الانفصال وحركاته المختلفة في العالم المعاصر تقوم غالباً على مزيج من المظلوميات المحلية وشعارات الحقوق والهوية، مدعومة بتسلّح ترعاه دول أو كيانات أو جماعات تسعى لتوظيف هذه الحركات في صراع أوسع لا يكون الانفصاليون أنفسهم طرفه الأساسي. في معظم حالات الانفصال أو محاولات الانفصال نرى توجهاً واضحاً نحو إحدى القوى الكبرى أو أحد الأقطاب الدولية، بما يحوّل القضية من شأن داخلي إلى ورقة في لعبة النفوذ الإقليمي والدولي، كما نلحظ ذلك في نماذج أرض الصومال، والسودان، واليمن، وليبيا وسوريا.

عند التمعّن في سؤال من المستفيد من انفصال الكرد مثلاً، أو العلويين في سوريا، أو الدروز، يظهر أن المستفيد الفعلي – في الظروف الراهنة – هو الطرف الذي عمل على تدمير القدرات العسكرية للدولة السورية، ويريد سوريا ضعيفة مفككة لا تشكّل تهديداً لأمنه، بل تبقى تحت رحمة احتلاله لأجزاء من أراضيها بحجة حماية أمن مستوطناته وبلداته.

هذا المنطق نفسه يمكن إسقاطه على مسارات أخرى: من المستفيد من سعي أرض الصومال إلى التطبيع مع "إسرائيل" بلا شروط، ومن المستفيد من تقسيم اليمن بما يسمح لأجزاء منه أن تدخل في علاقات تطبيع تضمن دعماً أمريكياً عبر البوابة الإسرائيلية؟

طلبات التطبيع التي تنهال على "إسرائيل" من أطراف انفصالية في الشرق الأوسط وأفريقيا تكشف نمطاً واضحاً: تطبيع دون شروط حقيقية، مقابل أمل بالحصول على رضا "العم سام" بعد نيل رضا "الأخ الأصغر" في المنطقة. "إسرائيل" توظف هذا النمط وتغذّيه؛ إذ تدفع بعناصرها وشخصيات قريبة منها إلى الانفصاليين في كل مكان لإقناعهم بأن الطريق الأسرع إلى الاعتراف والحماية يمر عبر طلب المساعدة الإسرائيلية ومنحها امتيازات متنوعة: قواعد عسكرية، موانئ، مناجم، وثروات طبيعية من نفط وغاز ومعادن وألماس، بما يرسّخ نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي.

يُقدَّم لهؤلاء وعود بأن "إسرائيل" ستوفّر لهم غطاءً أمريكياً، وأن الدخول إلى البيت الأبيض لا يتم إلا عبر البوابة الإسرائيلية، فتجري الصفقات على هذا الأساس دون تعهّدات استثمارية أو التزامات حقيقية من جانب "إسرائيل"، سوى نقل الطلبات إلى واشنطن وتوظيف اللوبيات هناك. في المقابل، تحصل "إسرائيل" على موطئ قدم راسخ، كما حدث في جنوب السودان، وكما في نموذج صوماليلاند، وكاد أن يتحقق بشكل أوسع في اليمن، وتجري محاولات متكررة لاستعادته في السودان، بينما تتواتر الأحاديث عن مسارات مشابهة فيفي ليبيا وحتى سوريا لولا أن شخصيات أخرى، بدعم خليجي، نجحت طرق الأبواب الخلفية للبيت الأبيض والدخول اليه مع رشة عطر، دون تنسيق مع "إسرائيل"، وربما رغم إرادتها كما يتناقل المطلعون في أروقة صنع القرار الأمريكي.

في زمن الشعبوية اليمينية التي تغزو العالم، أصبحت فكرة الانفصال وتأسيس دول مستقلة أقلّ كلفة سياسياً ومعنوياً مما كانت عليه في السابق، فكل مجموعة أو فئة تشعر بالتهميش أو تحمل سردية مظلومية باتت تتخيّل أن بإمكانها الاستقلال عن الدولة الأم، وأن الطريق إلى ذلك يمر عبر نسق واحد: التواصل مع "إسرائيل" وأجهزتها المنتشرة في المنطقة، أملاً في اعتراف دولي سريع وحماية خارجية. هكذا يتحوّل التفكك الداخلي إلى فرصة ذهبية لمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية، ويصبح الانفصال، في كثير من هذه الحالات، أداة لخدمة استراتيجيات قوى خارجية أكثر مما هو استجابة فعلية لحقوق الشعوب أو تطلعاتها الحقيقية.

ما يجري في ايران اليوم من احتجاجات وتظاهرات ودعم خارجي تصريحا وربما عملا قد يؤدي لاسقاط نظام الملالي، لكن بدون تأمين القيادة البديلة الملائمة والمقبولة على الأغلبية، ستشهد ايران حالة فوضى ودعوات انفصال عبر بوابة اسرائيل وغيرها، ستؤدي بالضرورة لفوضى اكبر في الخليج والشرق الأوسط برمته.

بهذه الصورة، يتبدّى أن حركات الانفصال والتطبيع المرتبطة بها لم تعد مجرد تعبير عن نزاع داخلي أو هوية محلية، بل جزء من منظومة أوسع تُستخدم فيها المظلوميات المحلية وقضايا الحقوق كمدخل لتوسيع النفوذ وترسيخ الحضور الأمني والعسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط وأفريقيا، تحت غطاء حماية الأقليات تارة، ودعم حق تقرير المصير تارة أخرى، بينما يبقى الثمن الفعلي هو مزيد من التفكك والارتهان للخارج.