اي كان التقييم لشخصية مثيرة للجدل كالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بين ايجابي او سلبي موافق او مخالف، الا ان غالبية المحللين السياسيين يتفقون على صفة بارزة للرئيس الراحل تتحدد في سعيه خلال كل مراحل عهده الى تجنيب سوريا وشعبها الوقوع في مطبات خطيرة تجلب الانهيار للبلاد والهلاك لشعبها. ومهما كانت وجهات النظر ازاء خطوات خطيرة اتخذها حافظ الاسد مثل ارسال القوات السورية الى لبنان، الا انه لم يقدم على هذه الخطوة الا بعد ان حصل على قدر من التفويض الداخلي اللبناني، من الاطراف المتنازعة آنذاك، وتفويض اقليمي ودولي مما حمى سوريا من مغبة المسائلة الدولية والاقليمية آنذاك. ويكاد الامر ينطبق ايضاً على مشاركة سوريا في حرب تشرين او الموقف الجاد من الحرب العراقية الايرانية التي اشعلها صدام حسين او الموقف من احتضان سيل المعارضين العراقيين الذين لجأوا الى الشقيقة سوريا هرباً من بطش طاغيتهم. ان هذه المواقف الاقليمية للرئيس السوري الراحل اكسبها ثقلاً ملحوظاً عربياً ودولياً رغم الخلافات معها سواء على نطاق الممارسات الداخلية او العربية والدولية. ولقد اثارت هذه المواقف غيض الزمرة الحاكمة في العراق بحيث وجهت كل غضبها على الرئيس الراحل. ونظم جلاوزة صدام حسين المظاهرات التي رفعت شعار "ارنب ارنب في الجولان اسد اسد في لبنان". وراحت هذه الزمرة تحتضن فلول التطرف الديني السوري وتزويده بأدوات الموت والتخريب الذي طال ابناء العاصمة السورية وحلب وحماة وكل المناطق الشرقية المحاذية للعراق التي تحولت الى بؤرة لتسلل الارهابيين وعملاء مخابرات صدام لزرع الموت في صفوف الشعب السوري، تماماً مثل ما تحول شرها الآن ضد الشعب العراقي. واعتبرت زمرة صدام حسين ان القيادة السورية للرئيس الراحل تمثل العدو الاول لها بحيث انها لم تتردد في دعم كل الجماعات الارهابية والمتطرفة وحتى حلفاء اسرائيل في لبنان وتزويدهم بالسلاح والمال لكي يثيروا المتاعب لسوريا الشقيقة وشعبها. هذه الاحداث هي قريبة وما زالت حية على المتابعين وما زالت طرية في اذهان كل مواطن في الدول العربية ممن عاصر هذه الاحداث.
ولكن ما ان رحل الرئيس حافظ الاسد عن هذه الدنيا وتسلم الرئيس الشاب بشار الاسد مقاليد الامور حتى بدأت ملامح جديدة في تعاطي القيادة الجديدة مع الشأن العراقي. بالطبع انني لست من اؤلئك الذين يتمسكون بسياسة ومواقف ازلية ازاء اي حدث من الاحداث، فكما يقال ان السياسة فن الممكنات وممارساتها قد تؤدي في بعض الاحيان حتى الى التخلي عن بعض ما يسمونها بالثوابت. ولكن هذا الانعطاف السياسي ينبغي ان يصحبه تبدل في عناصر المشهد السياسي مما يفرض هذا التغيير. ان الحكم الذي كان قائماً في العراق لم يتغير وبقي يبطش بالعراقيين وهو يترنح بحيث انه لا يمكن ان يقدم خدمة لسوريا في مواجهاتها الاقليمية. وكان هذا الحكم معزول داخلياً واقليمياً وخارجياً بعد ان ورط نفسه في فخاخ عديدة. وكان هذا الحكم مصراً على ممارسة نفس سياسته التي الحقت الدمار بالعراق والهلاك لشعبه. انه نفس الحكم الذي نعت باقبح الالفاظ رئيس البلاد الراحل والمسؤولين السوريين في مؤتمر القمة العربية في عمان على لسان رأس النظام. وبعدها طلع علينا احد اركان السلطة آنذاك المتخلف طه ياسين رمضان بتصريحه البذئ الشهير "العراق، ويقصد المذكر، وسوريا، ويقصد المؤنثة، اما ان يناموا في سرير واحد او ان يعيشوا حالة الطلاق"!!. هذا الشخص استقبلته القيادة السورية الجديدة لاحقاً بكل اسباب الترحاب وعلى اعلى المستويات دون ان يعتذر لها على هذه التصريحات. واعقب ذلك استقبال حافل لجلاد العراقيين والمسؤول عن قصفهم بالسلاح الكيمياوي علي حسن المجيد مما أدى الى تهاوي ذلك الاحترام الذي تمتعت به سوريا في قلوب العراقيين ووجدانهم صاحبه شعور الاحباط تجاه خطوات القيادة السورية الجديدة.
ان الامر لا يتعلق بحاجة سوريا الى علاقات اقتصادية مع العراق ولا دعم السلطة العراقية بعد ان ارتدت عن حلفائها في الولايات المتحدة. فالامر تعدى كل ذلك ليشمل اهداء السيوف السورية الى صدام حسين في وقت كان فيه الشعب العراقي يأن بفعل بطش حكامه وتدق اعناقه بسيوف هؤلاء الاوباش. وبدأت اموال الدولة العراقية تنقل الى سوريا لتنافس الاردن بذلك خاصة بعد ان بدت بوادر انهيار سلطة الجلادين في بغداد. وشرع ازلام النظام بترتيب امورهم في سوريا لكي يعاودوا نشاطهم المدمر ضد العراقيين في حالة سقوط حكمهم. وتحولت الاراضي السورية الى جسر لانتقال ازلام النظام والمجاميع العربية الدينية المتطرفة وانتقالهم بالآلاف الى الاراضي العراقية امام سمع وبصر الاجهزة الامنية السورية. وبعد الاحتلال سارت الاجهزة السورية على نفس المنوال حيث فتحت الابواب امام جلادي العراق ومجرمي العهد السابق ليعيدوا تنظيم انفسهم. كما انها غضت النظر عن تلك المجاميع الارهابية المتوحشة السورية منها والعربية وغير العربية لكي تنقل شرها الى الاراضي العراقية بدعوى مواجهة الاحتلال الاجنبي للعراق. ان حصيلة نشاطات هذه الزمر الاجرامية لم تكن موجهة ضد المحتلين بل وجهت بالاساس ومنذ الايام الاولى ضد العراقيين الابرياء والمواطنين العاديين الذين اسبشروا خيراً بسقوط الطاغية وحكمه المشين. كما طالت ايادي المخربين والارهابيين وازلام النظام السابق كل المرافق الاقتصادية العراقية بدء من انابيب النفط وشبكة الكهرباء الوطنية واسالات الماء والمجاري العامة ودوائر الدولة ونهبوا البنوك واختطفوا المواطنين من اجل الحصول على الفدية ولاحقوا العقول العراقية واساتذة الجامعات بين مخطوف ومقتول. هذه الممارسات اللاخلاقية المشينة لم تصفها الصحف الرسمية وغير الرسمية السورية الا بالمقاومة الوطنية. وتكيل نشرات التلفزيون والاذاعة السورية، على شاكلة قناة الجزيرة الارهابية، المديح لها وتدفعها الى المزيد من القتل والتدمير. وشرع المسؤولون السوريون يقضون كل اوقاتهم مع مجاميع هزيلة من فلول النظام المنهار تارة بأسم رؤساء العشائر او رجال الدين ودكاترة حصلوا على شهادتهم بفعل سياط ارهاب الحكومة المنهارة دون ان يشجعونهم على العتذار لافعالهم السابقة والحوار مع العراقيين من اجل انقاذ البلاد من الانهيار ومن بقايا النظام ومن الاحتلال. ولم يفهم العراقيون من هذا السلوك الغريب من الحكومة السورية وحتى حلفائها سوى التحريض والمزيد من التحريض على تدمير العراق، وهو ما أثار شكهم وريبتهم من ما يعلنه المسؤولين السوريين من حرصهم على العراق وشعبه. وشرعت الحكومة السورية بإستضافة معارضة عراقية جديدة ممن هرب من ازلام النظام السابق والتي لا تتمتع بالحد الادنى من المعايير الاخلاقية وقواعد الصراع السياسي عنما اصبح همها الاساسي، كما كان حال اسلافهم الصداميين، هو المزيد من قتل الابرياء وتدمير ما تبقى من العراق. وشتان بين تلك المعارضة العراقية التي استضافتها سوريا في السبعينيات والثمانينيات والتي لم تقم بعمل من شأنه احراج سوريا وشعبها والحاق الاذى بهم ولا القيام بكل ما من شأنه ايذاء الشعب العراقي ومؤسسات الدولة العراقية حيث لم تقم تلك المعارضة بتفجير انانبيب النفط والمياه وتعطيل الطاقة الكهربائية واغتيال الاساتذة والمهندسين والعلماء والاطباء العراقيين ولا قطع رؤوس الابرياء او الخصوم ولا اخذ الرشاوي والفدية من المخطوفين. هذا الموقف يترك الكثير من الشبهات على موقف القيادة السورية الحالية التي تحتضن هؤلاء القتلة او تغض النظر عن نشاطاتهم رغم الكوارث التي اصبحت بادية للعدو قبل الصديق والتي يسببها هؤلاء المجرمين التي تنعتهم الصحافة السورية بالمقاومة العراقية. ولا يعرف او يتغافل حكام سوريا عن ان هؤلاء القتلة يمارسون تمرينات في العراق، كما كان الحال بالنسبة لعرب افغانستان، من اجل توجيه شرهم ضد الشعب السوري بعد ان يكنس العراقيون هذه القاذورات والاشرار عن بلادهم. لا ادري ما هي الحكمة في مساعدة اشرار يعلنون على الملأ ان المعركة القادمة لهم في بلاد أخرى من الدول الاسلامية وغير الاسلامية التي عضدت ودعمت هذه الزمر الشريرة بالمال الوفير والسلاح والخدمات اللوجستية انطلاقاً من ضيق افق وغباء سياسي.
وينغي على الحكومة السورية ان تدرك ان خلافاتها مع امريكا اوغير امريكا تحل في اماكن اخرى كالجولان ومزارع شبعا وليس في العراق المنهك اصلاً جراء ممارسات الحكم السابق. عليهم ان يتركوا العراقيين وشأنهم يحلون مشاكلهم ويتعاملوا مع الاحتلال وذيوله عندما يستطيعون ان يقفوا على ارجلهم. وعلى حكام سوريا ان يصغوا الى العراقيين الحريصين على سوريا من المعارضين السابقين لصدام وزمرته والتي استضافهم الشعب السوري لعقود مديدة وشاركوا في الدفاع عن سوريا وقدموا الضحايا على الارض اللبنانية دفاعاً عن الشعب اللبناني ضد غزو الهمج من الاسرائيليين العنصريين. ويجب ان تكف اجهزة الاعلام السورية عن موجة التحريض ضد العراقيين وان تستنكر موجات الموت والتخريب والتدمير وتمنع منفذيها من المرور عبر الاراضي السورية والتسلل الى الاراضي العراقية وتسليم القتلة والمجرمين من فلول النظام السابق والهمج من المتطرفين العرب والاجانب وبذلك تضع الحكومة السورية اساساً رصيناً لعلاقات الثقة والمودة مع العراقيين وهو اعظم مكسب لشعب سوريا وسلامته وامنه. ان الاسلم لسورية سياسياً واخلاقياً هو كسب ود العراقيين وليس كسب ود حفنة قليلة من القتلة والمتطرفين الذين سبق وان اصطبغت اياديهم بدماء السوريين وارتكبوا الجرائم بحق سوريا والعراق.
19كانون الاول/ديسمبر 2004 [email protected]