يرى ابني العالمَ بطريقةٍ مختلفةٍ تماماً عنّا. كلُّ شيءٍ عنده أكبرُ حجماً، أعلى صوتاً، وأكثرُ دهشة، كأنّ ما حوله لوحةٌ عملاقة تُرسَم بألوانٍ خياليّة. وعندما تظهر صورةُ الرئيس دونالد ترامب على شاشة التلفاز، لا يسأل عن السياسة أو الاقتصاد، بل عن الشخصيّة نفسها: ذلك الرجل الجالس على كرسيّ الرئاسة، والذي يبدو، في عينيه، قادراً على تغيير مجرى الأحداث بين ليلةٍ وضحاها.
في رأسِ ابني، ترامب ليس مجرّد رئيسٍ عاديّ، بل شخصيّة تجمع بين القوّة والغرابة، نصفُها إنسان، ونصفُها الآخر شيءٌ غير واضح، يجعل العالم كلَّه يتوقّف ليستمع. يرفع حاجبَيه ويسأل بفضولٍ صادق: «كيف يستطيع أن يجعل الناس في كلّ مكانٍ يسمعونه؟ وكيف يمكنه أن يغيّر العالم بهذا الشكل؟».
في الأسابيع الماضية، ازدادت أسئلة طفلي مع تصاعد الأخبار عن تطوّرات فنزويلا، وما رافقها من تقارير إعلاميّة وتحليلات متناقضة، وحديثٍ واسع عن ضغوطٍ دوليّة، وعقوبات، وسيناريوهات مفتوحة على احتمالات كثيرة. لم يفهم التفاصيل، لكنه التقط الإيقاع العام للخبر: شيءٌ كبير يحدث في مكانٍ بعيد، والعالم يراقب.
في مخيّلته، تتحوّل الأخبار إلى مشهدٍ سينمائيّ: ترامب يقف في ساحةٍ واسعة، يلوّح بيده كما لو كان ساحراً، وتتحرّك الشخصيّات من حوله كقطع شطرنج. يسألني ببراءة: «هل كان الرئيس هناك مختبئاً في قلعةٍ ضخمة؟».
أبتسم، وأدرك كم يشبه خيالُ الأطفالِ نشراتِ الأخبار حين تُختَزَل الوقائع في صورٍ سريعة. أشرح له أنّ ما يجري أعقد من القصص، وأنّ السياسة لا تُدار بالسحر، بل بالحسابات والمصالح، وأنّ ما يُنشر هو جزءٌ من صورةٍ أكبر.
ثم يمدّ إصبعَه على الخريطة، ويتوقّف عند إيران: «وهل هناك قلعةٌ أخرى؟».
سؤاله يأتي في وقتٍ تتناقل فيه وسائل الإعلام حديثاً عن توتراتٍ إقليميّة، وتحفّظات أميركيّة، واستعداداتٍ يُقال إنّها قد تغيّر ملامح المنطقة. أقول له إنّ العالم مليءٌ بالأماكن الكبيرة، وإنّ القرارات لا تُتَّخذ فجأة كما في القصص، بل بعد تفكيرٍ طويل، يشبه تخطيط الأبطال قبل الفصل الأخير من الحكاية.
في خياله، يمسح ترامب الخريطة بيده الكبيرة، يغيّر الألوان، ويجعل الجميع ينتظرون الحركة التالية بدهشة.
في عيون ابني، يبدو العالم وكأنّه لوحةٌ واحدة، يتحرّك فيها لاعبٌ رئيسيّ، بينما البقيّة تترقّب. يسألني: «وماذا عن الدول الأخرى؟ هل لها أدوار أيضاً؟».
أجيبه بأنّ لكلّ شخصٍ، ولكلّ دولةٍ، دورَها، وأنّ العالم لا يسير بإرادةٍ واحدة، حتى لو بدا كذلك على الشاشات.
يتخيّل البيتَ الأبيض أكبرَ من أيّ قصرٍ رآه في الرسوم المتحرّكة، وكلَّ مكتبٍ فيه غرفةَ تحكّمٍ بالكوكب. وترامب، في مخيّلته، لا يسير في الممرّات كرئيسٍ عاديّ، بل كقائدٍ لعالمٍ ضخم، يبتسم للأطفال الذين يتساءلون عن مصير الأرض.
أحياناً يسألني: «هل يشعر بالسعادة حين يرى العالم يتصرّف كما يريد؟».
سؤالُه يربكني أكثر ممّا يربكه. لأنّ الأطفال لا يسألون عن السلطة، بل عن أثرها. لا عن النفوذ، بل عن نتائجه. إنهم يخافون من العواقب قبل أن ينبهروا بالقوّة.
في مخيّلته، ترامب ليس زعيماً سياسياً فحسب، بل رمزٌ لقدرةٍ قد تُدهِش أو تُقلِق، قادرة على تبديل المشهد فجأة، كأنّ العالم فصلٌ مفتوح من روايةٍ لم يُكتَب ختامها بعد.
لكنّ الحقيقة، كما أحاول أن أشرح له، أنّ ما يحدث ليس لعبة. القرارات الكبرى تترك أثرها على حياة الناس، على الأُسَر، وعلى الاستقرار في بلدانٍ كثيرة. وما يتناقله الإعلام من تحليلاتٍ عن تغيّر قواعد اللعبة الدولية، أو عن ملامح نظامٍ عالميّ جديد، ليس مجرّد عناوين، بل مسارات طويلة ومعقّدة.
ومع ذلك، يظلّ خيالُ الطفل قادراً على رؤية ما نعجز نحن عن رؤيته: أنّ خلف الأرقام والخطابات بشراً، وخلف القرارات أطفالاً يتساءلون عمّا إذا كان أحدٌ يفكّر بهم.
قبل النوم، يقول لي ابني: «ربما كلّ هذا بدايةُ حكايةٍ جديدة».
أُطفئ الضوء، وأفكّر أنّ الأطفال يرون الحقيقة أحياناً أبسطَ وأكثرَ إنصافاً. فهم لا يربطون القوّة بالعنف، ولا السياسة بالخوف، بل بالأسئلة: لماذا؟ وكيف؟ ولأجل مَن؟
وعندما نعود إلى الحلم، نرسم معاً العالمَ كلوحةٍ كبيرة، فيها لكلّ شخصٍ، صغيراً كان أم كبيراً، دورُه في رسم التفاصيل.
وهنا، تماماً، تكمن حكمة هذه الحكاية.
























التعليقات