إيلاف من لندن: هل جربت تقليل الملح، ومارست الرياضة، وخسرت وزناً، ومع ذلك بقي ضغط دمك مرتفعاً؟ توقف عن لوم نفسك. العلم اليوم يقدم لك "صك براءة" طال انتظاره، كاشفاً أن المشكلة قد لا تكون فيما تأكله، بل في "وشاية" عصبية تصدر من مكان عميق في دماغك.

في تحول لافت عن الفهم التقليدي للمرض، وجد باحثون من جامعة "أوكلاند" أن المسؤول عن ضغط الدم المستعصي ليس دائماً الأوعية المتصلبة، بل منطقة صغيرة في جذع الدماغ كانت – للمفارقة – تعتبر مسؤولة عن الضحك والسعال.

العدو في "أعصاب الضحك"
القصة تبدأ من منطقة تسمى (pFL). وظيفة هذه الحزمة العصبية العادية هي تنظيم التنفس، وتنشط بقوة لتساعدنا على الزفير القوي حين نضحك أو نسعل. لكن المفاجأة التي فجرها البحث هي أن هذه المنطقة تمتلك "وجهاً آخر"؛ فهي قادرة على إصدار أوامر صارمة للأوعية الدموية بالانقباض فوراً. بمعنى آخر: في اللحظة التي تنشط فيها هذه الأعصاب، يرتفع الضغط، بغض النظر عن كمية الملح في طعامك. هذا يفسر لماذا يعيش الملايين مع "ضغط دم مقاوم للعلاج" رغم التزامهم بكل النصائح الطبية؛ فالخلل ليس في الشرايين، بل في "غرفة القيادة" بالدماغ.

زر التشغيل والإيقاف
للتأكد من هذه الفرضية، لم يكتفِ العلماء بالملاحظة، بل تدخلوا جينياً في تجارب على القوارض. النتائج كانت أشبه بالتحكم بمفتاح كهربائي:

- حين "أثاروا" هذه المنطقة: انقبضت الأوعية وارتفع الضغط فوراً (محاكياً استجابة التوتر).

- وحين "أسكتوها": عادت الأوعية للاسترخاء، وهبط الضغط لمستواه الطبيعي، دون أن يتأثر التنفس. يعلق البروفيسور جوليان باتون، قائد الفريق، بعبارة حاسمة: "الدماغ هو المتهم. في الحالات المزمنة، تكون هذه المنطقة في حالة صراخ دائم، وعلينا إسكاتها".

المؤامرة تتوسع: بروتينات المهاد
الدماغ لا يكتفي بهذا "الزر" فقط. ففي سياق متصل، كشف باحثون من مركز "إم دي أندرسون" عن لاعب خفي آخر في منطقة "المهاد" (Hypothalamus). هناك بروتين يدعى (RCAN1) يتصرف كـ"محرض"، يمنع الدماغ من تهدئة نفسه، دافعاً إياه لإرسال إشارات توتر مستمرة تنهك القلب والشرايين.

لماذا يهمنا هذا الآن؟
نحن أمام 120 مليون مريض في أميركا وحدها، ونصفهم تقريباً لا يستجيبون للعلاج التقليدي. هذه الاكتشافات تعني نهاية عصر "الدواء الواحد للجميع". المستقبل القريب قد يحمل أدوية لا توسع الشرايين فحسب، بل "تهدئ" أعصاب الدماغ المسؤولة عنها، لننتقل من مرحلة إدارة الأعراض إلى مرحلة "قطع دابر" المرض من منبعه.

* أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "Daily Mail".. (المصدر)