قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حديثٌ تناهى إلى سمعي دون غرض ٍ مني أو قـصدْ. صباح الأحد الماضي كنت جالساً على طاولة في مقهى صغير في أحد أسواق مونتريال المغلقة، أتمتع ببرود المكيفات و احتساء فنجان القهوة الذي أنعمت علي به يدا النادلة. في الواقع، لم يخطر ببالي أبداً وأنا محاط بهذا الهدوء الحالم الناعس أن أستمع لمثـل هذا الحديث الذي سمعت والذي لم يصدمني أو يفاجأني بقدر ما أحزنني وجعلني أشعر بالعجز والإحباط والعبثية بخاصة وأنا على بعد آلاف الكيلومترات من بلدي سوريا.
على الطاولة المقابلة جلست مجموعة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين ربما، وأخذوا بتجاذب أطراف الحديث إلى أن تبلورت الفكرة الأهم التي كان يود زعيم الجلسة طرحها على جمهوره الصغير.. الفكرة التي تتمثل بشرح وإيضاح، لمن لـَـبُس عليه الأمر وغَـمـُضْ، كيف أن سوريا وطن ٌ محتل وأن المُسـلمين الذين أتوا من الجنوب احتلوها وجعلوا أهلها السريان ضيوفاً في بلدهم عاجزين عن التمتع بحقوق المواطنة الحقة. يبدو أن هذا الواقع الأليم قد حــزَّ بنفس صاحبنا وآلـمَهُ لدرجة أنه قرر الهجرة لـكـندا تاركاً الجَمَـلَ بما حَـمَـلْ للمحتل الغاصب الذي حرمه من هدوء البال وراحة النفس في وطنه الأم. لم أتدخل بالحديث ولم أكن مدعواً للمشاركة به على أية حــال، إلا أنني وجدت نفسي أفتح دفاتري لأخرج ما بها من حوادث مشابهة وما أكثرها.
في إحدى مدارس دائرة سان لوران الابتدائية، والحديث دائماً في مونتريال، عادت ابنتي في أحد الأيام لتطرح علي أسئلة غريبة عجيبة وهي مهتاجة الأعصاب، مضطربة الحال. يتلخص موضوع هذه الأسئلة بطلب معرفة الفرق بين المسلم والمسيحي، وهـل إله المسيحيين مختلف عن إلهنا نحن الأسلام؟ ثم... هل يجب أن ننظر للمسيحي السوري بعـين الريبة والحذر كونه مثل الأمريكان الذين يفعلون ويفتعلون؟؟ وإذا كان المسيحـيون كذلك، فماذا عن أصدقائي وصديقاتي المسيحيين والمسيحيات الذيـــن أحبهم هنا وفي دمشق؟؟؟ والأدهى من ذلك كله ماهو الموقف من أولاد عمي الـذين أمهم مسيحية؟؟؟؟ أما مركز العاصفة فكان أن الفتاة صادقت زميلة لها في المدرسة، مسلمة تنعت المسيحيات بما يليق و لايليق من الصفات، بدءً من الفلتان الأخلاقي إلى الانحراف الديني وصولاً حتى التشكيك بثوابت وبداهات الدين المسـيحي.
في مـوقعِ آخر وتاريخ آخر، حاولت إحدى دور الحضانة المحلية الكيبيكية أن تضع مبدأ احترام الأديان والاختلاف بين الناس موضع التنفيذ، وبالتالي وجدت أنه لزاماً عليها تأمين اللحــم الحلال لزبائنها الصغار، انطلاقاً من أنه لحم مستساغ أكله من قبل الجميع. فما كان من أحد السادة اللبنانيين إلا أن رفض وبشدة المبدأ، محاولاً بكل نشاط وحيوية وحماس منع ذلك. وقد وصل به الأمر أن اشتكى إدارة المؤسسة قائلا ً إنه لايريد لطفله أن يأكل لحماً قـُـرأ عليه اسم الله، الله المسلم وليس إلهه هو المسيحي.
أستطيع إن شئت أن أورد العشرات من هذه الحوادث التي يتناوب بها أفراد الأطراف الدينية المختلفة تبادل وتقاذف الجهل والغباء فيما بينهم. إلا أنني أتساءل... في النهاية.. نهاية المطاف.. إلامَ يرمي أخونا السرياني آنف الذكر من خلال كلامه هذا؟؟ هل هو جاد فعلاً؟؟ وإذا كان كذلك، ترى هل يريد تحرير بلاده السورية السريانية من وطأة الاستعمار والاستبداد الإسلامي الذي غزاها منذ مايقارب الآن الخمسة عشر قرناً؟؟ ترى هل يريد إعادة الحق الضائع لأصحابه وتوحيد السريان تحت لواء ٍ واحد كي ينهضوا نهضة رجل واحد ويدحروا المستعمر المسلم المتخلف القادم من الجنوب؟؟؟ ثم ما أثر مثل هذا الطرح إن حــُمل مَـحْمـَل الجـِـدْ على أهله في سـوريا؟؟ وما أثر ذلك على المجتمع السوري ككل؟؟ وأخيراً هل بالإمـكان تحقيق أحلام هذا الطرزان على أرض الواقع؟؟ وإذا كان الجواب لا.. فلماذا الكلام إذا ً؟؟
من جهة ٍ أخرى، ماذا يريد من يُـرضع أولاده الكره والحقد على كل من ليس مشابه له، أي على الآخر، الذي طالما هو ليس مثلي فهو مختلف عني وبالتالي فهو الشر كله وأنا، أنــــــــا( ما أجملني أنا ) الخير كله. ثم إلام تؤول الأمور لو فعلت ذلك كل الطوائف وتفتتاتها وتشعباتها؟؟ هل بالإمكان تخيل نهاية المطاف؟؟ أما آن لنا أن نفهم أن هذا هو بالذات وتر أخيل فينا؟ هل يتطلب الأمر حربا ً جديدة ً، على الطراز اللبناني، كي نفهم أنه ما هكذا تؤكل الكتف! ألا نستطيع أن نضع هذه الترهات جانباً ونلتفت للجوهـر؟؟ أما زلنا واقفين عند مفهوم الإسلام والعروبة، غير قادرين على استيعاب مكنوناته حتى الآن؟؟ هل هذه المهزلة هي الطريق نحو وطن مؤسساتي ديمقراطي؟؟ أننسى كل العيوب والمظالم والتشوهات في بلادنا التي لابد لها من حل سريع وناجع ونلتفت إلى متاهات لامخرج منها سوى الدم والمزيد من الدم؟؟
** أنا أدعي أنني مسلم ٌ مؤمن ٌ عشت ونشأت في سوريا دون أن ألتفت لدين فلان وطائفة فلان
** أنا أدعي أن أصدقائي كانوا ومايزالون، جوقة ً من أمثالي الذين يعتقدون أن الله محبة وأن الوطن محبة
** أنا أدعي أنني أستطيع أن أكون مواطناً ســوريا ً أولا ً، هـمي هـو سـوريا وديني هـو سوريا وأخوتي في هذا الهم هم السوريون أجمعين
** أنا أدعي أننا يجب أن نقاوم بكل ما أوتينا من عزم مثل هذه الممارسات الهرطوقية حيث وجدناها
** أنا أعترف بأني وأمثالي مقـصرين للغاية بحق مبادئنـا. فنحن بصمتنا وسلبيتنا نسمح لقـصيري النظر والمغرضين والمدسـوسين والمدفـوع لهم أن يفعلوا ويقولوا ما يشاؤون
كفانا لعنا ً للظلام وإطفاء ً للشموع في آن ٍ معا ً. طريقنا واضح نحو أوطان تقدمية ومؤسساتية وحضارية وهي، أي هذه الطريق، بعيدة كل البعد عن مستنقعات التعصب من كافة الأشـكال والألوان. كفانا هـُراء ً ولنلتفـت لما يجمع بيننا عوضا ً عما يفرق. فما يجمع بيننا أكبـر بكثير وأجمــل بكثير.

أغفر لنا يا أبتاه لأننا لاندري ما نفعل بأنفسنا

مدرس في جامعة دمشق
طالب وباحث في جامعة مونتريال