سؤال يتوارد إلى ذهن كل فلسطيني وعربي، بل وكل مواطن لأي دولة في العالم، والذي لم يعد يعرف ماذا يحدث، وكيف يحدث، ومتى يحدث. سؤال إجابته صعبة للغاية، وتكمن في تسارع الأحداث والأخبار المتواترة هنا وهناك، وخصوصاً من الجانب الأميركي وعلى لسان الرئيس ترامب نفسه، فما يقوله ينعكس إيجاباً وسلباً على معظم المتابعين وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية أيضاً. وهذا ما يثير الصدمة والدهشة لدى الجمهور، الذي لا يكاد يصدق ما يحدث وكيف يحدث، ولكنه يرى أن هناك مصداقية ما لما تتناقله وكالات الأنباء على لسان الرئيس ترامب، من حيث إنه مقرّر لما يحدث وبطريقته الخاصة، لذلك تميل الغالبية إلى تصديق كل ما يصدر عنه.

ومن جهة أخرى، نرى أن الأخبار الواردة من الجهات الرسمية المحلية في مختلف الدول، والتي تتميز بالضبابية نوعاً ما، وأعتقد أن هذا ما تتطلبه المرحلة الحالية التي لا يعرف فيها معظم السياسيين ماذا يجب أن يفعلوا أمام ما يقوم به الرئيس الأميركي، والذي لم يعهدوه من قبل، بل لم يقرؤوه في كتب السياسة التقليدية، ولا يوجد لدى معظم المفكرين أي فكرة عما يجب أن يقوموا به تجاه ما يحدث.

وهنا نرى التخبط الذي أصاب العالم في مواجهة هذه السياسة الجديدة من جهة، ونرى أن هناك رؤية متقدمة تتميز بها بعض القيادات على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وبلا شك أن القيادة الفلسطينية أحدها من جهة أخرى. فهؤلاء السياسيين الذين تعمقوا في شخصية ترامب، وأيضاً التغيرات والتحولات التي كانت تطرأ على الداخل الأميركي، استطاعوا، وربما يمكن القول إنهم تنبأوا بما سيحدث، وإن كان ليس بالشكل نفسه. وهؤلاء من وجهة نظري عباقرة، ولديهم قدرات خارقة تختلف عن قدرات الجمهور العادي وربما الكثيرين من الخبراء.

وبالنسبة إلى فلسطين، فأنا أجد أن الرئيس محمود عبّاس أحد هؤلاء، بل يأتي في مقدمتهم، وهذا ليس إطراءً بسبب طبيعة عملي، بل قناعة تولدت لدي منذ أن عملت معه عن قرب. ربما في البداية لم يكن لدي الدرجة الكافية من الوعي والحصافة لفهم ذلك، ولكن مع ابتعادي عن الدائرة الضيقة ورؤيتي للمشهد من الخارج، أدركت وفهمت أنه أحد أهم قادة العالم، بالرغم من صغر مساحة دولته ووقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي المجرم. وكذلك فإن أهميته تنبع من أهمية قضيته التي تعتبر قضية مركزية ومحورية للسلام والحرب في العالم بأسره، وهو الذي بلا شك رأى ما لم نره منذ أمد بعيد.

فقد كانت خطواته محسوبة بدقة متناهية منذ وصول بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل، حيث سارع لاعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 في عام 2012، والذي بموجبه حصلت فلسطين على صفة دولة مراقب بعد تغيير الصفة من كيان مراقب إلى دولة مراقب. وبذلك أصبحت فلسطين مؤهلة للانضمام إلى المعاهدات الدولية التي يكون الأمين العام للأمم المتحدة وديعاً عليها. وفي 17 كانون الأول (ديسمبر) 2012، أعلن رئيس المراسم في الأمم المتحدة أن تسمية دولة فلسطين ستُستخدم في جميع الوثائق الرسمية للأمم المتحدة. وأصبحت دولة فلسطين تتمتع بعضوية كاملة في أكثر من 80 منظمة ومؤتمر واتفاقية دولية، وما تبع ذلك من خطوات دبلوماسية مختلفة أدت إلى زيادة الاعترافات بدولة فلسطين ليصل إلى 160 دولة، بينها أربع دول من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بما في ذلك الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وخصوصاً ما قبل طوفان 7 تشرين الأول (أكتوبر) المشؤوم، فقد دعم شراكة كاملة مع المملكة الأردنية الهاشمية، وحصّن علاقته بمصر، وانخرط في حوار جاد وفاعل مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة قبل حدوث الطوفان تحسباً لما سيحدث، لأنه رآه قادماً. وأيضاً خلال فترة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل، وكذلك آثار الغباء المطلق لحركة حماس ومن يدور في فلكها في لجوئهم إلى محور ما يسمى بالمقاومة، والذي لم يأتِ إلا بالخراب لكل المنطقة، فقد تميزت تحركاته الدبلوماسية بالكثير من البراغماتية، وخصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة مع المملكة العربية السعودية ودعمه المطلق لقيادتها صاحبة الرؤية والقدرة على التعامل مع الرئيس ترامب.

وهنا أستطيع أن أقول إنه جنّبنا، وجنّب الشعب الفلسطيني، عبر ما قام به، الكثير من المطبات الاستراتيجية وربما الاندثار إذا لم أكن مبالغاً، وفي الوقت نفسه ثبت مكانة دولة فلسطين على الخارطة الدولية، بحيث أصبحت أمراً واقعاً وغير قابل للإلغاء.

ومما سبق، نرى أنه توجد نظرتان للأمور، هناك النظرة العامة التي ترى الأمور بعين من التشاؤم لما هو قادم، وأخرى أكثر واقعية تعتمد على عمل مسبق وتوقع صائب ورؤية ثاقبة. وأنا شخصياً أميل إلى الرؤية الثانية من موقع اطلاعي وتحليلي لما يحدث. فقد أصبح مستقبل العالم رهناً بانسيابية التغيير الحاد الذي يحدث، وكيف سيستقر، وما سينتجه من لاعبين جدد، ومن سيندثر من قادة وأنظمة، ومن سيبقى وبأي ثمن سيبقى.

أما بالنسبة إلى فلسطين، فلا شك في أن القادم أفضل، والدولة قاب قوسين أو أدنى، وذلك راجع للعمل المستمر الذي تقوم به القيادة، والذي سيؤتي أكله قريباً. في قادم الأيام ستتضح الرؤية بشكل أكبر، وسيدرك حينها الجميع أنه يجب علينا كفلسطينيين أن نثق بشكل أكبر في قيادتنا وحكمتها لقيادة سفينتنا إلى بر الأمان الذي سنصله في القريب العاجل، إن شاء الله.