الرباط: نظم نادي الكتاب التابع للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، أول أمس الجمعة بالرباط، لقاء حول كتاب "أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية" لمؤلفه الأمريكي جون واتربوري في ترجمته العربية التي أنجزها الباحثون الجامعيون عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف فلق. واعتبر الأستاذ عبد الغني أبو العزم أن الكتاب، الذي يضم حوارات مع أغلب الزعماء والفاعلين السياسيين المغاربة وقتها موظفا النظرية الانقسامية في تحليل المجتمع المغربي خلال فترة تاريخية محددة من الناحيتين السياسية والأنتربولوجية، ترجم إلى اللغة العربية بهدف التعريف به أساسا لدى القاريء المغربي والعربي. كما اعتبر الباحث أن السؤال المحوري في هذا الصدد يتلخص في مدى التغير الحاصل بعد 34 سنة من نشر الكتاب في طريقة التعامل مع النخبة على سبيل المثال. وأضاف أبو العزم أن الكتاب، الذي لم يلامس رؤية المؤلف لليسار الماركسي حينها إلا لماما، يعتبر "ثروة مهمة" للباحثين والمشتغلين بحقل علم السياسة عموما بكثافة المعلومات التي يحتوي عليها ويعتبر من الوجهة الأكاديمية من المراجع الأساسية التي يصعب الاستغناء عنها.

وركز الأستاذ عبد الأحد السبتي على امتدادات الكتاب موضحا أن أحد هذه الامتدادات يتمثل في أن المصنف "من أمهات الكتب أي كتاب كلاسيكي" في دراسة النسق السياسي المغربي، و"كتاب متماسك وقوي بأطروحة سواء اتفق معها أو اختلف" مضيفا أن الامتداد الآخر يتمثل في محاولة التأويل أي محاولة تفسير إشكالية الجمود الأساسية في الكتاب. وأشار السبتي إلى أن الكتاب يحيل على كتب أخرى تتناول الدولة المغربية من منظور انتربولوجي من قبيل دراسات عبد الله حمودي حول التماثل بين المخزن والزاوية، وكتاب ريمي لوفو "الفلاح المغربي مدافع عن العرش" الذي يكمل وجهة نظر جون ووتربيري ويدرس الآليات ذاتها المتعلقة بالنخبة المحلية خاصة في البادية.

ويتعلق الامتداد الآخر - يقول عبد الأحد السبتي - بالتساؤل حول مدى إمكانية اعتبار كتاب ووتربوري الذي وضع قبل أربعين سنة "تأريخا لنسق سياسي" مذكرا بشهادة المؤرخ شارل أندري جوليان الذي اعتبر أن الكاتب يتميز "بالنزاهة الفكرية" و"جودة المعلومات". أما الأستاذ عبد اللطيف فلق فقد أكد أن الأمر يتعلق بكتاب أطروحة متين وإحالي على كتب أخرى من قبيل كتابات ريزيت وكينيث براون وألبير عياش وغيرهم مشيرا إلى ضرورة الربط بين واجب الباحث وواجب المواطنة المسؤولة حين الترجمة لتقريب الكتاب من القاريء وبالتالي "تكسير أسطوريته". ورأى فلق أن مسلمات هذا النسق تتمثل في التوتر والتوازن وليس الجمود ومركزية جهاز المخزن وتمثل الهدف الاستراتيجي للجهاز بآلياته وإمكانياته التقليدية الموروثة العصرية الحديثة في البقاء بجميع الوسائل، واستعمال العنف بطريقة وقائية رادعة تضمن إعادة التوازن.

وخلص الباحث من مسلماته إلى أن الأمر يتعلق بنسق نغلق اعتبارا لتغييب الفاعل المؤثر الخارجي في الأحداث وتوجيه الاستراتيجيات، والطابع الميكانيكي الدوري للتفاعلات ففيه بالتالي تغييب للمجتمع كفاعل دايا إلى قراءة ووتربوري بعيون معاصرة وبنظرة غير مكبلة بالانبهارية. وكان الأستاذ حسن طارق قد اعتبر، في قراءة تقديمية للكتاب، الذي استنبط المنهج الانقسامي في تحليل المجتمع، أنه تركيب نظري ضخم لسيرورة التحولات والوقائع الاجتماعية منذ الاستقلال إلى منتصف الستينيات مشيرا إلى أنه أيضا عمل مؤسس يمكن اعتباره أهم ما أنجز في مجاله ولا يمكن بالتالي قراءة المغرب السياسي دون الاعتماد عليه. وأوضح طارق أن الإشكالية المركزية التي ينبني عليها الكتاب هي جدلية التوتر والجمود باعتبارها طرفي نقيض تعايشا خلال الفترة من 1956 و1965 "فترة خميرة المغرب الحديث" وهي فترة "حاسمة استمد الكتاب هالته منها" موضحا أنها فترة كل الرهانات والصراعات بين الفاعلين والمشروعيات خاصة منها الحركة الوطنية. وأوضح الباحث أن التوتر تجلى في الدعوات المتتالية للإصلاح وانتظارات مختلف الأطراف المعنية (نقابات ، أحزاب، مواطنون، ...) مما أدى إلى حدوث غليان في مواجهة الجمود في الأفق السياسي وغياب الأجوبة على الانتظارات مشيرا إلى أن التوتر لا ينتج تحولات سياسية وهي جدلية انطلق منها ووتربيري وحاول تفكيكها.

ودفاعا عن فرضية أن التوتر يساعد على تقوية الوحدات المكونة في مجتمع يبحث عن التوازنات، يرى ووتربوري أن هناك ثلاثة أبواب أساسية هي تأمل الأصول التاريخية والاقتصادية والاجتماعية للدول المغربية سنة 1956، ومحاولة في التأويل أي تفسير إشكالية الجمود الأساسية في الكتاب، والفصائل الانقسامية التي تحدد الصراعات داخل المجتمع المغربي. وبخصوص هذه الفصائل الانقسامية، حسب ووتربوري، حددها الباحث في ثلاثة تكمن في مشاعر الانتماء للدين والقبيلة والأسرة والحي.. (عائلتا الفاسي والوزاني ببنية مدينية واحدة مثلا)، والانقسام تبعا لأهداف مادية عقلانية ( بين تجار سوس وتجار فاس مثلا)، والانقسام تبعا للبنيات الحديثة، التي تعتبر امتدادا للبنيات التقليدية (من قبيل الأحزاب والنقابات وغيرها).

وتحدث حسن طارق عن قيام المؤلف بالتعريف الإجرائي للنخبة السياسية باعتبارها الفئة المؤثرة في اتخاذ القرار (الجمعيات، القبائل، العلماء، الأثرياء، المثقفون، الشرفاء، المعارضة...) مشيرا إلى الهياكل الكبرى للنخبة المتمثلة في البورجوازية الحضرية واستراتيجية المصاهرة السياسية لدى العائلات الفاسية الأرستقراطية الفلاحية. وأشار إلى ما أسماه ووتربوري ب "غنيمة النصر" بمعنى مبادرات الدولة التي تخلق طبق مهيمنة عبر استراتيجيات اقتصادية وسياسية وغيرها مضيفا أن الكتاب يتناول في أحد أبوابه الرهانات المزدوجة المتمثلة في الهيمنة على النخبة السياسية، وهيمنة هذه النخبة على المجتمع وكذا السياقات السياسية للحياة الحزبية في العقد الأول من الاستقلال. فما يسميه ووتربوري "دينامية السيرورة الانقسامية للنخبة" ، يقول حسن طارق، تحاول تفسير الانشقاقات الحزبية الحزبية التي شهدتها الفترة مشيرا إلى التكتيكات المستعملة للتحكم في النخبة من قبيل الشائعات والتعيينات والتعيينات المسبقة أو الوعود بالتعيينات.

وخصص ووتربوري الجزء الأخير من كتابه لأدوات التحكم في النخبة السياسية والمتمثلة في البيروقراطية (الإدارة)، والداخلية، والجيش، والديوان، والعدالة، والدعاية والصحافة. وكان جون ووتربوري قد أقام بالمغرب في إطار منحة جامعية ما بين سنتي 1975 و1967 وأنهى بحثه الأكاديمي في مستهل سنة 1969 باللغة الإنجليزية قبل أن يضيف إليه تعليقات بمناسبة صدور الطبعة الفرنسية للكتاب سنة 1975. يشار إلى أن ترجمة الكتاب، التي نزلت إلى الأسواق ابتداء من أمس الجمعة في طبعة ثالثة، قد صدر لأول مرة سنة 1982 عن دار الوحدة ببيروت حاملا إسم الصحافي اللبناني ماجد نعمة والإسم المستعار عبود عطية قبل أن تصدر الطبعة الثانية المزيدة والمصححة والمنقحة سنة 2004