوني والمثالي بعيداً عن المجريات المنطقية للأحداث، حتى أصبح بسرده أشبه بجدٍ يقصّ على طفلٍ رواية جميلة في انتظار نهايةً سعيدة! فنسرين الشابة البسيطة الفقيرة قد نذرت قلبها لحبيبها الذي تزوّج مضطرا ليصلح غلطته، متمسكة بحدسها بأنها ستلتقي به مجدداً حتى بعد انتشار خبر موته الإفتراضي! أما هو الذي يعيش حياته هارباً، فيرهق المشاهدين بتنقلاته من حرجٍ الى آخر ومن بيت الى شاطئ ومن حضن سيدة لأخرى وكأنه أصبح "زير النساء" بعد ان افتعل حربا بين أرملة وابنة زوجها للفوز به!


ولقد ملّ المشاهد من زيارات "علي منيمنة وزوجته الخائنة المتعجرفة" الى المخفر الفرنسي للوشاية بأهل القرية! وبات مستهلكاً مشهد تنقل السيدات في الأحراج والقبض على المقاتلين متلبسين بتهريب السلاح، كما تكررت حوارات الفلاح الثائر "يوسف مع زوجته" في مواقع وعبارات متشابهة، فيما أصبحت علاقة شادي واليسار اليافيعين(إبنة وسام وابن زينة)مملةً أيضاً بتكرار العوائق الفاصلة بينهما!

ويبدو أن المخرج لم يبذل جهداً بالخروج عن نمطية النص، أو ربما وقع غصباً عنه في أزمة سيناريو لم يخدمه، ما وضعه كاميرته بمحيط ضيّق لم يسعفه للإبداع! فيما تبرز بعض الأخطاء الظاهرة وغير المقبولة منطقياً مع تتنقل "نسرين" بكامل أناقتها في البراري بحذاءٍ ذات كعب عالي؟! كما يطرح السؤال نفسه حول تقبّل والد إليسار الحقيقي لأبوته لها رغم كونها إبنة غير شرعية في مجتمعٍ قروي ضيّق يُفترَض أنه لا يتقبّل الخيانة ولا يُسامح عليها!
والأهم أن صنّاع العمل قد غفلوا على ما يبدو أن المتزوجين منذ سنوات لم ينجبوا أطفالاً. فهل أصاب العقم وسام(جو طراد) بعد زواجه من "هند"(مارلين وردان) كما يوسف(جو صادر) وغيره من رجال البلدة؟!


إنتاج فقير ومط وتطويل
ويؤخذ على الشركة المنتجة "فينكس بيكتشرز انترناشونال" اقتصادها في الانتاج! فهذا المسلسل قدّم صورةً فقيرة عن حياة الضيعة، ولم يعرض مشاهد سهرة قروية أو لقطات جامعة لمناسبة فرح او عزاء. ولم يعرض صورة قطار او حافلة قديمة او باخرة سفر رغم ورودها في سياق النص، كما غابت عنه صور المرابع الليلية في بيروت، وحتى صورة المدرسة في البلدة! علماً أن منتجه المخرج ايلي سمير معلوف أشار حين إعلانه عن اختيار الكاتب طوني شمعون لاستكمال نهاية العمل أن المسلسل سينطلق برسالة مؤثرة إلى روح الكاتب مروان العبد كُتِبَ فيها: "إلى الّذي كتب وذهّب النص لكنه ذهَب قبل أن يرى ويشاهد. مروان العبد كتب وأنكتب بكلّ مشهدٍ رغم الرحيل. لك منّي ومن أسرة العمل: كلّ الحب لشخصك وكلّ الغرام بنصوصك".
لكن "شمعون" أسهب بمخيلته ليخرج عن فكرة "العبد" مستولداً الأحداث بهدف زيادة عديد الحلقات لإقحام المسلسل في السباق الرمضاني عنوةً بأحداثٍ تدور في فراغ مشاهد الدوريات الفرنسية وتفتيش المنازل بحثاً عن سلاح، وظهور "ربيع" واختفائه مجدداً..! حيث أن التقدم الوحيد الملحوظ في هذا العمل يكمن بالتغيير المستمر بمشهدية شارته وتسلسل الأسماء المتجددة عليها لضيوف شرف يُطل بعضهم في سياق الحلقات بأسلوبٍ أقرب الى الحشو من الحاجة لظهورهم!


وعليه، يمكن القول أنه كان على الشركة المنتجة ان تقفل الستار على العلاقة بين ربيع ونسرين باختصار الأحدات قبل السباق الرمضاني بدلاً من استنساخها. وكان على الكاتب والمخرج أن يتفقا على خاتمة مُقنعة بدلاً من الإسهاب في اللاموضوعية العالقة على عتبة إعلان الاستقلال اللبناني في العام 1943 من القرن الماضي. فهل ستكون الخاتمة منطقية أم أن القيمين على المسلسل سيعتمدون المبالغة بتخليص أهل الضيعة من كل مشاكلهم بقدرة قادر، وتزوير فرحة اللبنانيين باستقلالهم الذي لم يكتمل باستمرار معاناتهم مع سيادتهم المنقوصة حتى يومنا هذا؟!


أما بعد كل الملاحظات، فهناك سؤال عاجل يطرح نفسه عن سرّ احتلال هذا العمل لموقع الصدارة في معظم الإحصائيات التي تُعنى بنسَب المشاهدة: إلى متى ستتحكم العاطفة بمزاج المشاهد اللبناني الذي يتخطى الأخطاء التقنية والفنية بانجذابه لقصة تُوقِد فيه الحنين؟!


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ترفيه