العُقم الثقافي ليس فراغًا من الإنتاج، بل امتلاءٌ من اللاجدوى، إنَّه اللحظة التي تفقد فيها الكلمة قدرتها على الإخصاب، فتتحوَّل إلى تكرارٍ يلهث خلف نفسه، وتغدو المعرفة جسدًا بلا روح، تتحرَّك في دوائر مغلقة لا تلد سوى الضجيج. يولد العقم حين تُستبدل الدهشة بالاعتياد، وحين يُستبدل السؤال بالتصفيق، وحين يتوهَّم الناس أن الثقافة نغمةٌ تُطرَّز المجالس لا نارٌ تُضيء الوعي وتحرق الزيف في آنٍ واحد. عندها تُصاب اللغة بالكسل، وتفقد الذاكرة حرارتها، ويغدو الفكر تجميلًا للسطح بدل أن يكون حفرًا في العمق.

والعقم الثقافي لا يأتي من فراغ، بل من تراكمٍ بطيءٍ للسطحية، حتى تصبح التفاهة عادةً والعمق تهمةً، فتتراجع الفكرة أمام الشهرة، ويُستبدل الجوهر بالزخرف، وتتحوَّل الثقافة من منارةٍ إلى مرآةٍ لا تعكس سوى نفسها. إنَّه زمن الاستهلاك الرمزي، حيث تُتداول الأفكار كما تُتداول العملات، وتُستعار المفاهيم بلا فهمٍ ولا جذر، فتتكلَّس الأرواح في قشرةٍ من المصطلحات اللامعة، وتغيب القدرة على الصمت العميق الذي كان مولد الفكر، ويصير كلُّ شيءٍ كلامًا لا يسمع نفسه.

وحين تبلغ المجتمعات هذه الدرجة من التبلُّد، يصبح الفكر الحقيقي خطرًا، ويُعامَل المثقَّف كغريبٍ في فضاءٍ تآكل فيه المعنى، فتغدو الثقافة فعل نجاةٍ لا ترفًا، وصوت الوعي خفقةَ حياةٍ في جسدٍ يحتضر. ومع ذلك، فالمفارقة أن العقم الثقافي لا يموت به الوعي، بل يهيِّئ الأرض لولادةٍ مؤلمة؛ فحين يكتمل الانطفاء يولد السؤال من رماد اليقين، ويخرج الفكر من ضيق الأجوبة إلى سعة الحيرة، وعندها فقط تستعيد الكلمة حرارتها الأولى، وتدرك المجتمعات أن الثقافة ليست قولًا يُتداول بل نارًا تُوقَد كي لا يبرد الوجود.

فالعقم الثقافي لحظة الحساب بين الإنسان ومعناه، وإمَّا أن يُنجب وعيًا جديدًا، أو يدفن نفسه في مقبرة التكرار، ولولا الكتابة لأُصيب هذا العالم بالتوحُّد.