GMT 11:30 2010 الأحد 21 فبراير GMT 16:31 2010 الثلائاء 23 فبراير  :آخر تحديث

تاكسي البنات الزهريّة تنافس الرجال في "عقر دارهم"

فيفيان عقيقي

سيّارات زهريّة ، تقودها سيدات بلباس زهري، وحلّة زهريّة، وتقدّم خدماتها للنساء فقط .. مركبات بدأت تغزو شوارع بيروت، لتصبح أول مشروع من نوعه في لبنان بهدف تأمين وسيلة نقل آمنة، ومريحة، وأنثويّة للنساء، خصوصا بعدما كثر الحديث عن حالات تحرّش جنسي ومضايقات وحتى اغتصاب تتعرّض لها النساء على الطرق.

بيروت: منذ نحو عام إفتُتح في بيروت مكتب "بنات تاكسي" مخصّص لخدمة النساء في تنقلاتهن اليوميّة، وأثار المشروع في حينه جدلا بين مؤيدين ومعارضين للفكرة، واليوم ترى نوال ياغي فخري سيّدة الأعمال اللبنانيّة، وصاحبة المؤسسة، أن "بنات تاكسي" مشروع ناجح، وتسعى باستمرار إلى تطوير العمل بهدف تلبية حاجات السوق بعدما ازداد زاد الطلب على الخدمات التي تقدّمها مؤسستها .

وتقول فخري لـ "إيلاف" أن هذه الفكرة كانت تراودها منذ زمن بعيد، وكانت تطمح لتأسيس عمل خاص بها بعدما تركت عملها في أحد المصارف، ثمّ تراجعت عنها، لكن سفرها إلى الخارج وتجربتها لخدمات مقدّمة من نساء جعلاها تتمسّك بها لتصبح مشروعًا واقعًا، وترى فخري أن المرأة تفهم مثيلتها وتعرف متطلباتها، وماذا تريد. وإن الرجل لا يمكنه أن يساعد المرأة في إنتقاء حاجاتها أو أن يدّلها على المكان الصحيح الذي يمكن أن تعثر فيه على مبتغاها، فكانت "بنات تاكسي" ترجمة لهذه الأفكار.

 

السيدة نوال ياغي فخري صاحبة المؤسسة
وتنفي فخري أن يكون مشروعها أتى من باب التعصّب والعنصرية للمرأة، بل ترى فيه مجرّد خدمة أنثويّة لا يمكن للرجل أن يقدّمها للمرأة . وتلفت إلى أن المشروع لقي ردود فعل وتجاوبا من النساء والرجال على حدّ سواء، فالرجال شجعوا الفكرة والنساء أقبلن عليها.

العمل بدأ بثلاث سيّارات أجرة، واليوم، وبعد أقلّ من عام أصبح عدد السيّارات المتوفرة في الخدمة يتعدّى العشر، ويغطي كل المناطق اللبنانيّة، وحاجات غالبية من يطلبن . وتسعى صاحبة المشروع إلى تطويره لتلبية الطلب الكثيف على  خدمات "بنات تاكسي" ، كما تدرس خططا وأفكارا جديدة لتحسين العمل وإزدهاره .

لكنها لا تنفي الصعوبات التي تعرّضت لها من قبل مؤسسات زميلة أخرى تقدّم خدمة مختلطة للنساء والرجال، حيث كانت السائقات يتعرّضن لمضايقات من بعض سائقي التاكسي الذكور الذين كانوا ينزعجون من وجودهن على الطرق، كما تعرّضت للعديد من المواقف اللا أخلاقيّة مهنيًّا إذ تعرضت لـ"سرقة" العديد من الأفكار التي إبتكرتها في العمل . "لكن للنجاح ثمنا" بحسب فخري .

وتضيف أن مؤسستها تسهم في تحسين وتطوير الوجه السياحي في لبنان، خصوصا إن كثيرات من الأجنبيّات يفضلن "التكسيات" النسائية على المختلطة، لأن الأجنبيّات يمتلكن فكرة عن المجتمعات الشرقيّة "المتّصفة بالكبت"، وبهذه الطريقة تؤمّن لهن الراحة والأمانة في تنقلاتهن.

كما ان العديد من الأهالي وجدوا راحة - كانوا يفتقدونها - من خلال تعاملهم مع "بنات تاكسي"، وتقول فخري أن الأهالي يقبلون على خدماتنا للتأمين على بناتهم خلال سهراتهن المسائيّة أو نشاطاتهن خلال النهار . وتشير إلى أن سعر خدمة النقل يعتبر تنافسيًّا في السوق، كما أنّها تقدّم في سيّاراتها خدمة الدفع عبر البطاقة المصرفيّة ومن خلال عدّاد، وهذه الخاصيّة متوافرة للمرّة الأولى في لبنان .

وتعتبر السيدّة نوال أن المشروع لقي رواجًا عربيًّا وعالميًّا، خاصة وأن العديد من الوسائل الإعلاميّة العالميّة تحدثت عن تجربتها الفريدة في الشرق، وتضيف أن لديها العديد من الحجوزات عبر الإنترنت لنساء أجنبيّات وخليجيّات، بهدف نقلهن من المطار عند وصولهن إلى لبنان . وتقول أنّها قدّمت صورة متمدّنة عن لبنان والمرأة اللبنانيّة، التي تثبت يوماً بعد يوم أنّها على قدم المساواة مع الرجل، وقادرة على منافسته ومجاراته في كلّ الميادين، دون التخلّي عن أناقتها وأنوثتها . وتقول أنّ العديد من الرجال شجّعوها وأيّدوا فكرتها ...

في السياق ، تقول المنظمات الأهليّة المختصة أن نحو ثلث نساء لبنان يتعرضن للعنف بأشكاله المعنويّة والجسديّة، إن كان خلال تنقلاتهن اليوميّة، أو خلال عملهن أو في منازلهن، وذلك بحسب التقديرات في ظل غياب الإحصاءات الرسميّة.  ومعظم النساء لا يملكن الجرأة للتبليغ عن حالات التحرّش الجنسي، بسبب نظرة المجتمع التي تحمّل المرأة غالباً مسؤولية ما يقع عليها من أذى في هذا الإطار.

 

ودأبت الجمعيات الحقوقيّة على وضع تعريف واضح وصريح للتحرّش الجنسي، وصنفته ضمن خانة السلوك غير المرّحب به، مثل الاتصال الجسدي والتعرض للفرد، وملاحظات الاختلاط الجنسي، وعرض المواد الإباحيّة والمطالب الجنسيّة سواء بالقول أو من خلال الفعل.

ومعظم السيدات اللواتي يلجأن إلى القضاء لرفع قضية ضد المتحرّشين لا يلبثن أن يتراجعن عنها، خصوصاً عندما لا يصل التحرّش إلى حد الإغتصاب، إذ لا يمكن إثبات الواقعة من دون دليل ملموس غالباً ما تفتقر إليه المدّعيات، خصوصاً أن التحرّش يحصل في غرف مغلقة، أو أماكن بعيدة عن أعين الناس، مما يجعل الشكوى تفتقد ركنها الأساسي وهو الدليل.

انطلاقاً مما تقدم، تغيب الإحصاءات الدقيقة عن ضحايا التحرّش، وإن كانت ضحايا الإغتصاب هن الأكثر إثارة للاهتمام، علماً أن التحرّش قد يتطوّر ليصبح اغتصاباً، في ظل عدم وجود قوانين جذريّة تعاقب المعتدّي، مما يساهم في إزدياد هذه الحالات والتعدّيات .

 

سائقات وراكبات

ساميا الأشقر، سائقة لدى "بنات تاكسي" تقول أنّ عملها في المؤسسة حقق لها ذاتها، فهي تجيد القيادة أفضل من الكثير من الرجال، وتجسّد هذه القدرة من خلال عملها. وتضيف أن عملها كسائقة تاكسي لم يعجب أولادها وزوجها في البداية، لكنّهم عادوا وتقبّلوا الفكرة عندما تأكّدوا انها مرتاحة في عملها. وتقول أن طبيعة عملها لم تشكّل لها إحراجًا، بل هي فخورة بما تقوم به.

وتروي ساميا أنها في عملها تتعرّض للعديد من المواقف الطريفة، مثلا ً بعض سائقي التاكسي الرجال "يكسرون عليها" على حدّ تعبيرها لإثارة خوفها وإرباكها في القيادة، لكنها لا تتأثر لأنها سائقة ماهرة، وغالب الأحيان تردّ لهم الصاع صاعين ... كما تضطر في أحيان كثيرة إلى السرعة أو سلوك طرق مختصرة هرباً من زحمة السير، أو حتّى قد تضطرّ إلى التسابق مع سيّارات أخرى، لإيصال زبائن مستعجلين في الوقت المناسب إلى وجهتهم.

 

جورج الهوا سائق تاكسي، يرى أن عمل المرأة كسائقة فكرة جيّدة ومفيدة فهي تستطيع أن تقدّم حلّ للعديد من النساء العاملات في الليل وللفتيات الساهرات، ويستطرد قائلا ً أنّه في حال إضطرت إحدى بناته لركوب تاكسي فهو يفضّل ركوبها في "بنات تاكسي". وعمل المرأة في هذا المجال لا يؤثر في عمله كرجل، على مايقول، إنّما يعكس صورة متحضّرة عن لبنان .

أما السائق إبرهيم سلهب فيرى أن مزاولة المرأة للقيادة يشكّل تعدّيا على عمله، ويقول أن النساء لا يجدن القيادة، ومعظم حوادث السير تقع بسببهن، كما يرى أنهن لن يستمررن في هذا المجال مدة طويلة ، لأن القيادة خلقت للرجل .

وتقول رنا الخوري (40 سنة) أن فكرة "تكسي البنات" جديدة وجميلة، لكنها لن تمنعها من ركوب السيّارات التي يقودها ويركبها الرجال، وإنّما قد تشجع شقيقتها وإبنتها على ذلك خوفاً عليهما.

في حين تقول رين كيروز (24 سنة) " لم أسمع بها من قبل، لكني متحمّسة لتجربتها خصوصا أنني أعمل لساعات متأخرة من الليل، لذا أراها وسيلة آمنة للتنقل". أما شادي العلم (26 سنة) فيرى أن المشروع يعكس صورة جميلة عن لبنان ونسائه، لكنه يرى فيه تمييزًا ضد الرجال .

تاكسي ... تاكسي ... الآن بات ممكنا، وبمجرد الطلب، أن تصل إلى السيّدة سيّارة زهريّة أنيقة وأنثويّة تنقلها وتؤمن لها الراحة والأمان، لتثبت المرأة اللبنانيّة يومًا بعد يوم قدرتها على منافسة الرجل أينما كان ، حتى في "عقر داره" .

 

 


في أخبار