سوريا، الهروب الى الماضي، من الاستحقاقات القادمة

الصورة:
عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري يتهيأ لمعانقة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط على درج المستشفى الذي يرقد فيه الوزير السابق والنائب الدرزي مروان حمادة اثرعملية الاغتيال التي تعرض لها، ابتسامة خدام تشي بالسؤال ما اذا كانت الرسالة وصلت الى وليد بك؟ خدام تعوّد أن يقول في كل استقبال لوليد جنبلاط في مقره الدمشقي الله يرحمو والدك كان جالس على الكرسي الذي تجلس عليه الآن بساعات قبل اغتياله. فيفهم وليد جنبلاط بأن الرسالة السورية واضحة. هذه المرة يبدو أن وليد كمال جنبلاط ومعه المعارضة الديمقراطية اللبنانية، بمن فيهم الصرح البطريركي،لا تريد أن تقرأ الرسالة التي امحى حبرها على ما يبدو، فاستدعى الأمر تدخل الرئيس السوري بالعيار الثقيل والمشرمحي، ليفهم الجميع أن لا شيء تغير منذ العام 1976، في خطابه أمام ماسمّي بمؤتمر المغتربين الذين اكتشفتهم مؤخرا سوريا، بعد قرن وأكثر من الزمان على تاريخ الاغتراب السوري اللبناني.
الشهادة:
.......وهكذا، فأن لبنان لم يعد سوى ورقة الرهان السورية الرئيسية من أجل استعادة مرتفعات الجولان. غير أن الأمريكيين ـ والاسرائيليين بوجه خاص ـ لعبوا بمهارة فائقة مراهنين على مطامح سوريا وعلى طابع دبلوماسيتها النفعي المعقد الغامض والعنيد، بغرض زجها في طريق التدخل وفي التردي في المستنقع وفقا للتعبير الممتاز الذي أطلقه الوزير السوري خدام.
ومن جهة اخرى، فأن دمشق كانت تخشى من عدوى الديموقراطية السياسية المحتملة في لبنان. فالدولة التي تجمع بين الديمقراطية والتقدمية هي هاجس جميع حكومات أنظمة القسر والاكراه...ذلك أن لكلمة الحق دويا كانفجار القنبلة الموقوتة. كانت الصحافة اللبنانية مرهوبة الجانب،اضافة الى ذلك، تعمد السوريون اظهار نوع من العداء لقيام الاشتراكية في لبنان محقرين الشيوعيين ألد أعداء السعوديين... فكانت سوريا تعزو الينا مقاصد ونوايا بالغة الطموح لكن هدفنا لم يكن سوى حماية الثورة الفلسطينية..واقامة نظام أكثر عدلا في لبنان.
ولا ننسى ـ من الجهة الأخرىـ ذلك النوع من الجشع الدمشقي الذي كان يثير الكثير من الحسد حيال أولئك اللبنانيين الذين يتمتعون بموهبة الاثراء.فمثل هذه العقدة تفسر كيف أن كثيرا من الأشياء نهبت من بيروت لترسل الى دمشق عبر الصاعقة وشركاها. ولا بد من الاعتراف، بأن الكثير من البيوتات البيروتية كانت بمثابة متاحف حقيقية تتراكم فيها المقاعد من طراز لويس الرابع عشر والمناضد من طراز لويس الخامس عشر والسجاد الفارسي أو الأناضولي وغير ذلك من التحف الهندية واليابانية.فاللبنانيون يحبون حياة الرخاء والسعة.
كمال جنبلاط ـ وصيتي ـ تحقيق فيليب لا بوستيرل.

منذ اليوم الأول لتدخله في لبنان،أقام النظام السوري موازينه الخاصة على أساس الحسابات الاقليمية بالبراعة البراغماتية التي امتاز بها الرئيس حافظ الأسد. تنقلت البندقية السورية على أكثر من كتف، موارنة جبهة الكفورالكتائب والنمور الشمعونية، والرهبانية المارونية، ومن ثم موارنة الشمال زعامة آل فرنجية،وأخيرا اليسار الفلسطيني واللبناني اثر القبضة الحديدية على أتباع جبهة الرفض وتطويع القرار العربي.لكن الثابت أن البكاء على المسيحيين وحماية لبنان من التدخل الاسرائيلي و حقن الدماء، ووحدة لبنان وسيادته وأراضيه، فهي لم تشغل يوما حيزا في تفكير النظام السوري بدلالة القوى التي اعتمد عليها في لبنان والتي صنعها على مقاسه والتهميش الذي مارسه بحق القوى الوطنية الفاعلة والمؤثرة ولحجم الدمار والفوضى التي زرعها في لبنان الدولة والمؤسسة المجتمعية.
يداي طليقتان، صرخة الانتصار هذه أطلقها الرجل صاحب القرار حافظ الأسد ليفهم ـ بضم الياء ـ الذي لا يفهم أن القوى الدولية والاقليمية موافقة على الدور الذي أنيط بسوريا في الأزمة اللبنانية وهو يتجاوز لبنان الى التحضيرات التي كانت تجري لمؤتمر جنيف بالسياسة التي كان كيسنجر يخطط لمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي.
وما أن اجتاز السوريون الحدود الدولية حتى بدأ العمل بموجب وصية ميكافيللي نسيان أهل البلد المحتل كيف كانت عيشتهم السابقة قبل احتلال الأمير، فتابعوا ما أشاعه حليفهم أمير الصاعقة زهير محسن من نهب الأموال والممتلكات والأمن والأمان بالخطف وتجارة الرهائن.
قضموا الأرض، مزارع وبلدات والدارات الجميلة. أخذوا الأبواب والشبابيك ونهبوا السجاد وأجهزة التليفونات، يوم لم يكن التلفون قد دخل الا قلة من البيوت السورية وفكوا الحنفيات وضبوا المزهريات وقلعوا البلاط ـ الرخام وغيره ـ طالما هو من لبنان. أخذوا الأرواح والكراسي وأقفاص الطيور والطاولات وأباريز السلالم الخارجية، بالجملة والمفرق أما الجملة فظل مستورا والمفرق كان سليم اللوزي ويده المهروسة في مفرمة اللحم، ورياض طه، وكمال جنبلاط، الشبح الذي ظل يلاحقهم، أخذوا الحريات العامة أما الخاصة، النشر والصحافة واستقلالية الأحزاب والفنتازيا التي امتاز بها الساسة اللبنانيون فقد أصبحت من ذكريات الأيام.

أخذوا من لبنان طوائفه بما كانت وأعادوها اليه ماركة مسجلة بأرقام نمرية خاصة لا تصرف الا لدى المندوب السامي.
لبنان التوازن الطائفي عاد في صيغة لبنان الطوائف المختلة. أخذوا من لبنان وأحزابه، العلمانية وأعطوه من لدنهم مسوخا طائفية بصيغة من ساواك بنفسه ما ظلمك.
أخذوا منه زعرنات قبضاياته وأعطوه زعرنات الردع وسرايا الحمر وتدخلات أجهزتهم الأمنية في سياسات الأحزاب بل في عقائدها، وفي مصائر الناس وفي اعادة صياغة الأمزجة بالمقياس السوري لينسى اللبنانيون لبنانهم ولبنانيتهم ودولتهم،و اسوة بسوريا الشقيقة تم الغاء الدولة لصالح السلطة، كما أعادوا انتاج مؤسسة الجيش اللبناني في كلية حمص العسكرية فغدت أشد قمعا من تلك السورية وأكثر تبعية منها لدمشق.
أخذوا منه الوطن كما من السوريين أسكتوا الأصوات الصادقة وهمشوا القيادات الفاعلة بالعزل والتغييب واستبدلوهم بالقيادات الزحفطونية.
فلم تبق للبنان الا المغتربات التي أوفدوا لها السيدة الوزيرة بدون وزارة الدكتورة بثينة شعبان لتسطوا عليها حيث حلت بصبيانية تثير استهجان المغتربين والهاربين للانتقائية السلطوية التي تمارسها عليهم، بمن فيهم أولئك البسطاء من المهاجرين الجدد المؤطرين في الروابط والجمعيات التي شكلها السفير السابق سليمان حداد لربط فعالياتهم بالدولة السورية ومؤسساتها لصالح قصر الرئاسة أيام حافظ الأسد.
تستجدي السيدة الوزيرة المدللة، رموز المال في المهاجر صانعي الثروات السريعة والسهلة حسنة من مال الاستيراد بقوانين الاستثناء وتستجدي رضا أمريكا وأسرائيل في تصاريحها الصحفية الممجوجة والمستخفة بعقول الناس.
والأنكى أن الوزيرة ورئيسها استبدلوا مؤخرا الشعبين اللبناني والسوري ببضع مئات من السماسرة في الدول الأوربية في صيغة مغتربين،من الشركاء الضمنيين لرؤوس مافيات الفساد والنهب السريع المحلية والاقليمية واليوم يشاركونهم وعلى رؤوس الأشهاد في اعادة صياغة القوانين والحياة العامة للبلاد، ونقصد سوريا ولبنان والا فما معنى أن يخصص الرئيس جل خطابه للبنان والباقي لملحمة الاصلاح الاداري والتموين المالي للسلطة السورية؟ بالشكل الذي تستقيم ومصالح هؤلاءالسماسرة موردي الوكالات التجارية تحت شعار الاصلاح والتطوير.

... يبلغ عدد المغتربين السوريين ـ ألغينا اللبناني ـ نحو 15 مليونا بينهم خمسة ملايين في البرازيل و1.5 مليون في الارجنتين، علماً أن عدد سكان سورية يبلغ نحو 18 مليونا. وجرى تمثيل المغتربين عبر القناصل الفخريين ورؤوساء الروابط والسفراء السوريين في دول الاغتراب.
وكانت شعبان جالت منذ تسلمها حقيبة المغتربين في ايلول (سبتمبر) العام الماضي على الجاليات السورية في اميركا اللاتينية وأوروبا تمهيداً لهذا المؤتمر الذي سيؤدي الى انتخاب مجلس عام لهم، على ان تكون الخطوة التالية عقد مؤتمر للسياسيين الأجانب من اصول سورية..
ـ وكالة الأنباء السورية ـ
... وخرج المشاركون في ندوة "التطوير والتحديث المؤسساتي" بعدد من المقترحات من بينها "وضع خطة شاملة للاصلاح نتيجة تشخيص موضوعي تعكس اهداف الاصلاح والخطة التنموية وتكون مرجعا لعمليات الاصلاح، واستحداث هيئة مستقلة لادارة الاصلاح ومراقبة التنفيذ"، مع الدعوة الى "وضع آلية لمساهمة المغتربين في مركز دعم القرار في رئاسة مجلس الوزراء". ـ سانا ـ

ألغى النظام وزيرة، ورئيسا الشعب اللبناني اسوة بالسوري من حق المواطنة بعدما جردوهما من مؤسسات المجتمع المدني وآليات النظم الاجتماعية الطبيعية، من حق أن يتمثل بحرية في من يمثله في الندوة النيابية الأعرق في البلاد العربية، وفي أن يفكر البعض ممن لا زال يصر بعناد على التفكير باستقلالية عن الوالي والمندوب السامي، فيما يرى أنه في مصلحة شعبه ووطنه. كما جردوا البطريرك الماروني من حق تمثيل طائفته والدفاع عن رعيته، كما حولوا رئيس دار الافتاء الى مدعي عام الأمن العام. مستكثرين على الأحزاب اللبنانية حق الاهتمام بالهم الوطني العام الا ما ترتئيه سياسات دمشق وأوامر جهاز استخباراتها العاملة في لبنان، ويكفي دلالة، أن رئيس الحكومة اللبنانية يمضي أوقاتا في دمشق وعنجر أكثر منها في بيروت.كما تم حصر حق ومجد المقاومة بطائفة محددة وجماعة محددة كانت أصلا غائبة يوم أخرج القوميون السوريون كواتم الصوت في مقهى الويمبي ويوم صعد الشيوعيون الى الجبال يترصدون العدو الاسرائيلي في حركته الانسحابية من بيروت وضواحيها ويكفي أن جلّ الأسرى الذين عادوا مؤخرا،كانت حصة الأحزاب العلمانية والشيوعية الأكثرية المطلقة. جرّدوا القوى الوطنية من تاريخها وعقيدتها، كما جردوا السوريين من حق ابداء الرأي في شكل الخازوق الذي تنجره لهم دولتهم مثلما ألغوا حق المواطنة والمساواة عن 2،5 مليون كردي سوري
.
المهزلة:
منذ أربع سنوات تراكض المهتمون بالشأن العام في سورية من خلف سراب اصلاحات الرئيس الشاب بشار الأسد فاذا به ووزيرته يستوردون له بضاعة اغترابية لتدرس شأنهم الخاص في ضوء مصالح المغتربين. تراكضوا قوى معارضية وقوىموالاتية ومثقفين من كل الأنواع ال 99 بالمئة والألف وتواقيع المليون وأهل حقوق الانسان في تلاوينه ودكاكينه تراكضوا من خلف ملهاة خطاب القسم والاصلاح والتصليح والتطوير، لهثوا وخرجت ألسنتهم يجرونها خلفهم ولم يلتفت أحد اليهم والمضحك المبكي أن يستكثر عليهم رئيسهم الشاب حق القول وابداء الرأي لأنهم يفتقدون الخبرة والتجربة.

يأخذ النظام السوري علىالوطنيين اللبنانيين بلسان رئيسه في مؤتمر المغتربين ـ السوريين ـ يخصص فيهم الدروز تحديدا بأنهم في سنة 1982 رشوا الرزعلى القوات الاسرائيلية أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان، وبأنهم كانوا يرومون ذبح المسيحيين ـ غامزا من قناة وليد جنبلاط بارث والده كمال جنبلاط ـ وهم نصف المجتمع اللبناني ـ مستعيرا القول من مخزون والده حافظ الأسد الخطابي ـ وبأن سورية ذهبت الى لبنان لانقاذ المسيحيين وأنقذتهم في حين يعرض بأمريكا وفرنسا حيث لم تفعلا للمسيحيين شيئا حين يقول بالحرف:
..... يحق لنا ان نتساءل أين كان كل هذا الحرص في بدايات الحرب الاهلية عندما دخلت سورية في عام 1976 لإنقاذ المسيحيين اللبنانيين في ذلك الوقت الذين كانوا يذبحون، وكانت المذبحة أو المجزرة على وشك ان تنتهي خلال اسبوعين باسم إصلاح النظام السياسي والعدالة والاشتراكية والتقدمية، أين كانوا في ذلك الوقت ? تخيلوا كيف كان إصلاح النظام السياسي يتطلب ذبح نصف المجتمع، فلو أرادوا ان يصلحوا كل المجتمع من يبقى من المجتمع، لن يبقى احد، سيكون اصلاحا من دون شعب في ذلك الوقت، وفي ذلك الوقت طلب من الرئيس حافظ الأسد ان يؤجل دخوله، أو ان يؤخر استكمال دخول القوات السورية الى لبنان لمدة اسبوعين فقط كي تتم المهمة وطبعا رفض، أقول طلب منه، باللغة العربية أقول طلب فعل مبني للمجهول لفاعل مجهول، أما في اللغة الدبلوماسية فهي لفاعل معلوم.‏
ايضا نمر على أزمات اخرى أين كانوا في عام 1982 خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان عندما كان الآلاف من اللبنانيين يقتلون والفلسطينيون كذلك.‏ خسرت سورية في ذلك الوقت خلال اسابيع قليلة الآلاف من الشهداء في اسابيع وليس في اشهر.‏ كانوا ربما يستنكرون من البعيد و البعض من الاخوة اللبنانيين من نمور اليوم كان يرش الرز على الاسرائيليين، أين كانوا فترة الاحتلال الاسرائيلي من عام 1987 حتى انسحاب اسرائيل من معظم الاراضي اللبنانية في عام،2000 لم يكونوا موجودين، فجأة ظهر الحرص على لبنان، وعلى استقلاليته وعلى الديمقراطية وعلى كل شي آخر.
كعادتها تلجأ السلطة السورية الى سلاح الابتزاز باشاعة أجواء الحرب الأهلية التي عفا عليها الزمان باثارة الأحقاد القديمة وزرع الفتنة باشعال حرائق من الرسالة التي استهدفت النائب مروان حمادة.
لو رجع الرئيس بشار الأسد الى وثائق قسم السينما في ادارة التوجيه المعنوي للجيش السوري لرأى كيف أن والده يشرح لضباطه في عنجر فلسفة الأمير لمكيافيلي في آليات الواجب على الأمير اتخاذها للاحتفاظ بدولة احتلها ليمنع عنها وسائط التمرد والانتفاض على ديمومة حكمه، كما وأنه يجهل أن جيوش والده لم تدخل لبنان لانقاذ المسيحيين اذ أن غالبية الجسد المسيحي كانت تقف في الجانب الوطني في مواجهة الانعزالية الكتائبية والفاشية الرهبانية اذ أن الحزبين الرئيسيين في الحركة الوطنية الشيوعي والقومي السوري الاجتماعي كانا يحشدان حشدهما في الوسط المسيحي مناطقيا وتاريخيا ومعهم الأرمن والأرثوذكس. وحسب تعبير كمال جنبلاط آنذاك لحافظ الأسد: القضية ليست قضية المعسكر المسيحي. ولا تنسى يا سيادة الرئيس أن الروم الأرثذوكس والأرمن وثلاثة أرباع الروم الكاثوليك وثلث الموارنة أنفسهم يعادون موقف متطرفي المارونية الانعزالية. وهؤلاء يربون على ثلثي المسيحيين في لبنان ولا بد من تخليصهم من النير الفاشي وجميعهم لا يزيد عن 25 بالمئة من عدد المسيحيين فأجابني بصورة قاطعة،حتى لو كان الأمر كذلك فلن أسمح لك بقتال الانعزاليين ولا أريد لهم أن يشعروا بشعور المهزوم. ـ وصيتي لكمال جنبلاط ـ

سنة 1976 دخلت القوات السورية لبنان بالنيابة عن أمريكا واسرائيل لتفك الضغط عن الانعزاليين الكتائبيين وتسرع بمجزرة تل الزعتر وتقصم ظهر الحركة الوطنية اللبنانية يوم كانت أحزابها تمتلك برنامجا وطنيا حقيقيا للاصلاح السياسي والاجتماعي ـ قبل أن تحولها الهيمنة السورية الى أتباع رخيصين بالترغيب والترهيب والالغاء ـ وتقف رديفة للعمل الوطني الفلسطيني الذي كان مستهدفا بالهيمنة السورية لحجز قراره المستقل.و ما ابلغ دلالة المكالمة الهاتفية بين اسحق رابين وكيسينجرالذي ردّ على استفسار رابين عن لعبة الرضا الأمريكي عن التدخل السوري في لبنان: انك اذا لا تعلم ما يجري. دع الأمور تسير. فاكتفى الاسرائيليون بالخط الأحمر الدي حددوه بجنوب الليطاني.
يفقأ الرئيس السوري الحصرم في عين الدروز والصرح البطريركي، عن الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982، وهو لا يعرف كم رمى خدام وحكمت الشهابي عشية هذا الاجتياح قادة الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيين بالجبن والتهويل عن عدوان اسرائيلي يحذر منه كل العالم. ويوم اجتاحت جيوش شارون الحدود الدولية كانت السلطة السوري تحجز على أطنان من الذخيرة والأسلحة الفلسطينية اللبنانية في ميناء اللاذقية ومستودعات الجيش السوري، كما منعوا قوات جيش التحرير الفلسطيني في البقاع من المشاركة في الدفاع عن أهلها ومخيماتها تاركين، مع باقي الحكام العرب ـ بيروت الوطنية لجلجلتها، هي والمخيمات التي قاومت باللحم الحي والأسلحة التقليدية، أما دبابات T72 والصوارخ المتطورة، فلقد دمرت في الجبال والبقاع دون مواجهة لا يندى لها الجبين. ويأتي الابن اليوم يسأل أين كان الآخرون وأية أرقام وهمية أدخلوها في رأسه بالآلاف عن قتلى الجيش السوري من ملف التعويضات التي طالب بها حافظ الأسد العرب في قمة رباط بالمغرب منافسا ياسر عرفات على الاحتضان الذي أراد بها الحكام العرب غسل عار التخلي عن اللبنانيين والفلسطينيين ثلاثة أشهر يقاومون ببطولة الجيش الاسرائيلي الذي أذل العرب في جميع حروبهم.
يتناسى الرئيس السوري كيف أن قوات والده أخلت الجبال والوديان منسحبة أمام جيوش شارون مخلفة الأسلحة الثقيلة والخفيفة وجثث مرمية على الطرقات أعادت الى الأذهان الانسحاب المذل في هزيمة 1967 واسقاط القنيطرة قبل سقوطها، كما ويتناسى أوهولا يعرف أصلا أن كتيبة من جيشه تلك التي كانت مخصصة لاذلال بيروت نسيت في الرملة البيضاء ـ بالفعل المبني للمجهول لكن هنا الفاعل معروف ـ، بدون تموين داخل الحصار ولولا عرفات الذي بادر بشهامة الى صرف مخصصات فدائية للكتيبة وقائدها،أسوة بضباطه ومقاتليه، عارضا عليهم شرف الدفاع عن الطريق الساحلي ببضع الدبابات التي كانت في حوزتهم. وهذه الكتيبة بعد اتفاق انسحاب القوات من بيروت خرجت الى البقاع ليعدم قائدها بتهمة التعاون مع الأعداء والمقصود بالأعداء عرفات. واذا كان الرئيس لا يعرف فأن وزير دفاعه لا ينسى البرقية ـ وهي منشورة في أرشيف جريدة السفيرـ التي ردّ بها على قيادة الجيش اللبناني بعد انسحاب اسرائيل من محيط بيروت بالقول أن الجيش السوري لا يترك جثث قتلاه على الطرقات لأن قيادة الجيش اللبناني آنذاك طلبت من قيادة الجيش السوري استلام 18 جثة عسكرية سورية في انسحابهم السريع غير المنظم كعادته أمام اسرائيل على طريق بيروت دمشق الدولي يوم استطاعت ثلة معدودة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني أن تدافع ببطولة عن قلعة شقيف.
ولم يكتف نظام دمشق بالاجتياح الاسرائيلي لبيروت واتفاق المغادرة الذي شمل قوات عرفات في بيروت ومخيماتها فشنت سوريا اجتياحها الخاص بمخيمات الشمال اللبناني في البداوي ونهر البارد وطرابلس بالتعاون مع عميليها أبو موسى وخالد العملة، وخالد الفاهوم سنة 1984 في الحرب التي كانت النسخة السورية عن تلك التي قادها شارون، كانت النتيجة رحيل من تبقى من قوات عرفات عن الشمال اللبناني على البواخر الفرنسية التي قدمها الرئيس ميتيران وكانت نقطة التحول الحاسمة في موقف الرجل تجاه شعب وقيادة مطاردة من كل الطغاة.
لماذا يعتبر يعتبر الحكام أن ذاكرة مستمعيهم محشوة بالتبن؟.
واذا كان الرئيس السوري يغمز من قناة وليد جنبلاط ووالده الشهيد الذي سقط برصاص غدرهم فالجميع يتذكر مغادرته المختارة المحتلة الى بيروت سنة 1982، يشد من أزرها قائلا لشاشات التلفزة: أتيت لأموت مع فقراء بيروت وحركتها الوطنية. في حين أن أنصار النظام السوري انتقلوا جميعا الى البقاع عبر الحواجز الاسرائيلية، وكانت تلك الوقفة وراء أول عملية اغتيال تحدث في بيروت بعد خروج المقاومة، حينما نجا الرجل ابن كمال جنبلاط باعجوبة وزوجته من انفجاراستهدفت سيارته المصفحة في منطقة كركول الدروز.
كما ينسى النظام السوري أن بيروت غدت محتلة من جي الكتائب وغيرهم من عملاء اسرائيل لغاية 1985 وأن الذي سهل عودة سوريا وجيشها وعملائها هي انتفاضة وليد جنبلاط ودروزه على الكتائب والقوات اللبنانية، وجيشها وطردهم من الجبل ومن بيروت بالتعاون مع منظمة أمل. التي جرّها النظام الدمشقي سنة1985 الى أقذر حرب ضد المخيمات الفلسطينية في برج البراجة، حصارا وتجويعا وقتلا ودمارا فاقت جريمة ايلي حبيقة وقواته في مجزرة صبرا وشلتيلا، قبل أن يغدوا حليفا لدمشق ووزيرا مفوضا في حكوماتها الدمى.
كان الأجدر بالرئيس السوري ـ والوقت لم يفت بعد ـ أن يصحى من وهم، ارضاء أمريكا، ومن وهم استبدال الشعوب ورموزها ببضع من العملاء والمرتشين والفاسدين وعليه أن يتجاوز الحاجز الذي سقط عنده صدام حسين وكل أنظمة الاستبداد، وحان الوقت أن يسمع الناقوس يدق أن وقت الاستحقاق اللبناني قد حان ومن مصلحة سوريا أن تكون حاضرة فيه بدل عن أن تغيب عنه ومن مصلحة نظامه أن يعيد للشعبين السوري واللبناني ما أخذ منهما بغير حق وبغير نباهة.لأن الزمن تجاوز أيام الحرب الباردة.
نعم سوريا مهددة من أمريكا واسرائيل وليست من شعبها ولا من اللبنانيين الحريصين على مصلحة بلدهم. ومهددة من الذين ينفذون صباح مساء سياسات لا تنقل الماء الا الى طاحونة أمريكا ومصالح اسرائيل بالغاء الشعوب عن مصائرها والدولة عن مجتمعاتها والسياسة عن شعوبها. و سوريا ليست حكامها ولا تختزل بالمسؤولين وابنائهم، وهي ليست شركة قابضة لرموز الفساد وهي ليست مزرعة أبقار وسترن يتم الدفاع عنها بأخلاق الكاوبوي. سوريا وطن وشعب وتاريخ وجغرافيا ومصالح متداخلة ومعقدة لشعبها وشعوب الجوار والهرم يستقيم على قاعدته، فلماذا تصر السلطة السورية على الهروب من الاستحقاق الوطني بالتصالح مع شعبها، الى تسوية التنازلات للمتربصين بسوريا.

وأعداء سوريا معرفون غير قابلين للتأويل والتفسير. فأعداء سوريا الحقيقيون ليسوا أولئك الذين يسمعونها في لبنان كلاما لا يطرب أذنهاالعمياء، لأن أعداء سوريا اللبنانيين هم أولئك المنافقون المخادعون في لبنان الذين لاتهمهم مصلحة لبنان وشعبه و لا يمكن لهم أن يصدقوا سوريا القول والوفاء، أعداء سوريا ليسوا وليد جنبلاط ولا مروان حمادة ولا البطريرك الماروني ولا الشيوعيين اللبنانيين ولا القوميون السوريون ممن يطالبون باعادة عقيدة سعادة العلمانية واعادة العزة القومية الى الوطنية السورية. كما أن أعداء سوريا السوريين ليسوا المعتقلين السياسيين، ولا طلبة الجامعات ولا المواليد التي لم تلد بعد ولا نبيل فياض ولا عارف دليلة ولا النشطاء الكرد ممن نزعت جنسيتهم السورية بقرارات سياسية خاطئة بل ملغومة بحق الوطن السوري، الذين يستجدونها المساواة والمواطنة وحق الدفاع عن سوريا والافتخار بهذا الدفاع لأن أعداء سوريا هم أولئك المرتشون من الحكام والمجرمون في دوائر الدولة والمحافظين الذين يحرقون السجون على الموقوفين في السجون أمثال مصطفى ميرو والذين يطلقون الرصاص على شعبهم أمثال تيسير كبول وهم القوانين الاستثنائية ومؤسسات الفساد الذين يدقون اسفين قطع صلة الوطن بأهله وبنيه. فهل للعقل من آذان وهل للبصر أن يرى العاصفة بل العواصف؟.

أعداء سوريا ليسوا المثقفين اللبنانيين الذين يريدون ارساء العلاقة بوطنهم على المشترك الوطني والحد الأدنى الذي تمثل باتفاق الطائف ولا يرون في ذلك انتقاصا من مكانة سوريا ودورها بل يريدون لها موقعا في قلوبهم ووجدانهم يستطيعون به الدفاع عن سوريا الوطن بحق وايمان لا عن خوف وارتزاق.أعداء سوريا ليسوا الأطفال الكرد في المعتقلات والأجيال المقموعة بالحرمان والتمييز، أعداء سوريا هم: المعتقلات السورية وقانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية العرفية ومستوطنات الغمر في أراضي الجزيرة، وعقلية الاستبداد، والنهب المستشري بادارة السوء وأمراء الفساد. وعدو سوريا اللدود هواستمرار الاحتلال السوري للبنان.

بشار العيسى
باريس
\