نشهد جميعاً خلال الأيام الماضية جهوداً حثيثةً ومتلاحقةً تقوم بها السعودية وقطر وسلطنة عُمان، والتي تؤكد أن التعاون والاعتدال هما خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة والعالم.

يأتي هذا كله في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع تصاعد مؤشرات التوتر واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة واسعة، برزت الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عُمان لتجنيب المنطقة حرباً مدمّرةً، بوصفها تحركاً سياسياً مسؤولاً يعكس عمق الرؤية الخليجية، ويؤكد المكانة المتقدمة التي تحظى بها هذه الدول على الساحتين الإقليمية والدولية.

لقد جاءت هذه المساعي في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات أي صراع جديد في منطقة تمثل أحد أهم مفاصل الأمن العالمي، سواء من حيث استقرار الطاقة أو سلامة الممرات البحرية أو توازن الاقتصاد الدولي، وهو ما جعل من التحرك الخليجي ضرورةً استراتيجيةً، لا مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة.

حيث تؤكد هذه الجهود أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ومعها قطر وسلطنة عُمان، تنتهج سياسةً ثابتةً قوامها الاعتدال والحكمة وتغليب الحوار على منطق التصعيد، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحروب لا تصنع استقراراً، وأن السلام المستدام هو الطريق الأقصر لحماية المصالح الوطنية والجماعية.

كما تعكس هذه التحركات ما تمتلكه هذه الدول من ثقل سياسي ودبلوماسي مؤثر، مكّنها من أداء دور فاعل في تقريب وجهات النظر وبناء مسارات تهدئة تحظى بقبول واحترام مختلف الأطراف، وهو ما عزز ثقة المجتمع الدولي بقدرة الدبلوماسية الخليجية على إدارة الأزمات بكفاءة ومسؤولية.

إن أهمية هذا الدور لا تنحصر في حماية الأمن الخليجي فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن العربي والأمن الدولي، فاستقرار هذه المنطقة ينعكس مباشرةً على أمن العالم، ويجنّبه أزمات اقتصاديةً وسياسيةً يصعب احتواؤها.

وفي هذا السياق، يبرز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي بوصفه ركيزةً أساسيةً للأمن الجماعي، وخياراً استراتيجياً لا غنى عنه في مواجهة التحديات المتسارعة، فالتنسيق السياسي وتكامل المواقف يضاعفان من القدرة على التأثير، ويمنحان المنطقة قوةً ناعمةً تحميها من الانزلاق نحو الفوضى.

واليوم، وبينما تُسجَّل هذه الجهود بوصفها خطوةً متقدمةً في مسار حفظ الاستقرار، فإن الرسالة الأهم تكمن في ضرورة المضي قدماً في هذا النهج، وتعزيز قنوات التعاون والتشاور، وتكريس الدبلوماسية كخيار دائم، لا كحل مؤقت عند الأزمات.

لقد أكدت المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عُمان أن السلام خيار استراتيجي لا تكتيكي، وأن حماية المنطقة مسؤولية مشتركة تتطلب تماسكاً واستمراريةً، لا تراجعاً أو تبايناً في المواقف.

وهي رسالة سياسية واضحة مفادها أن الخليج، بتوفيق الله، قادر متى ما توحدت كلمته على أن يكون صانع توازن، وحارس استقرار، وشريكاً فاعلاً في حماية أمن المنطقة والعالم.