في تلك الليلة التي احتضنت فيها المغرب نهائي بطولة أمم أفريقيا 2026، حيث كانت المواجهة بين منتخبي المغرب والسنغال، كنتُ حينها في مصر. المباراة تتجاوز فكرة اللعبة؛ اللقاء حالة شعورية كاملة. الأجواء استثنائية، صاخبة، نابضة بالحياة، كأن القلوب كلها تخفق بإيقاع واحد. جلستُ في المقهى، محاطة بأصوات الهتاف، بدخان القهوة، وبشاشات كبيرة تنقل حلم أمة كاملة.
أتابع المنتخب المغربي وكأنني جزء من الملعب نفسه. مع كل هجمة خطيرة، ومع كل فرصة تضيع، قلبي يقفز قبل جسدي. وحين ضاعت الأهداف، كنتُ أقفز من الكرسي بلا وعي، أصرخ، أتحسر، وأعيش اللحظة بكل ما فيها من توتر وأمل وانكسار مؤقت. لم أكن مجرد متفرجة، بل كنتُ مشجعة حتى النخاع.
على الطرف الآخر من المقهى، جلس رجل خليجي، هادئ على غير عادة المكان. لم يكن مهتمًا بالمباراة، لا بعينيه ولا بروحه. وكلما قفزتُ من مكاني أو علت صيحتي، كان يلتفت نحوي بنظرة استغراب، كأنه يسأل في صمت: ما الذي يدفع امرأةً لكل هذا الحماس؟
ابتسمتُ في داخلي. كم هو غريب هذا الاستغراب المتكرر. من قال إن الشغف حكرٌ على الرجال؟ من قال إن كرة القدم لا تسكن قلوب النساء؟ في تلك اللحظة، أدركتُ أن حماسي لم يكن دفاعًا عن فريق فقط، بل عن فكرة أعمق: أن المشاعر لا تُقاس بالجنس، وأن الانتماء لا يحتاج إلى إذن اجتماعي.
خرجتُ من المقهى بعد صافرة النهاية. لم يحقق المغرب اللقب، لكنني كنتُ منتصرة بشغفي، بصوتي، وبقفزاتي التي أعلنت، ولو بصمت، أن المرأة تحب كرة القدم... وربما تحبها بصدق لا يقل عن أي رجل، وربما أكثر.
في السعودية، لم يعد شغف النساء بالرياضة حالة استثنائية أو همسًا يُقال على استحياء، بل أصبح واقعًا واضحًا، نابضًا، ومعلنًا بثقة. كثيرات هنّ السعوديات اللواتي يعشقن الرياضة بكل أشكالها، من المدرجات إلى الحلبات، ومن الهواية إلى الاحتراف. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع مرحلة جديدة قادها ولي العهد المستنير محمد بن سلمان، حيث فُتحت الأبواب، واتسعت المساحات، وأُعيد تعريف دور المرأة في المجتمع، لا بوصفها متفرجة فقط، بل لاعبة، ومنافسة، وصانعة إنجاز.
دخلت المرأة السعودية عالم الرياضة بقوة لافتة، لا بخطوات مترددة، بل بقفزات واثقة. رأيناها في الملاعب، في صالات التدريب، على منصات التتويج، وفي أعينها ذلك البريق الذي لا يخطئه أحد: بريق الشغف والإصرار. لم تعد الرياضة ترفًا، بل أصبحت لغة تعبيرية، ومساحة لإثبات الذات، وجسرًا تعبر به النساء نحو أحلام طال انتظارها.
ولا يمكن في هذا السياق إلا أن نتوقف عند مشهدٍ لا يُنسى، حين صعدت الملاكمة السعودية هتان السيف إلى الحلبة. لم يكن نزالًا طويلًا، بل كان خاطفًا، حاسمًا، كأنه رسالة مكثفة للعالم كله. خلال ثوانٍ معدودة، انتهت المواجهة أمام زميلتها العربية، لكن الصدى ظلّ طويلًا. لم يكن الانتصار وحده هو ما شدّ الانتباه، بل كلماتها الصادقة بعد النزال، حين قالت بابتسامة واثقة:
«كنتُ أتمنى أن تطول لأستلذ أكثر في الملاكمة».
في تلك الجملة القصيرة، اختُصر الكثير. اختُصر عشق اللعبة، ومتعة التحدي، ولذة القوة المنضبطة. كانت كلمات امرأة لا ترى في الرياضة صراعًا فقط، بل شغفًا خالصًا، ومتعةً وجودية، ومساحةً تشعر فيها بكامل حضورها.
هكذا هي المرأة السعودية اليوم في الرياضة: لا تبحث عن تصفيق عابر، بل عن تجربة حقيقية، عن اختبار للقدرة، وعن لحظة تقول فيها لنفسها قبل الآخرين: أنا هنا، أقاتل، أفرح، أخسر وأنتصر، لأن الرياضة... جزء مني.























التعليقات