ليس من السهل أن تكتب عن شاعر وأنت تعرف مسبقًا أن الكتابة عنه ستنزلق، شاءت أم أبت، إلى تخوم الشعر نفسه. فالشعر، كما قال بورخس، لا يُكتب كما نريد، بل كما نستطيع. وصادق الصائغ واحد من أولئك الشعراء الذين يجعلون القدرة نفسها موضع امتحان دائم.
حين نعود إلى الصائغ، لا نعود إلى اسمٍ فقط، بل إلى طبقة كاملة من الذاكرة العراقية، إلى بغداد وهي تتبدّل، تتألّم، وتصرّ على أن تكتب نفسها من جديد. وُلد الصائغ في بغداد عام 1964، لكن المدينة لم تكن مجرّد مكان ولادة، بل كانت مختبره الأوّل، ومرسمه، ومسرحه، وسينماه، وجرحه المفتوح.
لم يكن شاعرًا بالمفهوم الأحادي للكلمة. كان، وما زال، كائنًا فنيًّا متعدّد الجهات: يكتب الشعر، يرسم القصيدة، يخطّها، يناقش السينما بعين شاعر، ويكتب الصحافة بروح من يعرف أن الخبر بلا حساسية جمالية مجرّد ضجيج. درس الفقه والتاريخ والأدب العربي، لا ليقيم بينها جدرانًا، بل ليكسرها، ويجعل المعرفة فضاءً مفتوحًا للتداخل والتجريب.
منذ بداياته، كان مشدودًا إلى التجريب، إلى تلك المنطقة القلقة بين النثر والشعر، بين المشهد الدرامي والومضة، بين التفعيلة وهايكو، ومضة شعرية مكثّفة جدًّا، يلمع ثم يختفي. لم يكن منتميًا إلى جيل بالمعنى المدرسي، وإن جرى اسمه ضمن ما سُمّي بـ«شعرية الثمانينيات». كان أقرب إلى شاعر يسير بمحاذاة التيارات، يقترب منها حين يشاء، وينسحب حين تضيق عليه.
أسلوبه الشعري وليد هذا التداخل العميق بين الفنون. قصيدته لا تُبنى على الإيقاع وحده، بل على الصورة التشكيلية، وعلى الفراغ بقدر ما تُبنى على الكلمات. ينتقل بسلاسة بين التفعيلة وقصيدة النثر والهايكو والومضة، دون أن يبدو ذلك استعراضًا تقنيًّا، بل استجابة داخلية لتوتّر التجربة نفسها.
التناص عنده فعل حوار، والتوازي الاستهلالي ليس حيلة بل إيقاعًا داخليًّا يعكس إصراره على إعادة السؤال لا تثبيته. شعره يشبه بغداد: متكسّر، حيّ، عنيد، ويعرف كيف ينهض من رماده دون ادّعاء البطولة.
شعره لا يُقرأ بوصفه نصوصًا منفصلة، بل كسيرة داخلية. الموت حاضر فيه، لا بوصفه نهاية، بل كجار ثقيل الظل. الفقد، الرثاء، الأصدقاء الراحلون، بغداد التي تُصاب ولا تموت، كلّها تتحوّل في قصائده إلى صور دخانية، إلى نداءات هادئة في مدينة اعتادت الصراخ.
في قصائد مثل «الرغبة المستحيلة» و«نوم أبيض»، لا نقرأ رثاءً تقليديًّا، بل تمرّدًا على فكرة الموت نفسها، كأن الشاعر يفاوضه لا ليستسلم له، بل ليؤجّله قليلًا. وحين كتب «الآشوري وحيدًا في سفينة نوح»، لم يكن يرثي سركون بولص فقط، بل كان يرثي جيلًا كاملًا، لغةً كاملة، سفينة مثقلة بالناجين الذين لم يصلوا. التناص عند الصائغ ليس زينة ثقافية، بل فعل حياة، حوار مع الغائبين، واستدعاء لمن سبقوه إلى الظل.
في كتاباته الصحفية، لا يتخلّى عن كونه شاعرًا. المقال عنده ليس خبرًا مجرّدًا، بل مشهدًا مشحونًا بالدلالة، ولا هو رأي بارد، بل موقف جمالي وأخلاقي في آن. لغته الصحفية حادّة حين يلزم، لكنها لا تفقد حساسيتها، تشتبك مع الواقع العراقي بوصفه مادة حيّة، لا رقمًا ولا شعارًا. يكتب عن الثقافة كما لو كانت مسألة حياة أو موت، ويربط بين الأدب والمسرح والسينما والشارع، في نصوص تمتلك وضوح الصحافة وقلق الشعر معًا، ليغدو حضوره الإعلامي امتدادًا طبيعيًّا لشعره، لا قناعًا مختلفًا له.
وعندما كتب «هنا بغداد» لم يكن يستعيد عبارة إذاعية مألوفة فقط، بل كان يعيد بثّ نبض المدينة. «هنا بغداد» لم تكن إعلانًا عن مكان، بل عن بقاء. عن مدينة «سُحقت تحت الأقدام كما تُسحق ساعة معطّلة»، لكنها ما زالت تُصدر صوتًا، ولو كان خافتًا. القصيدة مرثية في ظاهرها، لكن في عمقها إصرار عنيد على الحياة، على أن الجريح إذا تنفّس، فهو لم يمت.
الصائغ، في كل ما كتب، بقي وفيًّا لما يحب، لا لما يريده. لم يلاحق الموضة، ولم يركض خلف الافتتان العابر. ظلّ الشعر عنده علاقة أخلاقية قبل أن يكون إنجازًا فنّيًّا. لذلك ظلّ أثره ممتدًّا، لا بضجيج، بل بحضور هادئ، عنيد، يشبه حضوره الشخصي.
ومن المهم أن أقول هنا إن هذه المقالة لم تُكتب على عجل، ولا بدافع المناسبة وحدها. كُتبتُها منذ أشهر، ضمن تهيّؤ لوضعها في كتاب قادم، بوصفها شهادة شخصية وجمالية على تجربة صادق الصائغ. لكن خبرًا واحدًا أعادها إلى الضوء قبل أوانها: رسالة من الدكتور كاظم المقدادي يُخبرني فيها بمرض الشاعر. عندها شعرت أن الصمت لم يعد لائقًا، وأن تأجيل النشر صار نوعًا من التقصير.
فالكتابة عن شاعر حيّ، وهو يمرّ بوعكة، ليست ترفًا ولا مجاملة، بل واجب أخلاقي. علينا، كشعراء وصحفيين، أن نكتب عن من منحوا حياتهم للكلمة وهم بيننا، لا أن نؤجّل الاعتراف إلى ما بعد الفقد. هذه المقالة، إذن، ليست رثاءً مبكّرًا، بل تحية مستحقّة، ووفاء متأخّر قليلًا، لكنه صادق.
اليوم، حين ننظر إلى تجربة صادق الصائغ، لا نراه شاعرًا فقط، بل جسرًا: بين أجيال، بين فنون، بين بغداد التي كانت وبغداد التي تصرّ على أن تكون. شاعر يرسم كلماته قبل أن ينطقها، ويكتب حياته كما لو كانت قصيدة مفتوحة، لا تريد أن تُغلق.
الكتابة عنه، في النهاية، ليست احتفاءً بشخص، بل محاولة للإنصات إلى ذلك الصوت الذي يقول، رغم كل شيء: هنا بغداد، وما زال الحرف حيًّا.
























التعليقات