GMT 13:18 2017 الخميس 1 يونيو GMT 18:46 2017 الإثنين 5 يونيو  :آخر تحديث

ثورة وتطوير في التعليم

سامي البحيري

من المضحكات المبكيات معا هو تحسر بعض كبار السن على التعليم ايام الكتاتيب، حيث كان الأطفال يضربون بسبب وبدون سبب وينتج جيلا يتعلم الحفظ والخوف، المهم راح زمن الكتاتيب واتي زمن المدارس، وأتكلم الان عن المنطقة العربية، ويعتبر من نافلة القول (حلوة نافلة القول دي) ان التعليم هو أساس التقدم والحضارة على المستوى الفردي وعلى مستوى الشعوب، فالفرق بين المتسول والمهندس هو ان المتسول لم يكمل تعليمه والمهندس اكمل تعليمه (رغم ان بعض المتسولين يكسبون اكثر من المهندسين احيانا) !! والفرق بين الشعوب الإسكندنافية والشعوب العربية هو ان الشعوب الاسكندنافية متعلمة ومتربية ايضا والشعوب العربية ينقصها التعليم وينقصها التربية ايضا على وجه اليقين. والمنطقة العربية تأثرت الى حد بعيد بما يحدث في مصر لان مصر حتى ستينيات القرن الماضي كانت المورد الأساسي للثقافة وللمدرسين والمناهج والكراريس وحتى الاساتيك على رأي السادات عندما قاطعه العرب بعد كامب دافيد خطب يقول: دلوقت عاوزين يقاطعوا مصر ؟؟؟ ده احنا كنّا بنبعت لهم المدرسين والكتب والكراريس (ثم صمت برهة) وقال.. والاساتيك!

ويحكى عن طه حسين ايام كان وزيرا للمعارف (التعليم حاليا) سألوه: "متى سوف يتم تحسين التعليم" فقال:"لما نشوف" !! (وطبعا من المعروف ان طه حسين كان ضريرا)، ومات طه حسين دون ان يرى اي تحسين للتعليم بل رأى تدهور التعليم ولا يزال يتدهور ويتدهور، الشيء الوحيد الذي تطور في التعليم هو انهم غيروا اسم الوزارة من وزارة المعارف الى وزارة التربية والتعليم، ثم اتضح انه لا أمل في التربية فاقتصروا على التسمية "وزارة التعليم" ولست ادري سر تغيير الاسم من وزارة المعارف الى وزارة التعليم ؟ هل لان كلمة المعارف كلمة أبيحة مثلا؟؟ أم انها كانت من العهد البائد ؟؟ وياريت استمر العهد البائد.

المشكلة الاساسية في التعليم في مصر والعالم العربي هو تدهور التعليم الحكومي بدرجة مخيفة، واحكي لكم قصة حقيقية: منذ سنوات عديدة جلست في احدى قرى مصر مع ناظر مدرسة ابتدائية حكومية، وسألته عن رأيه في التعليم، وكان رده بالحرف الواحد:"تعليم ايه لما يكون الفصل عندي يصل الى ٩٠ تلميذ والمقاعد لا تتسع لأكثر من ٤٠ تلميذ، كل ما احرص عليه الان هو ان احشر التلاميذ على المقاعد مثل السردين بدلا من الجلوس على الارض حتى لا يصابوا بروماتزم المؤخرة" وبالطبع لم يستخدم كلمة الموخرة بل استخدم التعبير الدارج للموخرة!! (بالمناسبة كانت هذه المرة الاولى التي اسمع فيها بان "المؤخرة " يمكن ان تصاب بالروماتيزم).

الكثير من الناس يعتقدون ان السبب في ازدحام المدارس وتدهور التعليم هو مجانية التعليم، وهذا كلام باطل ويراد به باطل، فعلى سبيل المثال فان بناتي تلقين أفضل تعليم في امريكا في مدارس محترمة حكومية مجانية ولم ندفع دولارا واحدا طوال ١٢ سنة تعليم لكل بنت من المرحلة الابتدائية وحتى نهاية المرحلة الثانوية ولم تكن الفصول مزدحمة ولم يتدهور التعليم بسبب المجانية، وانا نفسي تلقيت تعليمي في مدارس حكومية في مصر ولم نكن نعاني من موضوع روماتيزم المؤخرة!! الفرق هو ان الحكومات المحترمة ترصد نسبة محترمة من الدخل القومي للتعليم الحكومي، وانا اعلم علم اليقين ان المشرع الامريكي او المسؤول التنفيذي عن التعليم في ألمانيا كان يهمه جدا توفير أفضل فرص تعليم للتلاميذ ولم يخطط أبدا للوقاية من روماتيزم المؤخرة للتلاميذ. وكلما زادت نسبة ميزانية التعليم من الدخل القومي للبلد كلما كان تطور التعليم أكيد، والميزانية هي احد اهم العوامل لانها تعني بالدرجة الاولى لبناء مدارس جديدة حديثة مجهزة وتعني مرتبات إنسانية معقولة للمدرسين تغنيهم عن تحولهم الى تجار ومتسولي دروس خصوصية.

إذن فما هي المشكلة ؟ حتى بافتراض حل مشكلة الميزانية يأتي جانب لا يقل أهمية وهو كيف نخرج البلد من:"بلد بتاعة شهادات" الى بلد بتاعة مهارات و معرفة "ومعارف " بجد؟ هذا الامر هو الاصعب لانه يتطلب تغييرا جوهريا في الفلسفة الثقافية وهو تحويل توجه ملايين الشعب من ان الهدف من تعليم اولادهم ليس هو حصولهم على "الشهادة الكبيرة" ولكن هو زيادة المعرفة لديهم وتنمية مهاراتهم لكي نضمن لهم حياة أفضل ليس لهم فقط ولكن للوطن ككل بل للعالم اجمع.

في اول سنة لي في كلية الهندسة بجامعة القاهرة كان أستاذ الميكانيكا هو الدكتور صلاح خشبة، وكان يعطينا المحاضرات في مدرج ضخم، وعندما كان يدخل مدرج المحاضرات يجدنا نجلس نحكي وندردش وهو صامت ينتظر ان نسكت، ولم يحدث ان طلب منا أبدا ان نصمت حتى يبدأ محاضرته، ولكنه كان يسير أمامنا ذهابا وإيابا على منصة عالية وكان دائماً يكلم نفسه، ومرة كنت اجلس في احدى الصفوف الاولى فسمعته يكلم نفسه قائلا:"طلبة زي الزفت مش عاوزين يتعلموا... لا اللي ورا شايف حاجة ولا اللي قدام عاوز يسمع ! جتكم البلاوي"، وعندما سكنتا مرة لخص لنا بعبقرية فلسفة التعليم وقال: "التعليم يبدأ عندما يكون هناك واحد عنده بعض المعرفة ويرغب في إيصال تلك المعرفة الى شخص اخر لديه الرغبة في تلقي تلك المعرفة" ومازلت اومن بان الهدف الرئيسي للتعليم هو تبادل المعرفة ما بين المعلم والمتعلم. فأين نحن اليوم في عصر المعلومات وعصر الانترنت وعصر جوجل من تبادل المعرفة، اليوم نحمل جميعا كل المعرفة الانسانية بالهاتف الذكي في جيبنا ابتداء من طفل في العاشرة من عمره الى كهل عمره مائة عام، لو خطر بالك اي سوال عن اي فرع فروع المعرفة، فما عليك الى ان تسال الحاج جوجل وسوف تجد لديه الجواب الشافي، حتى ان كلمة جوجل أصبحت "فعل" I will google him"
إذن المعرفة جاءت الى جيوبنا، فما هو الهدف الجديد من التعليم إذن ؟ اذا لم يكن الحصول على المعرفة؟ فتعليم الحفظ وترديد المعلومات مثل الببغاء هو تعليم عفا عليه الزمن، كل شيء محفوظ في جيبك في هذا الجهاز العجيب والذي تفوق على صندوق الدنيا بمراحل؟ اني ارى ان الهدف الحديث في عصر ثورة المعلومات هو ان نعلم اولادنا:
اولا: مهارة استخدام المعرفة نحو مزيد من المعرفة الجديدة والابتكار والخلق
ثانيا: تعليمهم بعض المهارات اليدوية حسب احتياجات المجتمع مثل النجارة والسباكة والكهرباء والميكانيكا وخلافه.
ثالثا: اللياقة البدنية بتعميم الرياضة بأنواعها للأولاد والبنات على حد سواء
رابعا: التغذية الصحية لكي نخلق جيل أصحاء بدلا من جيل الوجبات السريعة (الملظلظ)!
خامسا: اللياقة والمهارات الفنية مثل الموسيقى والرسم والنحت والشعر والتمثيل
سادسا (وهو الأهم): تربية الأولاد والبنات على الأخلاق الانسانية وعلى نبذ الكراهية و المحبة للاخر مهما اختلف دينه ولونه وجنسه وموقعه الاجتماعي، محبة إنسانية خالصة لوجه الانسانية.
والمناهج وتدريب المهارات يجب ان تتغير تغييرا ثوريا ديناميكيا وبشكل سنوي ليس في مصر وبلاد العرب بل في العالم اجمع حتى تتمشى مع السرعة الهائلة للتطور التكنولوجي، وهناك بدايات ثورية حقيقية في اكثر بلدان العالم تقدما في التعليم ويمكن ان نستفيد من تجارب التعليم الحديثة في فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية واسرائيل (نعم أسرائيل، واللي مش عاجبه يروح يشتكي لابويا)!!
...
من الأخبار المفرحة القادمة لنا (من فنلندا طبعا) هو ان بعض المدارس قامت بإلغاء المواضيع التقليدية واهتمت اكثر بتعليم المهارات وكيفية استخدام المعرفة وسمحت للأولاد والبنات باستخدام الهاتف الذكي للحصول على المعرفة داخل الفصل الدراسي، كما بدأت بعض المدارس الابتدائية في عقد ندوات وحلقات مناقشة مع الأولاد والبنات لمناقشة المشاكل العالمية مثل مسالة الهجرة ومسألة الانبعاث الحراري وتأثير هذا على الحياة على كوكب الارض وغيرها من المشكلات الانسانية العالمية!! (جتنا نيلة في حظنا الهباب)!

samybeehiri@aol.com

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار