قليلةٌ جدا، الحركات الفنية والفكرية التي واجهت رفضا، في أسكندنافيا، كالرفض الذي واجهته الحركة السريالية. فلأول مرة يشهد تاريخ دولها، النرويج، الدنمارك والسويد، تحالفا واضحا بين الأشتراكيين والمسيحيين لمواجهة اتجاه فكري وفني جديد. فالأشتراكيون أعتبروها تيارا رجعيا يعيق تطور الحركة الفنية الثورية، وما تغليبها للجوانب الذاتية والنفسية، سوى حرف لمسار الصراع الإجتماعي. أما المسيحيون فشعروا ان خطرها لا يقل عن خطر الأفكار الملحدة، وحسبوا إشهار لوحاتها، وبقية وسائلها التعبيرية، للحرية الجسدية، أفشاء للاباحية الجنسية المبتذلة. ومع أزدياد نشاط الحركة السريالية، في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، أرتفعت درجة توتر علاقتها مع تلك القوى، الى مستوى عدائي سافر، وصل الى حد اقتحام الشرطة الدنماركية بيت الرسام السريالي فيلهيلم فريدي وحجز كل لوحاته بحجة "خلاعيتها" وأخلالها بالآداب العامة. ولم يتوقف الجدل، الذي صاحب انطلاقتها، حتى بعد أنتشار الحركة عالميا وأتساع مركز تأثيرها الباريسي. فالسوريالية الأسكندنافية، وخلال عقودها الطويلة، ظلت خاصة وغريبة ومثيرة للبحث حتى اللحظة، وهذا ما دفع متحف الفنون التشكيلية في مدينة غوتنبورغ للتفكير بأقامة معرض شامل لها، غطى فترة نشاطها التأسيسي مابين الأعوام ( 193 ـ 1950 ) من القرن الماضي.
القلق والحاجة
أطلق منظموا المعرض عليه أسم "القلق والحاجة" تعبيرا عن الحالة التاريخية التي عاشتها السريالية الأسكندنافية. ومن أجل أعطاء فكرة شاملة عن نشاطها، عرضوا أعمالا منوعة لفنانين من مختلف الدول الأسكندنافية. ورغم أشتراك متحف بيرغين من أسلو بقسط جيد من المعرض والاستعانة الكبيرة بمقتنيات الجامع الفني رولف ستينيرسين، فقد طغى الحضور الدنماركي على بقية الدول. وكانت أعمال فنانيها الأكثر ابهارا فيه. تقول لينا بوتيوس المشرفة على المعرض.. لحسن الحظ ان الأمر هنا لا يتعلق بسباق بين الدول. ولا معنى حقيقي للتسابق فيها، بالرغم ما توحيه هذة المفردة من أنطباع عن مدى وسرعة "السبق" لتقبل الحداثة في هذا البلد أوذاك. وإذا أردنا الدقة هنا فأن "جماعة هالمستاد" السويدية لها السبق والطليعة في التقرب من الاتجاه السريالي الجديد. فكانت أول المتحرين عن خطوات السريالية في قصائد ابولينير عام 1917. أي قبل سنوات من بيانها الأول الذي نشره أندريه بريتون، وهذا يأتي في صالح الحركة التي لم تقبل الخضوع لل" دوغمات " خلال فترات التغيير. وتضيف بوتيوس.. الشيء المهم ان يخرج المرء بعد مشاهدته المعرض بفكرة واضحة عن جغرافية ظهور الحركة وأسلوبها وفترتها الزمنية. أن يوفر مساحة تسمح بالمقارنة بين طبيعتها الأسكندنافية وغيرها من السرياليات، أختلافها الفني، خارجيا وزمانيا، وهذا ما نجح فيه المعرض.
فوارق وخصوصيات
الناقد السويدي كريسبين آلستروم يتلمس المقارنات بشكل أقرب.. السريالية هي أكثر حركة، على الاطلاق، أخذت التحليل النفسي مأخذ الجد. فكل النظريات التي ظهرت في القرن التاسع عشر لم توليه اهتماما مقاربا، بما فيها الماركسية، ولهذا جاء التقاطع الحاد بين الاتجاهين. الماركسية أكتسبت راديكاليتها من بعدها الاجتماعي، في حين حولت السريالية النظرة الإجتماعية الى الانسان نفسه، بتعبير أخر أختلفت عن الماركسية بأنتقالها الى داخل الانسان في حين بقت الأخرى عند واجهته الخارجية. وأتسع الخلاف حتى بين السرياليين الفرنسيين الميالين الى التحليل النفسي كأتجاه ثابت يقود دوما الى حداثوية طليعية، حسب رأيهم، وبين أتجاهات أخرى ترى فيه نوعا من السلوك المحافظ. وهذا ما نلاحظه كفارق بين السريالية الدنماركية والسويدية، والى حد معين، النرويجية أيضا، كما يقول الناقد كريسبين آلستروم. نظرة لأعمال فريدي الدنماركي وآلسا ثورسين النرويجية تبين ذلك. في عملها "مدينة قديمة" هناك تزاوج بين الطبيعة والمتخيل المنفلت. ودعوة عقلانية للموائمة بين الأنسان والطبيعة الخارجية. في حين أعمال فريدي ترفض بشدة أي نوع من المساومة. أنها تدعو الى التعبير عن دواخل الأنسان راديكاليا، وبحرية، وخاصة عن القيم الجنسية، المرتبطة عضويا بوجوده.
روب فريدي الى السويد
وهذا كما يقول كريسبين آلستروم يكشف فرقا أخر بين مدرسة هالمستاد التي أرادت المشاركة مع بقية السرياليات وبين الدنماركية التي أصرت على تثبيت خصوصيتها. وهذا بدوره سيفسر السلوك الحاد للكنيسة الدنماركية ضد هذا الاتجاه والذي وصل الى درجة أجبرت فريدي على الهرب من هناك الى السويد عام 1934 والبقاء فيها حتى عام 1950 . وعن قوة هذا الاتجاه الدنماركي تكتب لينا بوتيوس.. مثل كل الاتجاهات الفنية الكبرى التي ظهرت في أوربا في بداية القرن الماضي وصلت السريالية سريعا الى دول الشمال، وصلت أولا الى الدنمارك ثم انتقلت الى "جماعة هالمستاد" في السويد ومن ثم الى النرويج. وتضيف.. بشكل ملفت للنظر أكتسب هذا الاتجاه في الدنمارك معنى استثنائيا في حياتها التشكيلية، التي سرعان ما أخذت العمل بطابعه التجريبي، وبعد حين، وتحديدا في الأربعينيات أستقرت على تعبيريته التي مثلتها جماعة "كوبرا". في السويد أخذتها جماعة هالمستاد الى "الرواد" الذين أسسوا بدورهم "جماعة الخياليين" في مدينة مالمو الجنوبية. أما النرويج فنشطت الحركة فيها أواخر الأربعينات والخمسينات. ويبقى الشيء المؤكد، كما تقول بوتيوس.. إنها جوبهت بمعارضة شديدة في كل اسكندنافيا. وأعتبرتها الكنيسة والأشتراكيون حركة منفرة، اباحية، وعديمة القيمة. ووصفت في النرويج خلال الثلاثينات بالحركة التشكيلية المزيفة وغير الأخلاقية.
نحوتة ولهلم فريدي في المعرض السوريالي العالمي الأول عام 1935
قيم مشتركة
في المقابل كانت هناك جوامع تربط الحركة في كل هذة البلدان وأهمها، حسب الناقد كريسبين آلستروم، هو بحثها الدائم عن الأنسان، بحثها المعمق لمعرفة هويته، من داخله. لقد رفضت السريالية الهيمنة البرجوازية، رفضت أسلوب حياتها وقيمها وقوانينها. لقد كان لها دون شكل حضورا سياسيا، قد يبدو "خاملا" بالمقارنة بأيامنا هذة، إلا أنه كرس حقيقة جديدة مفادها: ان الأنسان هو مركز الكون والأجدر بالبحث والاحترام. وهذا يفسر، السبب الحقيقي، وراء اقامة معرض غوتبورغ الحالي، بعد كل هذا التاريخ الحافل والطويل.
معرض السريالية الأسكندنافية في غوتنبورغيستمر حتى شهر أكتوبر من العام الحالي.
ـ تعرض فيه أعمال لفنانين سرياليين من الدنمارك: فيلهيلم بيركة ـ بيدرسن، ريتشارد مورتينسين، فيلهيلم فيردي، ريتا كريسين ـ لارسن، آسجر يورن، هنري هيروب.
ومن السويد: عدد من "جماعة هالمستاد" بينهم، أريك وأكسيل أولسون، آساياس ثورن، ستيلان مورنر، سفين يونسون، ومن جماعة الخياليين في سكونا: ماكس والتر سفابيرغ، غوردون أولبيرغ، سي. أو. هولتين. أما من النرويج فعرضت أعمال: بيارنة رايس، كارين هولتسمارك، بيارنه انغبيرت، وأولاف سترومه.




التعليقات