GMT 12:52 2017 الأربعاء 13 سبتمبر GMT 8:22 2017 الخميس 14 سبتمبر  :آخر تحديث
لم يستثن أي مرحلة عمرية 

الانتحار يتزايد بشكل مخيف في المغرب

نادية عماري

الرباط: تزايدت ظاهرة الانتحار في المغرب بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، جراء تراكم مشاعر الإحباط والفشل لدى مواطنين من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، اختاروا في لحظة ضعف أن يضعوا حدا لحياتهم، معتقدين أنه السبيل الأمثل للتخلص من مختلف العراقيل والإكراهات التي تؤرقهم.

ويعد الانتحار من أبرز الظواهر الاجتماعية والإشكاليات التي تؤرق المجتمع المغربي في شموليته.

وبصرف النظر عن تعدد الأسباب والعوامل المؤدية إلى اتخاذ مثل هذا القرار الفردي الخطير، تظل قيم التضامن والتآزر في المجتمع وسيلة ناجعة لمكافحة الاكتئاب السوداوي المؤدي بشكل مباشر إلى الانتحار.

قضية أمي عيشة

أصبحت محاولة انتحار عيشة بوزياني "امّي عيشة" قضية رأي عام في المغرب قبل حوالى خمسة أشهر، عقب صعودها لعمود كهربائي في العاصمة الرباط، ومحاولة إضرام النار في جسدها بعدما سكبت لترا من البنزين عليها، في خطوة احتجاجية للمطالبة باسترجاع أرضها التي تضم 7 هكتارات ونصف هكتار، تعود ملكيتها لها ولشقيقها محمد بوزياني، سلبت منها بطريقة غير قانونية، ليتم بيعها لاحقا في المزاد العلني أمام نظرها.

أمي عيشة لدى محاولة انتحارها في الرباط

وهددت السيدة الخمسينية بالانتحار قبل أن يتدخل أفراد وقاية المدنية لإنقاذها وإنزالها من العمود والحيلولة دون انتحارها، وهي القضية التي تفاعل معها العديد من رواد موقع التواصل الاجتماعي" فيسبوك"، بإطلاق حملة تحت شعار"كلنا امي عائشة".

وعلى طريقة "امي عيشة"، أقدمت سيدة حامل بعد حوالى شهر ونصف شهر من الواقعة على القيام بمحاولة انتحار عبر تسلقها لعمود كهربائي أمام مندوبية الانعاش الوطني في مدينة كلميم( جنوب)، بسبب تعرضها للظلم من طرف أحد المسؤولين.

ولاحقا قام رجل في عقده الرابع بتسلق العمود الكهربائي الذي تسلقته “أمي عيشة” في وقت سابق، في شارع مولاي عبد الله في الرباط، احتجاجا على عدم منحه “مأذونية” كان قد استفاد منها، ناهيك عن تسجيل حالات عديدة لأشخاص حاولوا الانتحار أو أقدموا فعليا عليه في العديد من المدن والقرى المغربية .

أسباب مختلفة

ويرى الناشط الجمعوي هشام بوقشوش أن الأسباب الكامنة وراء الانتحار تتنوع بين ما هو نفسي مرضي، واجتماعي وأسري وعاطفي وسياسي واقتصادي وغيره.

وأضاف "على المستوى النفسي، اذا كانت العلاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسية (خاصة الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن تعاطي الكحول) معلومة تماما في البلدان المرتفعة الدخل، فإن هناك العديد من حالات الانتحار التي تحدث فجأة في لحظات الأزمة نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشاكل المالية، أو انهيار علاقة ما أو غيرها من الآلام والأمراض المزمنة.

ويقترن الانتحار بقوة في أشكاله المتجددة بالنزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو الفقدان والشعور بالعزلة بالسلوك الانتحاري. وترتفع معدلاته كذلك بين الفئات المستضعفة والمنبوذين اجتماعيا، والتي تعاني التمييز مثل اللاجئين والمهاجرين؛ والشعوب الأصلية؛ والسحاقيات والمثليين، والمخنثين والمتحولين جنسيا، وثنائيي الجنس؛ والسجناء، وتعتبر محاولة الانتحار السابقة أقوى عامل خطر للانتحار".

ويضيف بوقشوش في تصريحات لـ"إيلاف المغرب":" بخلاف مجموعة من الظواهر التي استرعت اهتمام المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، وأفرزت هيئات جمعوية وحقوقية جديدة تعنى بتتبع مسار وأسباب ونتائج وسبل معالجتها، مثل (شغب الملاعب،الإدمان، وزواج القاصرات)، اتّسم التعاطي مع ملف الانتحار بالاحتشام وعدم المواكبة، على الرغم من سرعة انتشاره وتزايد وتيرته بين أفراد المجتمع، خاصة في صفوف الشباب.هذا التزايد الذي له العديد من القراءات والتي تذهب إلى أن العديد من التفاعلات التي طالت المجتمع المغربي خاصة على المستوى القيمي خلفت شرخا اجتماعيا، كان لها كبير الأثر على مستوى الاستواء النفسي الاجتماعي وتمثلاته الفردية والمجتمعية".

الدولة تتحمل المسؤولية

وعن دور مؤسسات الدولة والجمعيات المغربية في التصدي للظاهرة، اعتبر بوقشوش أن المجتمع المدني لا يمكن أن يحل محل الدولة في تسطير البرامج الرامية إلى القضاء على الظواهر المجتمعية، باعتباره مجرد أداة موازية تعالج الجزئيات التي غفلتها المخططات الإستراتيجية للدولة، من خلال إثارة الظاهرة ومناقشتها في الندوات والموائد المستديرة.

وزاد الفاعل الجمعوي قائلا"قضية الوقاية من الانتحار لم تعالج بشكل كاف بسبب ضعف الوعي بالانتحار كمشكلة صحة عمومية رئيسة،ولكونه من المحظورات في كثير من المجتمعات ما يحول دون مناقشته علنا".

ويضيف "حتى الآن، لم يقم المغرب بإدراج الوقاية من الانتحار ضمن أولوياته الصحية،الشيء الذي انعدمت معه استراتيجية وطنية للوقاية منه، مع ما يسجل من ضعف في إتاحة البيانات الخاصة بالانتحار والإقدام عليه ونوعية هذه البيانات.والمتابعة النفسية الاجتماعية للأشخاص الذين فشلوا في محاولات الانتحار، فالدولة بمختلف مكوناتها تتحمل المسؤولية اليوم تجاه ظاهرة الانتحار، باعتبارها كيانا جامعا لمختلف منظومات التنشئة، نظرا لارتباط الملف بعدة عوامل متداخلة في ما بينها".

العامل النفسي

من جهته، أشار عبد الرزاق وناس، أخصائي في الأمراض النفسية والعصبية في مستشفى الرازي في مدينة سلا إلى كون العوامل النفسية لها دور أساسي في الإقدام على محاولة الانتحار، وهو ما يتجلى بشكل واضح في الإصابة باكتئاب في مرحلة أولى، ما يستدعي تدخل المحيطين بالشخص من أهل وأقارب بهدف إقناع الطرف المعني بضرورة الخضوع لعلاج نفسي، إذا ما صرح لهم بعزمه على وضع حد لحياته.

وعن طرق التعامل الصحيحة مع حالات مماثلة داخل المحيط الأسري، أفاد وناس في اتصال هاتفي مع"إيلاف المغرب" بضرورة وجود وقاية أولية عن طريق استشارة طبية متبوعة بعلاج يهم الحالة، و أن يحظى الفرد باهتمام من قبل المقربين منه، في حالات كثيرة من ضمنها الأشخاص المصابون بأمراض الهلوسة أو الفصام، والذين يتهيأ لهم أنهم يسمعون أصواتا معينة، تحثهم على وجوب الانتحار لكي تتغير الحياة، فضلا عن أمراض القلق والفزع والخوف.

وبخصوص عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة حول معدلات الانتحار في المغرب، أضاف الأخصائي في الامراض النفسية والعصبية قائلا : "يصعب الحصول على رقم دقيق حول الظاهرة بالنظر إلى تشعبها، فالعديد من الأشخاص مثلا يتناولون أدوية تؤدي للوفاة، ويقال بعدها إن سببها يكمن في الإصابة بسكتة قلبية، أو أنهم يلقون بأنفسهم من مكان ما ويذهب البعض للجزم بكونه حادثا عرضيا لا علاقة له بالانتحار مطلقا، في المقابل، لا يوجد تصريح بهذه الحالات، والإحصائيات التي يتم تداولها تهم أحيانا محاولات الانتحار، والتي في الغالب لا يتم التصريح بها، حينما يقوم الأهل مثلا باصطحاب الشخص المعني لطبيب خاص، ولا يحظى بالعلاج في المستشفيات العمومية".

تبخيس للذات المغربية

من جهته، يرى هشام العفو، وهو استشاري نفسي و مختص في تحليل وتعديل السلوك الإنساني، أن وضع الانتحار في إطار المسكوت عنه أو اعتباره طابو أمر خطير يساهم في انتشار الظاهرة بصمت، والتطبيع معها، لدرجة أن انتشارها بأشكال مختلفة، حيث يتفنن فيها بعض المراهقين ويصلون لدرجة توثيقها بالكاميرا، يعكس حجم التبخيس الذي وصلت إليه الذات الإنسانية عموما، وانتشار هذه العدوى للمغرب لإبراز حجم التبخيس للذات المغربية على الخصوص .

ويقول العفو إن تبخيس الذات يعد أحد أهم العوامل المعززة لأفكار انتحارية قبل أن تتحول الى اضطراب الانتحار، فيصبح الأمر أكثر صعوبة و خطورة، إذ يتحول مباشرة الى خطر الانتحار بمعنى أن الفرد هنا يحتاج الى رعاية خاصة، و عزله تماما عن المحيط و العوامل المعززة لأفكاره التبخيسية و التيئيسية والسوداوية.

الطفل والمراهق

لم يستثن الانتحار أي مرحلة عمرية في المغرب، حيث امتد ليشمل فئة الأطفال و المراهقين، ليشكل أهم سبب للوفاة بين الشباب في الفئة العمرية ما بين 15 و 29 سنة، وفق آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية، والذي صدر تزامنا مع تخليد اليوم العالمي لمحاربة الانتحار، والذي يصادف 10 من سبتمبر من كل سنة.

في السياق ذاته، يضيف العفو قائلا لـ"إيلاف المغرب" ان الأمر مرتبط بعاملين أساسيين، الأول يشمل تسرب ثقافة تبخيس الذات والعامل الثاني مرتبط بمفهوم الهشاشة النفسية، وهنا نشير، يقول العفو، الى أن الطفل والمراهق لا يزالان قيد تطوير الشخصية وفي مراحل نموها، وأن أي خلل في اكتمال عناصر النمو خصوصا الوجداني والنفسي قد يعد مدمرا للشخصية ويعتبر عاملا مساهما في الهشاشة والوهن النفسي الذي يجد معه الطفل والمراهق صعوبة كبيرة في استيعاب الصعوبات و المشاكل اليومية، أو الصدمات الاجتماعية و العاطفية، وأحيانا حتى الفشل الدراسي، فيكون الحل السهل هو الانتحار، عوض مواجهة آثار الفشل أو التعرض للاحتراق النفسي.

ويرى العفو أن الملل النفسي الذي ينتج من التعاطي الكثير مع نوادي الشات والجلوس ساعات طويلة أمام الحاسوب والتلفزيون و العاب الفيديو، يعد أيضا حافزا كبيرا لسقوط الذات في الحلقة المفرغة، والتي تعتبر بمثابة مدخل وبوابة للأفكار الخاطئة و الاستدلالات المشوهة، والتي تنتهي بالطفل والمراهق الى الاستسلام للانتحار و التخلص من المعاناة النفسية.

إحصائيات صادمة

وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها السنوي حول الانتحار إلى تضاعف حالاته بالمغرب بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة، خاصة في الفترة الممتدة ما بين سنتي 2000 و2012، حيث بلغت 97.8 بالمئة، بعدما انتقل معدل حوادث الانتحار خلال هذه الفترة من 2.7 إلى 5.3 لكل 100 الف نسمة .

وأفادت إحصائيات التقرير الأممي الصادر بعنوان"الوقاية من الانتحار ضرورة عالمية" إلى أن عدد المنتحرين المغاربة بلغ 1628 خلال سنة 2012، يمثل الرجال 1431 حالة انتحار، فيما تمثل النساء 198 حالة. وسجلت المنظمة أن معدل الانتحار في الفئة العمرية من 15 إلى 29 سنة بلغ 5.9 بالمئة في الفترة الزمنية نفسها.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع نسبة الإقدام على الانتحار في صفوف المسنين في المغرب، حيث سجلت معدل 14.4 حالة من كل 100 الف مسن في سنة 2012، و أوضحت أن 3 ملايين مغربي يتمنون الموت بفعل انتشار البطالة والفقر والاكتئاب، مسجلة وجود محاولات انتحار فاشلة تفوق أعداد المنتحرين السابقة الذكر. و بشأن الطرق المتبعة من طرف المغاربة المنتحرين، أشارت إلى أن تناول المبيدات والشنق والأسلحة النارية تعد أكثر الأساليب انتشارا، و تمثل 30 بالمئة من حالات الانتحار على المستوى العالمي.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار