قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في السابع من اب من كل عام يحتفل الاشوريون بذكرى يوم الشهيد، وذلك توافقا مع ذكرى مذبحة سميل، التي بدأت احداثها مع بداية الشهر الثامن، ووصلت الى قمة الممارسات الإجرامية في السابع منه. في هذه المذبحة والتي تعتبر من المذابح المتوسطة بحق شعبنا الاشوري تم قتل حوالي خمسة آلاف من النساء والاطفال والشيوخ، كما تم قتل بعض الرجال الذين شوهدوا وهم منفردين في الطرقات، وكانت اكبر منطقة قتل فيها الناس في قرية سميل، التي وعد المسؤولون بحمايتهم ان سلموا اسلحتهم، فاستجاب الاشوريون للامر، ودخل الجيش العراقي على اهل القرية وذبح من ذبح وقتل وبقر بطون النساء الحوامل، وبالطبع لا ذكر للمذابح في اي كتاب للتاريخ، وان ورد ذكرها فيرد باسم فتنة الاشوريين، ملقين اللوم على الاشوريين في كل ما جرى، من الاعمال المشينة والتي يندي لها جبين كل انسان شريف.

وبالطبع لا يمكننا لوم الكتاب والمؤرخين من امثال محمود الدرة والحسيني لعدم انصاف الاشوريين، وللمعلومات المظللة التي ساقوها بشأنهم، فهذا ينمي عن طبيعتهم وميولهم، ولكن لنا عتب كبير على الاستاذ سيار الجميل الذي يرد معلومات غير صحيحة بشأن شعبنا وخصوصا عند تفريقه بين التيارية والاشوريين، فالتيارية هم عشائر اشورية وكانوا يسكنون في حكاري منذ قديم الزمان. كما ان الاشوريين الشرقيين، بمعنى شرق الفرات كانوا من اتباع كنيسة المشرق التي تعرضت للانقسام بعد منتصف القرن السادس عشر، ورويدا رويدا تحول سهل الموصل والكثير من المناطق الجبلية الى الكنيسة الكاثولكية، فيما انحصرت الكنيسة الشرقية، في معقلها في الجبال.

لم تكن الجريمة النكراء التي اقترفت في سميل نتيجة لحدث آني غير محسوب، بل ان كل الشواهد والوقائع تؤكد ان ما جرى في سميل جرى التخطيط له من قبل وزارة رشيد عالي الكيلاني، بغرض فرض سطوته من خلال كسب تعاطف العرب والمسلمين، فمن ناحية صورت الوزارة العراقية نفسها حامية العراق والعروبة ومن ناحية اخرى صورت نفسها انها حامية دار الاسلام من الكفرة الذين يريدون تقسيم البلد. انها في عملها هذا كانت ترمي لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصلحة البلد، والتعايش السلمي فيه.

فلو نظرنا بتمعن الى مطالب الاشوريين في ذلك الحين لادركنا مدى بساطتها وعدم تعارضها حتى مع مفهوم تلك الوزارة الى الوحدة الوطنية..

فالمطالب الاشورية، والتي كانت مطالب تفاوضية، انحصرت في ما راه الاشوريون ضرورة لتحقيق اسكانهم بشكل متجانس يضمن امنهم (هذا المطلب ادرج جراء التجربة التاريخية والتي عاشها الاشوريون، حيث تعرضوا لاكثر من مذبحة خلال اقل من خمسين عاما ادت الى فقدانهم اكثر من نصف عددهم على ايدي جيرانهم).. لم يناقش هذا المطلب باستفاضة، بل ان الاشوريين لم يلتقوا بالخبير المعين لتحقيق هذا الاسكان..

كما ان المطلب الاشوري الاخر، وهو مخاطبتهم جميعا من خلال بطريرك كنيسة المشرق قداسة مار ايشاي شمعون، وان كان يتعارض مع اسس المواطنة وحق الدولة في مخاطبة كل مواطنيها بغير توسط احد، الا انه كان مطبقا مع الاكراد والعرب، فقد كانت الحكومة العراقية قد سنت قانون العشائر والذي ينظم العلاقة بين الدولة والعشائر والذي كانت الدولة بموجبه تخاطب ابناء العشائر من خلال رؤسائها، في كل الشؤون سواء المتعلقة بالضرائب او السوق الى الخدمة العسكرية او حتى القبض على المطلوبين للعدالة، فلماذا لم يستجاب طلب الاشوريين هذا؟ الم يكن امرا مريبا وهو حق يتمتع به اصغر رئيس عشيرة كردية او عربية، وخصوصا ان الاشوريين الشرقيين كانوا قد حصلوا على مثل هذا الحق منذ مئات السنين في ظل الدولة العثمانية.

كما انحصرت المطالب الاخرى في مسائل تنموية مثل بناء المدارس او المستشفيات وغيرها من المطالب المشروعة والتي كانت ضرورية للمنطقة باسرها ويستفاد منها الاشوريين والكرد على حد سواء.

ان استدعاء مار ايشاي شمعون الى بغداد ووضعه في الاقامة الجبرية، والطلب منه ان يوقع على وثيقة يقر بموجبها قبوله بخطط اسكان الاشوريين دون ان يطلع عليها ودون ان يناقشها، امر غريب وغير مسبوق، وتوازى هذا الامر مع الحملة التي قامت في الصحف العراقية ضد الاشوريين الدخلاء وعملاء المستعمر الانكليزي والكفرة (كذا)، في الوقت الذي كانت الحكومة العراقية في كل امورها تستشير الانكليز حتى انه كان في كل وزارة عراقية (وطنية) مستشار انكليزي، يدلنا بوضوح ان ما حدث في سميل كان امرا مخططا، على الاقل بين بعض الوزراء العراقيين، فرغم رسائل الملك فيصل الاول والتي حثت على التعقل والتريث وعدم الانجرار الى خطوات غير حكيمة اصر الوزراء على خططهم مستندين الى تاييد ولي العهد الغر الامير غازي، والذي امتلا غرورا بمدائح العرب، والخلفية الاكثر احتمالا لسبب ما حدث هو الخلفية التربوية التي اخذها هؤلاء المسئولين العراقيين الذين تلطخت اياديهم بالدم الاشوري البريء، فجلهم كانت له ثقافة اسلامية وترعرع في ظل الحكومة العثمانية التي كانت تقسم الشعوب الى ملل، وتعتبر المسيحيين اهل ذمة لا يستحقون اية حقوق غير تقديم الواجبات لقاء الحماية الممنوحة لهم من قبل الدولة (العارف بتاريخ شعبنا في ظل الدولة العثمانية يعرف نوعية هذه الحماية!!)، كما ان اغلب الساسة لم يهضم مسالة قيام الاشوريين بالتعاون مع الحلفاء ضد الدولة العثمانية في الوقت الذي كانوا هم اول من فعل ذلك، ونجد مثل هذا الاتهام للاشوريين في اغلب كتب المؤرخين العراقيين العرب، فالاشوريين متهمين بـ(عض اليد التي حمتهم) حسب مزاعم هؤلاء المؤرخين، وانه لا يحق لهم التعاون مع اية جهة، ولكن الامر ذاته اعتبر تحررا من قبل العرب!!!

ان التقاء عوامل التربية والمصلحة النابعة من مثل هذه التربية في شخصية رشيد عالي الكيلاني، ادت الى مذابح سميل، واللجوء الى الجيش لحسم المسالة ومنح القاب البطولة لمجرمي سميل واقامة حفلات التكريم لهم، فتح شهيتهم للدخول الى المعترك السياسي من اوسع ابوابه، فتغيرت امور كثيرة، بعد ان كان العراق مؤهلا للسير في طريق التغيير الديمقراطي، صار تدخل العسكر في تشكيل الحكومات العراقية والقيام بانقلابات عسكرية او انقلاب القصور (كما اصطلح على تسميته)، امرا مالوفا، كما ضاقت مساحة التسامح بين التيارات المختلفة، فكل تيار يستعين بضابط ما لتحقيق مبتغاه في السلطة ويعمد للتنكيل بخصومه بكل الصور والاشكال، ومن هنا زاد الاحتقان في العراق ولم يعد للتسامح الوطني من مجال فكل طرف يعتقد انه بافناء خصومه سيقيم دولته التي رسمها في المخيلة بالحديد والنار، وهذا الاسلوب المعتمد على المؤامرات السرية والتصفية الجسدية والحكم بالحديد والنار ومن على ظهر الدبابة، اصبح الاسلوب المعتمد في التغيير الحكومي للعراق، مما اوصله الى الحالة الراهنة. فلو ان الحكومة العراقية ابان احداث سميل كانت تمتلك حسا وطنيا سليما، وذرة من اللياقة الدبلوماسية ورغبة حقيقية في تحقيق وحدة وطنية وانسجاما عاما لتمكنت من ذلك وفقط من خلال حوار بناء غير معتمد على الفرض القسري.

ان الاشوريين وفي ظل ظروف اقامة الدولة العراقية كانوا شانهم شان كل الاقليات العراقية متخوفين من المستقبل ولم يكونوا مستعدين لقبول كلمات الاطمئنان التي كانت تقال لهم، بل كان يحدوهم الامل بضمانات تشريعية ترى نتائجها على الارض، فمثل هذه الكلمات كثيرا ما منحت لهم وكانت نتائجها المذابح والقتل والتدمير.

ان ما وصل اليه العراق اليوم هو بلا ادنى شك احد النتائج لما مورس من سياسات انتقامية واستاصالية في حل مشكلة الاشوريين. فعندما تتعطل لغة الحوار ويتم اللجوء الى البندقية والدبابة لفرض امر واقع في بلدنا وعلى مواطنينا تكون النتائج بقدر المأساة التي نراها في العراق والتي افرزت مثل هذا النظام الصدامي المقبور، والحلبجة والمقابر الجماعية والقتل الجماعي والتدمير الممنهج لدور العبادة للطوائف المخالفة او للاديان المختلفة..