على وقع الحداثة التي تعيد تشكيل المجتمعات وإنتاج آليات جديدة للعمل السياسي والمجتمعي أكثر مرونة ونجاعة، ظهرت في الأوساط الإسلامية المحافظة في لبنان، والتي تشكّل النسيج الاجتماعي الأكبر في الحواضر السنية، شخصيات وجمعيات قادرة على المواءمة بين مفاهيم وأدوات الحداثة والمناخ المحافظ، وانضوت ضمن مجموعات وتكتلات ناشئة متوثبة للعمل في الشأن العام، والتصدي لإشكاليات التمثيل وحالة التصحّر السياسي التي أوصلت إلى انكفاء سني جماعي غير مسبوق.

شرارة التغيير التي تولدت عام 2016، وأثمرت عن انتفاضة شعبية في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، خلخلت موازين السيبة السياسية، وأفضت إلى تحوّل عميق في قيم الصراع السياسي، ولا سيما عند السنة، فأتاحت لهذه المجموعات القدرة على الوصول إلى شرائح جماهيرية واسعة بخطاب يحاكي طموحاتهم التغييرية، ومراكمة رصيد لا يزال ينمو باضطراد.

بيد أن التكتلات الناشئة لا تحمل طروحات سياسية موحّدة بقدر ما تضم بين ثناياها توجهات إسلامية محافظة متباينة، تلتقي على حتمية التغيير، وتختلف على كيفيته ومآلاته، من ضمنها تيار الإسلام السياسي الأبرز الإخوان المسلمين. ومصطلح التيار يتجاوز الشكل التنظيمي الكلاسيكي ليشمل مدرسة لديها جمهور واسع لا ينتمي لقواعدها الناخبة ولا تلك التنظيمية، لكنه متأثر بخطابها وأفكارها، بما في ذلك نخب ذات تحصيل علمي رفيع وتجارب عملية مرموقة.

وعلى عكس الانطباع السائد في الأذهان حول هشاشة الإخوان المسلمين بسبب كثرة الانقسامات التي ما فتأت تضرب أركانه، فإن هذه الانقسامات، سواء كانت سياسية أو فقهية أو فكرية، تشكّل واحداً من أسرار استمراريته مع اقترابه من بلوغ قرن من تأسيسه، وتعبّر عن مرونة تنظيمية توظّف للالتفاف على التحولات وما تفرزه من معادلات وهياكل جديدة.

يتجلى ذلك في صراع الأجنحة ذات الولاءات الإقليمية المتناقضة، وتصدير الأشخاص والخريجين، وعملية إنتاج هياكل موازية نقابية واجتماعية واقتصادية مستقلة تحمل خطاباً إسلامياً محافظاً متفاوت درجات التركيز وبمسحة إخوانية ناعمة وخفية. ولا يقتصر الأمر على لبنان، بل يشمل غالبية الجغرافيا الإسلامية.

هذه الهياكل والشخصيات المنفردة، وخصوصاً تلك القادمة من اختصاصات حداثية الطابع، بدأت تظهر لمساتها بنمط متدرّج في الاستحقاقات الانتخابية النيابية والدينية وأخيراً البلدية. ويبرز تأثيرها في صياغة التحالفات واللوائح التي تشكّل فيها العصب الأساسي وقوة الدفع. لنكون بالتالي إزاء عملية ريبراندينغ تعيد تقديم الإسلام السياسي بنماذج حداثية NGO أكثر اتصالاً بالوجدان الجمعي السني، وبالأنماط الرائجة في عصرنا لممارسة السياسة، وكذلك الشأن العام بمختلف مجالاته. الأمر الذي مكّنها خلال السنوات القليلة الماضية من مزاحمة التيارات المعروفة والساسة التقليديين، حيث استطاعت استغلال الفراغ في الخطاب والتأثير السياسيين، ووهن آليات النظام السياسي ونخبه التقليدية، لخلق هوامش تنشط في محاولة توسيعها ضمن مساعيها الرامية إلى تأسيس مشهدية سياسية جديدة.

هذا الواقع تلقفته بعض الأطراف، ولا سيما الوافدين الجدد إلى عوالم السياسة، ضمن مساعيهم الرامية إلى استثمار حالة عدم اليقين السائدة لولوج حلبة السياسة كلاعبين أساسيين وفاعلين، محاولين تقديم أنفسهم كرعاة لتيارات إسلامية ذات هوية تمزج بين السمات الإسلامية المحافظة وقيم المدنية والحداثة، علّ ذلك يفسح أمامهم الطريق نحو كرسي الزعامة.

بيد أن ثمة إشكاليات تحيط بالنموذج الذي يقدّمونه، إذ إن هؤلاء ينتمون إلى طبقة الشبان الأثرياء التي أمست السمة المهيمنة على آليات التمثيل السياسي، وخصوصاً عند السنة، لكنهم يفتقرون إلى مشروع سياسي واضح، ولا يحملون أفكاراً صلبة يمكن البناء عليها، بما يجعلهم مجرد واجهة براقة لعملية ريبراندينغ تصب في نهاية المطاف في جراب الإخوان وتيارات الإسلام السياسي الراديكالية بعد إعادة التدوير. وبالتالي يغدون كمن يرتدي جلباباً سياسياً فخيماً وفضفاضاً، ظاهره حداثي بألوان تغييرية، وباطنه إسلامي مطرّز بعقد تقليدية يتداخل فيها النسيج المحافظ بالموديل الإخواني.

والحال أن عملية الريبراندينغ هذه أضحت راهناً حاجة ماسة وتحدياً وجودياً بالنسبة إلى تيارات الإسلام السياسي الكلاسيكية، سنية وشيعية، إخوانية أو ضمن فضائها، غداة التحولات الناجمة عن السابع من أكتوبر، وصيرورة هذه الجماعات خصماً عالمياً تعمل أميركا على شطبه من دنيا السياسة عبر رزمة من الأدوات، من الضغط العسكري والملاحقات الأمنية إلى العقوبات الاقتصادية ولوائح الإرهاب المقوضة لدورة الحياة الطبيعية. حزب الله جثا على ركبتيه وإن لم يرفع يديه كعلامة تسليم كامل بعد، حماس تتنازل تحت الضغط عن مفاتيح غزة ومعها القضية الفلسطينية وأقفال مخازن سلاحها، والجماعة الإسلامية، الفرع الإخواني اللبناني، صارت على لوائح الإرهاب، والعملية لا تزال مستمرة بلا هوادة.

في خضم هذا المناخ المحموم، يطغى الإرباك على ما تبقى من دوائر قرار في تيارات الإسلام السياسي الراديكالي، بالنظر إلى ما ينالها من ضغط هائل وانكسارات مريعة، بالتوازي مع عدم نضوج نماذج الريبراندينغ. وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وما قادت إليه من خفوت وهج السياسيين الكلاسيكيين، تمسي الشخصيات التي تلعب دور الواجهة لتغطية عملية إعادة التدوير أمام فرصة جدية لأن يصبحوا أقطاباً سياسيين يتصدرون هياكل هجينة إسلامية مدنية لم يسعها التبلور ضمن مشروع سياسي جماعي متين.