قدراً من الدقة العلمية والاكاديمية وبعيداً عن الانفعال والاندفاع
أنني من المتابعين لنشاط الصديق الكتور عبد الخالق حسين وكتاباته حول الشأن العراقي والتي تنم عن مدى الالام التي تعتصره وتعتصرنا جميعاً بسبب ما عانى ويعاني منه ابناء جلدتنا جراء الممارسات العنفية وبطش حكامه السابقين او فلوله الآن اضافة الى ما يلحقه الغرباء من العرب وغير العرب بهم تارة بذريعة التطرف الديني او القومية المتطرفة. انني افهم ان المشاهد اليومية المفزعة من القتل والتدمير تدفع العراقيين جميعاً الى صب اللعنة على من يسبب كل تلك المآسي او من يشجعها من خارج الحدود وخاصة من قبل تلك الزمر الدينية الوحشية المتطرفة.
ان حجم المشاكل يتطلب من كل الحريصين الى مواجهة هذه الظاهرة سواء بالاجراءات والتدابير الامنية للاجهزة المختصة او بتدابير سياسية وفكرية وثقافية بما يؤدي الى هدم صرح العنف في المجتمع وفي عقول من غسلت ادمغتهم بهذا الداء. ولكننا وفي خلال معالجاتنا الفكرية ينبغي علينا الحذر وتوخي الدقة العلمية لكي لا يؤدي ذلك الا الى ابعاد هذا الداء عن النفس البشرية وليس العكس.
في المادة التي كتبها الصديق الدكتور عبد الخالق حسين حول "العرب وعقلية التدمير"، فإنني اخشى ان تؤدي هذه المقالة الى عكس ما يتوخاه الكاتب في تعرية ظاهرة العنف الخطيرة التي تعبث بمجتمعاتنا. ففي البحث يشير الدكتور الى ما يلي: "ويبدو ان النزعة العدوانية متوارثة في البلاد العربية عبر الاجيال منذ الجاهلية الاولى والى يومنا هذا حتى صارت جزءً مهماً من ثقافتنا الاجتماعية الموروثة، نعتز ونتغنى بها ليل ونهار على انغام الموسيقى..."، وهنا يشير الى كل العرب دون استثناء. ويشير الكاتب في تأكيد مقولته الى ابيات لعدد من الشعراء العرب التي تمجد العنف والقوة. وهنا لا بد لي من التوضيح ان في البشرية كلها وفي كل موجود انساني تعيش ظاهرتان متناقضتان هي العنف والتسامح ويكاد لا يخلو اي انسان من هذه الظاهرتان المتصارعتان على الدوام في النفس البشرية. بالطبع هناك تفاوت عند كل انسان فلدينا في المثال العراقي صدام حسين وامثاله في التاريخ العراقي ممن يغلب على نفسيتهم الدم والعنف وهو مرض كما اشار اليه الدكتور في بحثه. ولكن لدينا ايضاً رموز عملاقة في التسامح وحب الانسان من امثال الحاج جعفر ابو التمن ويوسف سلمان يوسف"فهد" وعبد الكريم قاسم وسعد جريو وجواد سليم وغائب طعمة فرمان وعبد الملك نوري وحسين الرحال وعبد الفتاح ابراهيم والشيخ الشاعر محمد رضا الشبيبي والشيخ عبد الكريم الماشطة والالاف من الخيرين من امثالهم. والقائمة تطول لو استعرضنا اعلام التنوير والحكمة في العالم العربي من امثال عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الافغاني وقاسم امين وسلامة موسى وطه حسين والالاف غيرهم في كل الاقطار العربية كالفليسوف اللبناني حسين مروة ومهدي عامل والعشرات من رجال التنوير في المغرب العربي. فمن غير الصحيح الايحاء الى تأليه العرب كل العرب للعنف سواء في سلوكهم او نتاجاتهم الادبية والفكرية. اننا نعرف من قرائتنا لتاريخنا ان هذه الظاهرة العنفية كانت وما زالت ميدان صراع بين تيارين شأننا في ذلك شأن كل شعوب العالم.
ان تمجيد ثقافة العنف لا يقتصر على لفيف من العرب وحدهم. فتمجيد العنف، وليس كله، من قبل بعض الادباء العرب على ممر التاريخ يأتي كرد فعل على العنف المسلط على رقابهم. فالجواهري الكبير لم يوجه شعره للحكام العتاة الا نتيجة لمعاناة شعب بكامله وتعرضه هو ايضاً لمحنة شخصية في فقدانه اعز اخ له وهو الشهيد جعفر الجواهري في وثبة كانون عام 1948. فماذا ننتظر من الجواهري القول؟ هلى يدلع القتلة والعتاة ام ماذا؟ ان العديد من مشاهير الادب العالمي قاموا بنفس الشئ عندما شعروا بالظلم والعنف المسلط على شعوبهم. لنأخذ على سبيل المثال الياذة هوميروس او "شاهنامة" شاعر الفرس الكبير فردوسي الذي عبر عن مشاعر الفرس عندما اجتاح العرب بلاد فارس اثناء الفتوحات الاسلامية. هذا ناهيك عن الادب والفن الحديثن. فماذا نقول عن مسرحيات شكسبير التي تنطوي على العنف والرعب ايضاً؟ والامر يكاد ينطبق على كل الادب العالمي من الصين الى امريكا. ويكاد الامر ينطبق على الثقافة الدينية لكل الاديان، حيث توجد فيها ثقافة التسامح ونقيضها ايضاً. فاذا قرأنا التقويم القديم لدى الديانة اليهودية لوجدنا الكثير من الدعوة للممارسات العنفية والتي يستند اليها بعض عاشقي العنف في اسرائيل الآن في ممارسة الاهوال ضد الفلسطينيين. ولم يتعض الكثير من انباع الدين المسيحي بمقولة المسيح "من ضربك علىخدك الايمن فاعطي له خدك الايسر"، حيث مارست الكنيسة في عهود محاكم التفتيش الويلات ضد العلماء ورجال التنوير فحرقوا كوبرنيكوس واذلوا غاليلو غاليلي وحرقوا جان دارك وجيشوا الجيوش في حروب صليبية غير عادلة في الشرق. كل ذلك جرى بمباركة من ادباء وفنانين حيث تنتج الى الآن افلام لتبجيل تلك الاحداث. ولا نذهب بعيداً في عمق التاريخ ولنأخذ مثال كمبوديا التي عرف اهلها بالوداعة ولكنها فرخت لنا بول بوت. ويقوم بعض الكتاب والفنانين في الغرب وفي الولايات المتحدة بانتاج افلام وقصص ومسرحيات لا تعثر فيها الا على اشلاء الضحايا الشبيهة باشلاء الاطفال الضحايا في تفجيرات حي العامل الاخيرة. لقد اضحت البرامج التلفزيونية التي يسيطر عليها المتطرفون في الغرب الى معاهد للعنف وتصدير الجريمة مما ادى الى شيوع حالات الاجرام بشكل يثير الدهشة في عدد من الدول الاوربية والولايات المتحدة. هذا الامر انعكس على سلوك البعض ممن قام بقتل العشرات من مرضاه في بريطانيا او حصد التلاميذ في مدارس الولايات المتحدة او ممارسات العصابات العنصرية في بلدان متقدمة. وبتقديري ان هذه الثقافة كانت هي الاخرى مصدراً للعنف في بلداننا ايضاً.
واشير في متابعتي لمقالة الدكتور عبد الخالق انه الى جانب وجود بعض الادباء العرب على مر التاريخ بتمجيد العنف والسيف والخنجر، الا ان هناك الكثير ايضاً من العرب ممن لا يمجدون العنف. ففي تراثنا الادبي والفكري الكثير والكثير من ادب التسامح وادب الحب والغزل والادب الانساني عموماً. ولذا ليس من الصحيح القول "اننا نراوح ثقافياً منذ العهد الجاهلي كما ورد في البحث"، والا اين نضع ذلك الازدهار الفكري في عهد المأمون حيث ترجم، كما يورد في المصادر التاريخية، اكثر من 200 الف مؤلف من مختلف بقاع العالم شرقها وغربها. وادت هذه الحركة الفكرية الى قيام حضارة نهل منها الغرب والشرق الى ان وقعنا في فخ التخلف والانهيار الحضاري بعد غزو المغول وتسلط العثمانيون على مقدرات شعوبنا. ومن الصعب قبول الفكرة الواردة في البحث والتي تقول "فقد ربطنا معاني الشرف والقيم والاخلاق والعقيدة وبناء الوطان بالعدوان والدم والمشانق والجماجم"!!، او القول "ادمن العرب على ثقافة الموت والعنف وكراهية الاخر"، وذلك بصيغة الجمع اي كل العرب. اذن اين نضع حالة التعايش السلمي بين الاقوام المختلفة في عهود من تاريخ الدولة العباسية؟ واين نضع اخوان الصفا والقرامطة والمعتزلة والكثير من الحركات العقلانية في تاريخنا ولحد الآن ومنهم من يستلهم من تراثها كالدكتور عبد الخالق حسين الذي يدعو الى نبذ العنف والعقلانية في مقالاته؟.
ان اعتماد الكاتب على بعض المعطيات والاستفتاءات التي التي تنشرها شبكات الانترنت او قنوات تلفزيونية لا تعني الحقيقة بكاملها. لننظر الى حال العراقيين الآن والذي يشير الى ان غالبية العراقيين يدينون العنف بكل اشكاله وتحت اية يافطة دينية كانت ام غير دينية. ان ابرز مثال على ذلك هو موقف غالبية العراقيين من جيش المهدي وتصرفات افراده ومن تصرفات المتطرفين وانصار النظام السابق سواء في الفوجة او سامراء او غيرها. فخلال بضع ساعات هرب انصار الارهاب الديني من سامراء وعاد اهالي سامراء الى حياتهم الاعتيادية. وينتظر اهالي الفلوجة نفس المصير ايضاً. اما بشأن اصدارات النشر والترجمة فلا يتحمله كل العرب بقدر ما تتحمله الانظمة واجهزة رقابتها. ان هذه الدول تطبع المؤلفات الكاملة لصدام حسين وبالحروف المذهبة والكتاب الاخضر للقذافي ومؤلفات طارئين على الفكر الديني في حين توجد مؤلفات تقدر بالالاف في ادراج اصحابها او في مخازن اجهزة الامن او حرقت وقتل مؤلفوها. ان نظرة سريعة على ذلك الكم الهائل من الكتب التي بيعت في العراق بعد الاطاحة بالحكم السابق وانتعاش دور النشر والصحافة لدليل على طاقة كامنة هائلة تنطلق من عقالها في اول فرصة سانحة وهذه لا تمجد ثقافة العنف. ونظرة اخرى الى نتاجات الكتاب والفنانين العراقيين خاصة بعد التاسع من نيسان تشير الى حجم ما يختزنه العراقيون في ادمغتهم من حلل الفكر والادب. والامر ينطبق على باقي الشعوب العربية ايضاً. ولهذا يصعب القول، كما ورد في المقال، ان الفكر العربي منحط. نعم ان فكر الفئات المتسلطة والتطرف الديني والقومي هو المنحط وليس كل الفكر العربي، وهناك ما ندينه ونبشعه ونخجل منه في تاريخنا في باب العنف والقتل والتدمير، ولكن ذلك قسم من تاريخنا وليس كل تاريخنا.
ان اكثر ما يثير التساؤل لدي في البحث هو ان يضع الدكتور عبد الخالق حسين الشيوعي العراقي في مصاف عبد الباري عطوان او يوسف القرضاوي؟ فاذا كان لدى الدكتور رأي في سعدي يوسف ومواقفه التي لا يستسيغها ولا يتفق معها الكثيرون من العراقيين ومنهم كاتب هذه السطور، ولكن لماذا هذا التحديد بشيوعية سعدي يوسف وهو البعيد عن الحزب الشيوعي العراقي في السياسة والممارسة. وما هو معنى الهجوم على الشيوعيين العراقيين بهذه الطريقة وهم الذين يتعرضون للهجوم وتفجير مقراتهم وقتل اعضاء الحزب على يد قوى العنف والتطرف في البلاد والافتراء من اوساط خارج الحدود؟ فالحزب الشيوعي العراقي كان الحزب الوحيد الذي احتضن الثقافة والمثقفين وحركة التنوير في العراق لعقود مديدة بل وتحول الى مدرسة في هذا المجال رغم القصور في ذلك. ربما لدى العديد من العراقيين والشيوعيون ومن ضمنهم كاتب هذه السطور ملاحظات او مآخذ على بعض ممارسات الحزب في بعض الفترات التاريخية، ولكن ذلك ينبغي ان لا يدفعنا الى ان نضع الضحية، وهو الحزب الشيوعي العراقي، في مصاف الزرقاوي والقرضاوي وعبد الباري عطوان. اقولها بصراحة ان احداً سواء من يخالف الحزب الشيوعي العراقي او يناصره او يقف على الحياد ازائه سوف لا يأخذ هذه الاقوال مأخذ الجد ولا يقتنع بها. ان وظيفة من يطالب بالديمقراطية والعلمانية ووحدة العراقيين ان يشد أزر الحزب الشيوعي العراقي ويقدم الملاحظات والانتقادات اليه فهو الحزب العراقي الوحيد الذي يضم كل العراقيين بغض النظر عن العرق والطائفة والدين. انه يشكل فسيساء عراقي فريد من نوعه في تاريخ بلدنا.
ان تعرض العراقيين الى المأساة الراهنة وخاصة ذلك التدخل الفض من قبل فئات متعصبة لا تريد تدمير العراق بل تريد تدمير كل بيوت المسلمين والعرب، اقول ان هذه المحنة يجب ان لا تفقدنا القدرة على التحليل الاكاديمي العلمي والتأني في الاحكام والابتعاد عن العدمية لكي نسهل على شعبنا الحبيب والمظلوم على التقاط ما يمكنه من عزم وقوة لتخطي هذا الكم الهائل من المصاعب والحرمانات.
[email protected]




التعليقات