نحن في الحق لا نريد أن نقدّم في مقالنا المتهافت هذا، صورة تزاوج بين الماضي والحاضر، ونستبطن في حناياها ما يخبّئه قابل الأيام بما أسفر عنه غابرها، ولكن نودّ أن نتحدّث عن مجهودات ذلك الجيل الذي نهض بهذا المشروع وأمدّه بأسباب البقاء، الجيل الذي بات إلى الآن ذكره طاغيًا، لأنه رفض أن تكون دولته تابعة أو مُذعِنة، وأن يكون شعبه الذي يسعى للانعتاق من السيطرة الاستعمارية، أن يظل عرضة للمذلة والمهانة. فتحرّك ذاك الجيل من موضعه كما تحرّكت الأجيال التي سبقته، وقامت على إزالة جميع العقبات التي تواجهها على نحو منظّم، حتى بلغت رغبة الشعب مبلغها من الاستقلال والتحرّر في الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1956م، حيث عملت تلك الكوكبة اللافتة للنظر، بشكل متزايد، لنشر كل ما تفضّل بريطانيا أن تبقيه سرًّا. فقد أفلحت تلك العصبة الحادبة على تفادي الغلو في تلك الخلافات السياسية المفرطة، في إقناع تلك الحركات السياسية القوية، التي كانت تعارض هذا الشكل من الاستقلال من حيث المبدأ.
فقد كانت هناك أحزاب سياسية تحاول أن تُغمض عينيها فلا يجد النوم سبيلًا إليها، لأن طيف الوحدة مع الشقيقة مصر العربية بعد وأمعن في الابتعاد، لأجل ذلك خرجت من صدرها نفثات، ومن عينيها عبرات، لأن خيار الوحدة كان يملك إطارًا سياسيًا مشتركًا، يتمتّع بدعم جماهيري واسع في أوساط القطاعات العاملة والنخب المتعلّمة في البلدين. ولعل من نافلة القول أن نزعم أن فكرة الاتحاد التي انحسرت عند أحزاب واسعة النطاق كحزب الأمة، تشكّلت أساسًا من أصحاب الطبقات الوسطى التي لم تحظَ بتعليم عالٍ يُبقيها على قيد الحياة ناعمة مترفة. فجمعية اللواء الأبيض التي أسّس نواتها الضابط علي عبد اللطيف مطلع العشرينيات، تشكّلت من مجموعات من الشماليين والجنوبيين، وكانت رؤيتها وحدة وادي النيل ضمن المملكة المصرية.
بالرغم من العنف السياسي الجديد الذي طرأ على الجنوب في أحداث مدينة توريت عام 1955، إلا أن تلك العصبة اقتربت في تحقيق ما تصبو إليه بالسياسة، بالرغم من ازدياد وتيرة العنف العام في جنوب السودان الذي تفاقمت الأوضاع فيه. ومما لا يندّ عن ذهن، أو يلتوي على خاطر، أن الجنوب الذي لم يكن في مأمن من النزاعات الدينية والعرقية، قد اندلعت فيه ظاهرة تاريخية غير مسبوقة، أطلت برأسها في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، أدّت، كما نعلم، لأن ينزلق السودان في حرب أهلية مستديمة، قادت في نهاية المطاف لأن تنشطر الدولة إلى شمال وجنوب عام 2011.
وقضية الجنوب التي كان لها من اللبس والتعقيد والشدة، بحيث نجم عنها إجراءات تكاد تكون مرتجلة من قبل الحكومات التي أعقبت حكومة فجر الانعتاق، التي أبصرنا فيها قطبي الاستقلال وهما يرفعان راية العلم عالية خفّاقة. فمحمد أحمد محجوب، والأزهري رفعا العلم سويّة، ولخّص محجوب ذلك في كتابه القيم الديمقراطية والميزان، ذلك الكتاب الذي امتاز بجودة السبك، وطلاوة البناء، وعمق التحليل. رأينا في ذلك السفر مضامين التعبير عن الوحدة بين رئيس الحكومة، الزعيم الأزهري، والمعارضة التي تمثّلت في شخص السياسي المحنّك محمد أحمد المحجوب.
أمَّا العسكري الذي حمل العلم وقدّمه لهما، والذي تشير بعض الكتابات إلى أن اسمه عبد الحميد قسم السيد تاج السر بخيت، ذلك العسكري الممشوق القوام، الذي حمل معه رمزية حضور المؤسسة العسكرية السياسي المقبل، رمزية حملت معها المنظومة العسكرية الشجاعة الكاملة لإجهاض كل الدسائس والمؤامرات التي تسعى لتفتيت وحدة الدولة السودانية التي ارتاحت إليها قوى الهيمنة والإمبريالية.














التعليقات