GMT 7:38 2017 الجمعة 1 ديسمبر GMT 21:39 2017 الأحد 3 ديسمبر  :آخر تحديث

لعنة الجغرافية الكردية والطوف الحجري

جبار ياسين

اللغة كنايات وصور في كل مايكتب ويقال ، في الشعر كما في الفلسفة والأسطورة و ضروب التعبيرات الأنسانية ادبية او علمية . بل ان الفيزياء والرياضيات كعلوم خالصة ، بحد ذاتها ، تلجأ للصور والكنايات لشرح قوانينها وليست نظرية الكموم النسبية لأنشتين ، بقوتها الذرية ، الا نموذجا .

لعنات التاريخ او الجغرافية او الجيولوجيا او لعنة الفراعنة او لعنة الكونت مونت كريستو في رواية الكسندر دوما ، محض صور شعرية للتعبير عن الواقع . لكنها مثل تعويذات ، حين يؤمن بها ، فأنها تصير فاعلة وقاطعة اكثر من حد سيف دومكلس .في الآونة الأخيرة قرأت مقالات، اخص من بينها مقالات الكاتب شمة مال سليم ، وسمعت نقاشات وتعليقات " مؤمنة " بلعنة" الجغرافية الكردية ، محملة اياها اكثر من طاقتها وفاعليتها . لكن اذا القينا نظرة ، ولو عاجلة ، الى وقائع التاريخ وتعليقات الأخباريين وارتباطها بالجغرافية : اليست كل بلدان الدنيا مصابة بلعنة الجغرافية منذ زحزحة القارات التي يفترضها الجيولوجيون ويؤكدونها بأدلة علمية مقنعة ؟ كم بلد من بلدان اليوم ، بخرائطها السياسية المعاصرة لم تصبه لعنة الجغرافية ؟ هل بلاد الأكراد او " ستان الأكراد ، باللغة الفارسية " هو المكان الوحيد الذي صبت عليه آلهة الجغرافية والفصول الأغريقية "غايا " حمم غضبها ؟ هل نجت المكسيك من لعنة جغرافيتها- بحضاراتها التي خربها الأسبان والتي لو بقيت لأضافت الكثير لحضارة اليوم على حد تعبير الكاتب الفرنسي جان ماري لوكليزيو في " الحلم المكسيكي –ا ام جزيرة كريت ، وديعة التاريخ الجميلة للأغريق ومحطة استراحة آلهات القدر اليونانيات ، ام اندونيسيا ، بلد البراكين التي ابادت البشرية الأولى بسموم دخان براكينها ، وفقا لبعض علماء الأنتروبولوجيا ـ ام فرنسا ، بكرومها ومراعيها وحروبها الدينية بقول شكسبير ، ام مدغسقر ، جنة افريقيا الفقيرة الحال ،بلاد المذابح الأستعمارية المنسية ، ام مصر بأهراماتها وسؤال ابو الهول الأبدي وربطها افريقيا بآسيا ، ام بلاد الرافدين مهد الأنسانية بتعبير س. م . كريمر ، بجغرافيتها التي جعلتها اخصب ارض تعبوية لصراع الحضارات ؟ وربما حتى اليوم . حتى تلك البلدان التي ريحها انعم من الحرير ، من ايطاليا الى كوستريكا في امريكا الوسطى لم تنج من لعنة الجغرافية ، اذا اخذنا التاريخ كمعيار للجغرافية .

جاء الأكراد في فجر او مساء يوم ما من التاريخ وسعدوا بمناظر الجبال والسهول بين فارس والأناضول وارض النهرين فسكنوها وما زالوا " لا نقاش . هذه هي الأسماء التاريخية " بأختيارهم . ربما بعد ان جربوا ارض اخرى ، شأن كل الشعوب الباحثة عن الكلأ والسلام . جاؤوا بلغتهم ولهجاتها التي خضبتها الهجرة بأيمان و وثنية الشعوب التي مروا بها قبل استقرارهم الأخير على ذرى ما سيكون ، بعد زمن طويل كردستان .كتب الجواهري العراقي : طيف تحدر من وراء حجاب ، غض الترائب مثقل الأهداب . فكأن ساحرة ترقص حوله ، اعطاف اودية وهام روابي . لعبت به سود الليالي حقبة هي شر مالعبت يد الأحقاب .

جاءت قبلهم وبعدهم شعوبا وقبائل اخرى وسكنت في هذا المثلث الخصب ، الرعوي ، الملون و المحمي بالطبيعة - مازالت قبائل اليمن تحتمي بالجبال ومازال هنود بوليفيا وغواتيمالا يحتمون بالغابات - انه اختيار الأسلاف . وان بالغنا ، اختيار اجباري كالمنفى . فالبدايات لكل الشعوب كانت الهجرة والمنفى ، بحثا عن العيش بسلام قبل ان ينبت الناس كالبذور من الأرض . هل يختار المنفي بأرادته مكان منفاه ؟ وهل يختار الأنسان مكان ولادته ؟ لو اخترنا جميعا اماكن ولادتنا لما كان هناك تاريخ خصب للبشرية ينتج الفنون والآداب . .حتى النبات لايختار مكان انباته . الريح والمطر وحرارة الشمس من تختار له ولادته وانتشاره في الحقول والمراعي الخصبة او المجدبة . وجدتم انفسكم هنا يا أكراد ، فيما صار كردستان . انه اختيار اسلافكم واختياركم فيما بعد . هذا المكان صار لكم وطنا ، بجباله و وديانه وسهوله . بجيرانه من عرب وترك وفرس ، بأمطاره وثلوجه ومراعيه . بتاريخه واساطيره ، بحروبه و سنوات السلم القليلة . انه بركتكم وليس لعنتكم ، شأنكم شأن العرب ،وشأن مصريين واتراك وفرس وعراقيين وفلسطينين مازالوا يبحثون عن بركة للجغرافية امام قسوة التاريخ .

هي الشعوب التي تجعل من الجغرافية امتيازا باراداتها .الشعوب التي اجترحت الأفكار والفلسفات ، الخزف والمعمار ، المنائر والأبراج . الشعوب التي فكرت الأساطير التي تبعث الأمل والأخرى التي تعاقب ، بنت الزقورات والأكروبولات والأهرامات ، اساطير العشق والموت ، السدود و المدن والتقاويم . لم تكن بلاد الأغريق بلاد ماء لكنها انجبت اخصب حضارة في تاريخ الأنسانية حتى اليوم ، وما زلنا نشرب قطرات فلسفتها ومعمارها واساطيرها . لم تكن اليونان يوما اكثر من عشرة ملايين من الأنفس التواقة للمعرفة واكتشاف العالم .كل ما بأيدينا اليوم أتى من اهل النهرين واهل مصر واهل اليونان ، وكانوا قلة . سعوا للحرب في حينها وللسلم حين يبزغ بياضه .

لا لعنة للجغرافية الا اذا كانت الحياة لعنة .من يلعن الحياة لا جغرافية له . المكان ليس لعنة ، انه صعب احيانا . جهد المرء ، جهد الشعوب جمعا ، جعله مكان صالح للعيش بلا اعذار فيزيقية او ميتافيزيقية ، . فالمكان من اهله او ينتهي بأن يشبه اهله .لم تستطع البشرية تقويم التاريخ لكنها قومت الجغرافية و نحتت من الجبال تماثيلا ومن التقائها سدود ومن سفوحها مدرجات ، حقولا للقمح والذرة والقهوة وبساتينا للكروم والتفاح والزيتون .

في رواية " الطوف الحجري " للصديق الراحل خوسية ساراماغو ، الكاتب البرتغالي الحائز على نوبل للآداب ، نسف لفكرة لعنة المكان , يبتكر الراوي حلا للخلاص من ثقل اوربا على شبه الجزيرة الايبيرية " اسبانيا والبرتغال " . تنشق الأرض بزلزال خيالي في شمال شبه الجزيرة وتنفصل البرتغال واسبانيا على اوربا . تمضي شبه الجزيرة الأيبيرية ، وحدها ، عائمة في لجاج المحيط الأطلسي بعيدا عن ثقل اوربا وهيمنتها ، مثل طوف حجري بجباله وسهوله ومدنه وبحيراته واهله. تدفعه الأمواج الأوقيانوسية والرياح الأطلسية ليصطدم بجزر اللازورد المتشبثه بعمق المحيط منذ اول الخليقة . ثم بحكم الصدمة القوية تمضي بشبه الجزيرة الأيبيرية بعيدا ، نحو افريقيا .

انها لعنة الجغرافية بصيغتها الشعرية ـ لكن هل يظل الطوف الحجري تائها مثل مركب سكران بعيدا عن جذوره ؟ لقد تخيل الكاتب البرتغالي ، الأفريقي الجذور ان قدر بلاده السحرية في افريقيا بعيدا عن اوربا ومنطقها الرياضي وصقيعها و ضجيج حضارتها . لكن هل تستطيع كردستان ان تمضي على طوف حجري لتنزع عن قدرها لعنة الجغرافية بواقع الحال او حتى في بلاغة ادبية كبلاغة ساراماغو ؟ لن يكون الأمر سهلا ، خياليا ، فلا بحر ولا محيط كي يعوم طوف كردستان الجبلي . بل حتى لو طاف واعتلى الموج من ثغرة من المتوسط على الشاطئ التركي فلن يغادر الطوف الجبلي البحر المتوسط فمضيق جبل طارق ، اضيق من ان تمر فيه غير المراكب و الكردي لا يعرف ركوب البحر بل صعود الجبل .لكن هل من قوة قادرة الى رفع كردستان الى السماء ؟

لاحل للأكراد غير المكوث بين الجبال كما مكثوا منذ قرون . زرعها وعزف الناي بأنتظار الحصاد . لا حل في بكاء على الأطلال ولا في تعويذات ضد لعنة الجغرافية .هم هنا في هذا المكان الذي سموه كردستان . من هناك مع الجيران اهل النخيل والصنوبر والسرو ، بعيدا عن مرايا السراب القاتلة للتاريخ يبدأ الأكراد بترويض الجغرافية والعيش بسلام بأنتظار ان تحل اللغة عقدة اللسان وعقدة الأمل في دولة كردية مجاورة لبقايا الأمبراطوريات القديمة ، تدفن عقدة لعنة الجغرافية للابد .

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار