إعلان مجلس النواب العراقي وفتحه باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فتح الباب للعديد من الأشخاص، الذين وصل عددهم إلى 81 شخصًا لترشيح أنفسهم والتنافس لغرض الوصول إلى كرسي رئيس الجمهورية.
ومهما قيل ويُقال عن حقّ كلّ مواطن في الترشيح، أو أنّ هذه هي الديمقراطية التي تسمح لكلّ شخص أن يرشّح نفسه لأي منصب طالما كانت الشروط والمؤهّلات المطلوبة متوفّرة لديه، لكن لا بدّ من الاعتراف والإقرار بالحقيقة الواقعة والمعروفة، والتي ربما تكون مفاجئة أو صادمة وقاسية للبعض، وهي أنّ أي مرشّح لا يمكنه الوصول إلى أي منصب في العراق إلّا إذا مرّ عبر بوابة وموافقة الأحزاب والكتل السياسية التي أحكمت قبضتها وسيطرتها على النظام السياسي والإداري، بحيث تمّ إفراغ الديمقراطية من جوهرها ومعناها الحقيقي والحكيم، وهو مشاركة الشعب في الحكم وتولّي السلطات والمناصب بمن يختاره الشعب صاحب القرار الأوّل والأخير في اتّخاذ كلّ القرارات.
لكن الديمقراطية العراقية تمّ حصرها وحجزها في زاوية ضيّقة، وإذا ما تحرّكت فهي تدور في حلقة ودائرة مغلقة على من ترشّحه هذه الأحزاب أو من يرضون عنه، سواء كان الرضا بسبب أو بدون سبب، وليس مهمًّا أن يكون صاحب كفاءة أو نزاهة، بل المهمّ والأهمّ رضا الأحزاب والقرابة والنسب.
لقد أفرز الواقع السياسي في العراق، وبعد أكثر من 22 سنة من الحكم وخمس دورات برلمانية سابقة وهذه الدورة السادسة، واقعًا ديمقراطيًا مريضًا وعاجزًا ومشوّهًا، يستند على عكّاز وآليات عاجزة عن النهوض بنفسها أوّلًا، وحلّ المشكلات التي تعاني منها الأحزاب والكتل السياسية التي تشهد انشقاقات واختلافات فيما بينها إلى الحدّ الذي يضطرّها إلى إعادة تدوير ذات الأسماء أو أبنائهم أو إخوانهم أو أنسبائهم. وأصبحت الطبقة الحاكمة لا تستطيع تجديد نفسها بقدر ما تكرّر نفس الأشخاص، مع تكرار خطابها الانتخابي والإعلامي بالوعود والشعارات القائمة على أساس الشحن الطائفي والقومي والمناطقي. بل وصل الحال إلى أنّ المناصب الرئاسية والرئيسية قد تمّ نحتها وحصرها على عناوين محدّدة من المكوّنات والقوميات، ووصلت بعض الشخصيات إلى درجة من الضعف والسطحية بحيث يدعو ذلك إلى التساؤل بحرقة وألم:
هل عجز العراق عن ولادة شخصيات قيادية كفوءة مخلصة واعية للمسؤولية الملقاة على عاتقها؟
ويبقى في كلّ الأحوال ذات التقسيم والآلية، ويبقى الطريق إلى منصب رئيس الجمهورية وكلّ المناصب الرئاسية والوزارية والإدارية، إلى أدنى ما تصل إليه، محكومًا بالتنافس الشديد لأنّها غدت فوائد ومصالح ومغانم وتشريفًا وليست خدمةً عامةً وتكليفًا. ولهذا يعيش المواطن في وادٍ وحياة قاسية، وأصحاب المناصب والسياسيّون في عالم ووادٍ آخر وحياة أخرى غير حياة العراقيين.
ومهما كان عدد المرشّحين لمنصب رئيس الجمهورية كبيرًا، فإنّ قانون المحاصصة وتقاسم الغنائم والمناصب والتوافق السياسي بين الأحزاب والكتل السياسية، خارج وداخل مجلس النواب، أكبر من أي ديمقراطية أو انتخاب أو تصويت، ولن يفوز إلّا من اتّفقوا عليه، وهو الطريق الأقصر أمام المرشّحين للوصول إلى قصر السلام.
















التعليقات