خيط رفيع بين الخجل والفوبيا :
مرض "مهمل " والعلاج "على أصحابه"


ياسمين علي: "إلي اختشو ماتوا " .. حقا متى حدث هذا ؟! هل تخلصت البشرية من " مرض الخجل ". كيف ماتوا ، هل كان قتلهم أو انتظار موتهم هو العلاج الوحيد المتوفر ، أم أنها مقولة حاولت إدانة الجرأة فظلمت الخجل .
وجه أحمر.. ، يدان متعرقتان ، وعدم القدرة على الكلام ، عوارض عانى منها كل إنسان خلال مراحل معينة من حياته . فئة تمكنت من التخلص منها وفئة أخرى تغلبت على قسم منها وأخيرا وفئة لم تتمكن من التخلص منها فتطورت معها وتحولت الى حالة " مزعجة " مرضية في بعض الأحيان .
يميل البعض إلى اعتبار الخجل جزءا من شخصية الفرد ، فالخجول خجول بطبعه والجريء جريء بطبعه ،حتى ان البعض قام بتوزيع الخجل حسب الجنس فالفتاة غير الخجولة ، وقحة .. والشاب الخجول أبله .
فما هو الخجل وما هي أسبابه ، هل هو حالة نفسية أم أنه مرض جسدي ؟

ما هو الخجل ؟

من الصعوبة بمكان تحديد تعريف خاص للخجل ، لكنه ووفقا لخبراء الصحة نوع من أنواع القلق الإجتماعي الذي يؤدي إلى خلق مشاعر تتنوع بين القلق و التوتر البسيط في بعض الحالات العادية، إلى مشاعر الرهبة والهلع في حالات الخجل الشديد وهو ما يمكن تصنيفه بمرض القلق والتوتر . وبما أن النتيجة المباشرة للخجل هي الشعور بالوحدة والإنعزال عن المجتمع فإنه المسبب الأول لمرض الإكتئاب . إذن الخجل ليس حالة طبيعية عابرة قد تختفي مع مرور الزمن أو الإختلاط الإجتماعي أو النضوج وإنما حالة مزمنة قد تتطور إلى حالة مرضية أخرى تعوق تقدم الإنسان نفسيا و إجتماعيا . وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الخجل في مراحله الأولى وبين الخجل الإجتماعي في مراحله المتقدمة ، فالأول يحمل معان مستحبة إجتماعيا و دينيا لأنه ووفقا للمفاهيم الشائعة دليل على حسن التربية . أما الخجل أو الرهبة الإجتماعية ، و هو من أكثر الأمراض النفسية إنتشارا بين مجموع أي شعب بنسبة 12.8% ، ويصاب به الأطفال والمراهقون والكبار . وبين الأولى والثانية خيط رفيع .

من الخجل إلى الفوبيا ..

لعل مفهوم الخجل قد التبس على البعض ، فتم خلطه ببعض المحظورات الإجتماعية من جهة أو إستعماله " كمفردة " للدلالة على بعض " المشاكل " التي لا علاقة لها به لا من قريب أو بعيد . فهناك من يخجل من الحديث عن الجنس ، أو الإفصاح عن مرض عضوي ما.فما علاقة الجنس بالخجل.. الأصح أنه لا يخجل وإنما يخاف إلى حد ما من الحديث عن هذا الموضوع غير المقبول إجتماعيا . أو هناك من تخجل من ارتداء الملابس الفاضحة .. هي لا تخجل وإنما قد تكون غارقة حتى أذنيها في عقدة الجسد ،أو غير مرتاحة مع جسدها أو أنها عالقة في شبكة من التعقيدات الإجتماعية والدينية . إلا أن هذا الخلط لا يعني بالضرورة " تفاهة" الخجل أو "تجاهله " كما يحدث على أرض الواقع . فالخجل في مراحله الأولى حالة يعاني منه عدد كبير من الأشخاص ، وخطورته تكمن في رمي عبء " الخروج " منه على الشخص مع العلم أنه من المرجح تحوله إلى حالة مرضية ، الفوبيا، و التي تتطلب سنوات من العلاج .
بشكل عام يمكن تقسيم عوارض الخجل إلى ثلاثة أقسام ، القسم الأول وهو المعروف بالعوارض السلوكية والمتمثلة بقلة التحدث بحضور الغرباء والنظر دائما لأي شيء عدا من يتحدث معه الشخص ،و تجنب لقاء الغرباء أو الأفراد غير المعروفين .كما قد تتضمن أيضا مشاعر الضيق عند الإضطرار لبدء الحديث أولا و عدم القدرة على التكلم في المناسبات الإجتماعية والشعور بالإحراج الشديد في حال تم تكليف الشخص بذلك ، إضافة إلى التردد في التطوع لأداء مهام فردية أو إجتماعية أي كل ما يتعلق بالإختلاط بالأخرين .
أما القسم الثاني فهو العوارض الجسدية وتتمثل بزيادة النبض ومشاكل وآلام في المعدة ، والحالة المعروفة بشكل عام وهي رطوبة وعرق زائد في اليدين والكفين تصاحبها دقات قلب سريعة و جفاف في الفم والحلق ،والإرتجاف والإرتعاش اللإرادي .
أما القسم الثالث فهو الأعراض الإنفعالية الداخلية أو المشاعر النفسية وتشمل التركيز على النفس والشعور بالإحراج وعدم الأمان والشعور بالنقص في معظم الأحيان ما يؤدي إلى محاولة البقاء بعيدا عن الأضواء.
والنتيجة عدم الشعور بالرضى عن النفس والخوف من الرفض أو الصد وبالتالي الميل إلى الإنعزال ، أي كل يعوق تقدم الإنسان إجتماعيا .
ويجب التمييز هنا بين الخجل والخوف الإجتماعي ، فالثاني يمثل سلوكيات أكثر إتساعا وإختلافا من الأول ، إلا أنه لا يمكن إعتبار كليهما إضطربا عقليا . فإن المصابين بالخجل ليسوا بالضرورة مصابين بالتخوف الإجتماعي أو الفوبيا فمثلا قد لا يحضر الخجول حفلة لعدم شعوره بالراحة هناك لكن ذلك لا يمنعهم من الإختلاط الإجتماعي . كما أن المصاب بالفوبيا قد يخشى من تناول طعامه في مكان عام ، لكنه قد لا يكون خجولا في مواقف أخرى . فمن ميزات الخجل بين البالغين أن هؤلا يدركون أنهم يعانون منه ، أما محاولات التخلص فتتراوح بين محاولات فردية إلى "تجاهل " الموضوع برمته .


أسباب الخجل

لخجل وخلافا للمفهوم الشائع لا علاقة له بنسبة كبيرة بشخصية الفرد فهو بالدرجة الأولى وراثي ، ويمكن ربطه بشكل مباشر بالسبب البيولوجي فحوالى 10 إلى 15% من الأطفال يولودن ولديهم ميل لأن يكونوا خجولين بصورة غير طبيعية ، بينما الباقون يصبحون خجولين إما لأنهم بدون مهارات إجتماعية أو بسبب الخوف من عدم تقبل الآخرين لهم أو الخوف من السخرية .. وهو ما يعرف بعدم الثقة بالنفس . وعدم الثقة بالنفس هذه تعود إلى أسباب بيئية تولد نتيجة حوادث أو سوء تربية في المنزل أو أحداث معينة في المدرسة . كما أن الخجل قد يولد نتيجة لأسباب صحية ، ومنها النقص في تغذية الحامل أو إصابتها بالإرهاق الجسماني والإضطربات النفسية ما يترك أثره على الجهاز العصبي للجنين .إذن الخجل وراثي بيولوجي تبدأ عوارضه بالظهور مع الطفل الذي يميل إلى الإحتماء بوالدته أو والده في حال وجود شخص غريب أو إلى إخفاء وجهه بيديه حين يتم التوجه بالحديث المباشر إليه ، لتتطور معه إلى الإنزواء وعدم المشاركة في النشاطات الإجتماعية .
المسؤولية هنا تقع على الأهل ، فالتعامل مع خجل الطفل عادة ينحصر إما بنهره أو تركه يتصرف على سجيته الخجولة معتبرين أنها حالة مؤقتة لا تلبث أن تختفي حين ينضج . ونتيجة لهذه العزلة خلال الطفولة ، يميل هذا الطفل خلال سنوات المراهقة إلى فقدان الحد الأدنى من المهارات الإجتماعية المطلوبة . وفي حال سلمنا جدلا أنه مرض وراثي بيولوجي نفسي ، فبالتالي لا بد من وجود دواء لهذا المرض إلى جانب العلاج النفسي.


دواء للخجل وعملية جراحية لحمرته ..

قد يميل البعض إلى " الهزء " بدواء يعالج آفة نفسية أو إجتماعية ، فوظيفة الدواء كما هو معروف تعديل إختلال وظيفي ما في الجسد . فإن كان الإكتئاب مرض جسدي بالدرجة الأولى فلما لا يكون الخجل .. فكليهما نتيجة انخفاض أو زيادة بعض المواد الكيميائية في الجسد. إذن يمكنك التوجه إلى أقرب صيدلية وشراء دواء من أجل حياة بلا خجل .وتكمن فعالية هذا الدواء في تأثيره على مستويات مادة كيميائية في الدماغ إسمها سيروتونين وهي التي تتحكم في المزاج عند الإنسان .ما يثير عدة اسئلة ، فهذا الخجول الذي ونتيجة لعزلة فرضها حول نفسه إفتقد للحد الأدنى من إمكانية التواصل الإجتماعي ، واكتسب عادات خاصة به تغلغت في شخصيته .. فهل سيزوده هذا الدواء بهذه المهارات من دون علاج نفسي أو حتى تدريب إجتماعي . في المقابل تبرز العمليات الجراحية أيضا في معالجة الخجل .. ربما الأجدى القول القضاء على " حمرة الخجل" وترك كل " الشوائب" الأخرى على حالها .فحمرة الخجل هي الدليل الأول الذي يظهر في موقف محرج ، وتشير الإحصائيات إلى أن واحدا من أصل عشرة يعاني من حمرة الخجل في مواقف قد تكون "محرجة " للبعض وقد لا تكون محرجة للبعض الآخر .وبعيدا عن العلاج النفسي للخجل في مراحله الأولى أو الفوبيا في مراحلها المتطورة فإن الاطباء باتوا قادرين على معالجة الأعراض الجسدية بطريقة أسرع .
من المعروف أن الجسد يصاب بحرارة مفرطة عند الشعور بالقلق أو الإحراج ما يدفع بالشعيرات القريبة من الجلد التي تنقل الدم إلى التوسع من أجل تبريد الجسم ، لكنها في الوقت نفسه تسبب إحمرارا في الوجه . أما الآن فيمكن التخلص من هذا الإحمرار و بسهولة عبر "جراحة الثقب" والتي هي عبارة عن إحداث فتحة صغيرة في الجسم وفي هذه الحالة من منطقة الإبط لقطع العصب الموجود ضمن مجموعة الأعصاب التي تسمى بالمنظومة السيمباتية ، والتي تنقل الدم إلى الوجه لوقف الإحساس بالقلق لدى المريض وبالتالي القضاء على الإحمرار خجلا .
إذن لقد توقف الخجول عن الإحمرار .. لكنه هل تخلى فعلا عن خجله ؟

.."سأموت من الخجل لو رأني أحد أقوم بذلك " .. جملة تتكرر يوميا أو حتى قد نرددها أنفسنا .. فلا خوف الخجل لم يسبب الموت لأحد لغاية الآن ، وإن كان السبب الأول لقتل أي حياة إجتماعية وأي ثقة بالنفس . الخجل " مرض" وليس حالة يمكن تخطيها .. البعض حاول و نجح من خلال نضجه إلى التخلي عنها والبعض الآخر علق فيها .. المسؤولية لا تقع على أحد ، فهناك عدم إطلاع على " خطورة " هذا المفهوم الذي عمم على كل ما لا يرتبط به .لعلها مسؤولية المجتمع بشكل عام ، هذا المجتمع الذي يميل عادة إلى " الإستهتار" بأي خلل وظيفي نفسي .. فان كان البعض يعتبر الإكتئاب " دلعا فكيف الحال في وضع الخجل؟