كم من البياض تحت غلاف السواد، كم من النعمة في شرارة اللعنة، كم من نكران الذات في ضمير الذات، كم من الطُهر في أتون العَهر، كم من الكياسة تحت رداء الشراسة، وكم وكم من لهيب النار في غبار البذار... هذا ما يُطالعنا به ديوان "عودة ليليت" للشاعرة "جمانة حداد" الصادر حديثاً عن دار النهار 2004.

تقول الأسطورة التي منها استوحت الشاعرة فكرة نصوصها الشعرية، واستقت عنواناً لكتابها، انّ "ليليت" هي المرأة الأولى التي خلقها الرب لا من ضلع آدم ، إنما من طينته لتكون زوجة له، ولتحيا معه في نعيم الجنّة. لكنها أبت الخضوع والطاعة، وعافت "النَعَم" في نِعَم الجنّة، مفضلةً النفي والسقوط إلى قفرٍ تحيا فيه في "اللا" لبوءةً بين الضباع.
والشاعرة تُعيد "ليليت" من منفاها، من خيال الأسطورة إلى خيال الشعر، مبتكرةً عودتها في ثلاثة نصوص تحمل العنوان ذاته الذي للمجموعة. وهي عبارة عن قصيدة ومشهد درامي ونص تجريبي، مستهلةً كل منها بنشيد لواحدة من بنات "ليليت" الثلاث. وهي إذ تُعيد خلقها، فبروحٍ مُرهفة، ومُخيلة مُسكرة، وإحساس شعري عميق وحارق، مازجةً "الكثير" من حقائقها الشخصية كأنثى شاعرة، وكإنسانة تهجس بالعناصر الخارقة الكامنة في ماوراء طبيعة الذات واللاشعور، "بالقليل" من خُرافة "ليليت"، جاعلةً من "ليليت" الشعر أجمل بكثير من "ليليت" الأسطورة.
و"ليليت" جمانة حداد مخلوقة لا من "تراب" بل من "نار"، وهي عائدة لا لتقول "نعم" بل لتعلمنا قول"لا" ولتكون "شيطانة الخلوات" و"لتوقظ الدغل وبحارة الدغل" و "لتلج الشرود وتمد يدها إلى ما تحت الخيال". عائدة كي ترينا البون الشاسع بين جنّة جحيمها وجحيم جنّتنا.
والملفت أنّ لغلاف ديوان الشاعرة رديف يشتعل بشدّة في الذاكرة، ألا وهو غلاف الترجمة العربية لكتاب "غاستون باشلار" "النار في التحليل النفسي". فعدا عن السواد الباهر، الجذّاب، المُلغز" الذي يحتّل المساحة الأكبر في كلي الغلافين، فإنّ النار الملتهبة في باطن ذاك الوجه على غلاف كتاب باشلار، والتي لا تغطي ألسنتها سوى الفم والأنف من دون أن تحرقهما، فيما العينان الشبيهتان بعنيْ قطة سوداء تمارسان سحرهما على النار فتؤججانها أكثر، هذه النار السالفة الذكر تبدو أقلّ سحراً ولغزاً وعنفاً وإثارةً من جسد امرأة "هنري ماتيس"( الذي على غلاف ديوان حداد) المتقد بريشته البارعة ، وأيضاً من جسد "ليليت" الملتهب بشاعرية جمانة حداد الحارقة. إنّ عشق "ماتيس" للألوان الزاخرة، المشبّعة دفئاً والتي تبدو كأنها لحم فوق لحم الجسد الذي يرسمه، وولعه بإظهار التباين اللوني، كأنّ الجسد يقول أنا ذو طبيعتين متآلفتين ومتضادتين، وعشقه للخطوط المنحنية الحسيّة الصارخة اللاهبة التي تمنح الجسد بُعداً شهوانياً يعجز عنه العراء نفسه، كل هذا يتماهى مع طبيعة "ليليت" جمانة حداد المضطرمة التي رسمتها شعراً وأيضاً مع طبيعة "النار" نفسها.
يقول "غاستون باشلار" في كتاب "النار": "هكذا هي النار، ظاهرة ذات امتياز يمكنها أن تُفسّر كلّ شيء. وإذا كان كلّ ما يتغيّر بطيئاً تفسّره الحياة، فإنّ كل ما يتغيّر سريعاً تفسّره النار. فالنار هي الحيّ الأعلى وهي داخلية وخارجية. تحيا في قلوبنا وتحيا في السماء. تصّاعد من أعماق الجوهر وتتبدّى لنا حُبّاً، ثم تعود فتهبط إلى قلب المادّة وتختفي كامنةً، منطوية، كالحقد والإنتقام. وهي الوحيدة من بين الظاهرات التي يُمكنها أن تتقبّل كلتا القيمتين المتضادتين: الخير والشّر. تتألق في الفردوس، وتستعرّ في الجحيم؛ عُذوبة وعذاب، مختبر بداية ورؤيا نهاية".
وليس أكثر من المفردات التي تلتهب بها نصوص حداد، والمعاني التي تضطرم فيها شاعريتها. فمفردات مثل: تبكيت، نقاء، طُهر، نشوة، اشتعال، زئير، جوع، لهفة، بركان، وسواس، جمر وغيرها...كلها تُثير فينا حرارة ما، ليست خوفاً بقدر ما هي رغبةً في التلاشي في اللهب، ليكون موتنا كونياً واقلّ عُزلة. تقول "ليليت": "من الجنّة أعود لأني رسولة الجحيم". هذه الطبيعة المزدوجة للنار تتجلّى في شخصية "ليليت" العائدة من فتحة في السماء كما من باطن الأرض. وهي تعود دائماً كالفينيق لأنها "ضمير النوم الخفيف"، وتبتلع نفسها في لهيبها كالسمندل " آكل جسدي كي لا أُعيّر بالجوع". و"ليليت" حورية البركان والتي يدها رغبة شعواء، والشيطانة ( والشيطان مارجٌ من لهب) تُطالب في أن تُجوّع "جوّعوني لتشتعل العطور" وأيضاً في أن تُطمّع، فهي بمعنى ما تُطالب في أن تُكثّف وتُركّزُ لتغدو إكسير الحياة.
ثمة نار تلوح في أعماق التأمّل وفي مركز الأرض التي تلد وتُنْبت. ثمة جمر في منجم المرأة يقتضي التنقيب عنه إمّا القتل أو تبكيت الضمير! هي نار باردة هذه التي تُهدّدنا بها الشاعرة، فهي لا تودّ حرقنا بل تحرّقنا، ليتأجج شعرها في أذهاننا. فالنار التي تلتهم كل شيء ستزول! ولذلك فهي فقط تُهدّد! ونار جمانة حداد هي بركان في رغيف! وهي من احتكاك فخذين باردتين! وهي حرائق أحلام ولذة "لا" وصول. إذن هي نار الجوهر؛ النار الباطنية اللاطبيعية التي تأخذ شكل دخان أبيض لتضلّل الزوارق، والتي لا تني تبوح بما في السواد بياضاً، وبما في البياض سواداً.
و"ليليت" جمانة حداد الشرسة، الوقحة، الصيادة، ومفسدة إبليس، ما كُنا لنهابها ونحترمها في الوقت عينه، لو لم تكن مخلوقة من نار. فكما يقول "باشلار": "نحن نخاف الشوك، لكننا لا نحترمه مثلما نحترم النار التي نخافها". والنار ليست موضوع احترام وحسب، إنما هي أيضاً موضوع عبادة وتطهير وخَلْق ولاوعي ووعي وفلسفة بحدّ ذاتها إذ ترمز إلى الحكمة، وهي بذلك موضوع حياتنا بأسرها وسُكنانا. وما من شيء يُسوقنا إلى النهايات القصوى في طبيعتنا يكاد يخلو من لِظاها. فحدّة الذُهن وليدة النار، والعطش الجنسي أيضاً، والتوق إلى الحريّة، والإدمان الخ...ولعلّ المُدمن على التدخين مثلاً مُتيقن أنّ ما من لذّة أُخرى مبعثها أيّ عنصر آخر من عناصر الطبيعة (التراب، الماء، الهواء) تستطيع أن تُعوّض لذّته القصوى في أكل النار!
والحال أننا من دون النار لا نُحبّ ولا نرغب ولا نَقهر ولا نُقهر ولا نُبدع ولا نخون ولا... وتبقى دوننا متعة الوصول, ومن هنا فإنّ شاعرية جمانة حداد لم تكن لتصل إلى تأجيج كيان "ليليت" الأسطوري والشعري في أذهاننا لولا تلك النار المتوهجة في جوفها؛ نار الأنوثة المصطلية شعراً. و"النار" مفردة "مؤنثة" في اللغة وفي الفعل، لكنّ ما يجمعها بالذكورة ليس أقلّه حبّ الإستحواذ والإمتلاك، والغضب، والقذف في الفعل الجنسي. فالنار في معناها الميتافيزيقي هي أنوثة مُطلقة، رحم ولادة، أُم أُولى وُلد منها الكون، وفي حِممها تكوّنت المعادن التي لا يُصهرها شيء غيرها. لكنها أيضاً ذكورة مطلقة تقوم عن طريق التأمل والتركيز بفتح الأجسام واكتشاف كُنهها، تماماً كما فعل "ماتيس" في لوحته مثلاً، إذ فتح بناره النيران المُغلقة في جسد تلك المرأة. والنار هي البداية والنهاية، وهي ملتقى الأضداد، وهي تجدّد الحياة، والسبيل إلى النقاء، وليس مُستغرباً أنً كل ما يُلامسها يغدو محطّ إكبارنا وإعجابنا، من قطعة زجاج إلى كلمة إلى قصيدة إلى لوحة إلى معزوفة إلى قلبٍ مُتيّم.
إذن تأتينا جمانة حداد بنارها من فوق ، من علياء الخيال وأساطيره، وتأتينا من تحت، من باطن الزمن ورحم أُمنا الأولى. هي على اليمين وعلى الشمال وبين ظهرانينا لأنها الضدّان لكلّ احتمالٍ فينا. ضدان "لا يكتمل أسودهما إلا بأبيضهما". وتقول الشاعرة على لسان"ليليت": "حارسة البئر أنا وملتقى الأضداد". ولعبة الأضداد هذه تُجيدهاالشاعرة بالفطرة عبر موهبتها الشعرية، وأيضاً بالتجربة عبر التأمل في الحياة وطبيعتها ذات الوجهين. فنصوص حداد تشي بنضج في الرؤيا، وكثافة في التعبير، وتملّك للغة، وحساسية عالية تجاه انتقاء المفردات. إذن تعيد الشاعرة"ليليت" لتصنع قدرنا وقدرها من الشعر، ومن شرور الشعر وحده، لا من مآسي التاريخ ولا من أوهام المستقبل. فالأسطورة هنا وسيلة وليست غاية بحدّ ذاتها، و"ليليت" ما هي إلاّ طريقنا إلى المعرفة، إلى الحكمة.
تفتتح الشاعرة جملة "الخَلق" الشعرية بمبتدآن (بنصين تحت عنوان مبتدأ أول ومبتدأ ثانٍ) لا خبر لهما سوى صيرورة هذا الإبتداء المتواصل إلى ما لانهاية، وسيرورة هذا البحث المطلق عن المعرفة. ف"الخبر" مهما انقشّع وتجلّى، يبقى غامضاً، متغيّراً، ونسبيّاً، ودونه الإحاطة بتضاعيف هذا الكائن الأصل "ليليت" والتي"لا يُقبض عليها وتلوح في الأفق" و"التي تخون" و"التي الخطيئة إذ تصلي". ونلاحظ أنّ نصّ "المبتدأ الأول"جاء على لسان "ليليت" نفسها من خلال ضمير"الأنا" المتكلم، في حين أنّ نصّ "المبتدأ الثاني" جاء على لسان ليليت أُخرى (أي الشاعرة) بينما هي تنظر إلى "ليليت" في مرآتها مُشيرةً إليها بٍ"التي". وتقول:"خُذوها مني، من الأحلام المستديرة كاللون الأزرق"، أي خذوا "ليليت" الأسطورة من "ليليت" الواقع، خذوا "التي" من "الأنا". وهنا مفارقة تكتبها الشاعرة، حيث أنّ الأرضي هو عادةً ما يتماهى والسماوي وليس العكس! وجرأتها تكمن في جعل الميثولوجي اللامحدود ينطلق من بوتقة الواقعي المحدود. فضمير "الأنا" في هذا الشعر يتمطّى ويتّسع ليخرج من حدود معرفته الآنية إلى فضاء الخيال المُطلق. ولعلّ أكثر ما يُميّز "ليليت" جمانة حداد هو نقضها أو قلبها للموروث الديني والأخلاقي، وللمفهوم السائد في الوجود عن أن الأصل في "الطاعة"، وأن الإنسان مفطور على الخير، وأنّ الشيطان نفسه كان مُطيعاً في البدء قبل خلق آدم!! لكنّ ما تقول به "ليليت" هو أنّ الأصل في العصيان، في الرفض، ورفضها ليس من باب التمرّد الأحمق، إنما من باب السعي إلى المعرفة والتجربة والإختبار، حتى ولو كلّفها هذا، النفي والتشرّد واللعنة. ف"ليليت" ترفض من أجل أن "تكون" لأن انعدامها يكمن في الطاعة، وهي لا تأبه بلعنات النساء "الحواءات" لأنها هي نفسها "اللعنة" التي تسبّبت بخلقهن! ولكأن حوّاء خُلقت من ضلع "ليليت"! فهي لا ترمز فقط إلى ضعف ألأنثى تجاه الذكر وتبعيتها له، بل أيضاً إلى ضعفها تجاه نفسها وإغفالها لمكامن القوّة المتاصلة فيها، وتالياً عدم تبعيتها لِ"ليليت" التي أنجبتها.
ولا تني الشاعرة تُشير على لسان "ليليت" إلى النساء السبع الكامنة فيها. إنّ كلّ حبّة في السنبلة تُنبت سبع سنابل، وكل سنبلة بمئة حبّة وهكذا دواليك...فالنساء السبع داخل "ليليت" هنّ في الحقيقة كلّ النساء، و"سنبلة واحدة هي القمح كلّه" على حدّ قول "اوكتافيوباث"، ولذا تصف الشاعرة "ليليت" بقولها: "لأنها الإصبع تنكأ الذكرى والليل يضمّ الليالي كلّها". إذن من الكمون تعود "ليليت" الأصل والتي منها خُلقت حوّاء،من أجل "إكتمال الأنوثة الناقصة"، وأيضاً من أجل "الذكورة" التي لن تستتب إلا بعودة الندّ. "له" تقول "سالومي" إبنة "ليليت": "فيا معشوقي وكاملي...أنا القلادة المخطوبة لعنقك المقطوع..من أجلك وحدك أنا عدت"، و"له" وحده تُشعل "ليليت" زهرة التين. ما يوسّع آفاق هذه الكتابة الشعرية، هو اختزانها لهذا الوعي والنضج الفكري والإنساني الذي يُخْرج مفهوم الثنائية المتمثلة بأنثى وذكر من نطاق فكرة أنهما كائنان ناقصان يُكملان بعضهما، إلى فكرة أنهما ندّان متكاملان، ما يضيف إلى شاعرية حداد بُعداً في الرؤية وعمقاً في التفكير. فالكتابة الشعرية عندها، ليست فقط صور شعرية جميلة، وتراكيب لغوية متينة، بل هي أيضاً حكمة في باطن القول. ثم أنّ "ليليت" النار هذه، ومصدر الإثارة والعصيان والحكمة والألم والحلم والأمل، هي أيضاً "ليليت" العبث. وعبثها من فسق الغريزة التي تجرح بمائها غلالة العفّة؛ عبثها في أن تُضلّل الزوارق والأذهان الراغبة في أضدادها ومفارقاتها وحقائقها المزدوجة، وتوضّح الشاعرة: "لأني الأولى والأخيرة/ المومس العذراء/ المشتهاة المهابة/ المعبودة المرذولة..."ولعلّ عبثها هو أنقى ما فيها، لأنه غريزي ولاإرادي، فطريّ وغير مفتعل، ولأنه الطبيعة الأصل، فهي كحلم شهي ومُفترس، تأتي وتروح على غفلة، هي كنارٍ خاطفة تلتهم الدنيا في رمشة عين! وتقول:"أنا ضمير النوم الخفيفـ ألبس حلماً وأخلع.../ أبعثر السماء بدهاء غيمة/ لئلا ينال عسلي أحد/ لا بيت لي ولا وسادة/ أنا الجارية العارية/ أمنح العُري زهرة معناه". والحلم الذي يسقط من سماء الطُهْر إلى أرض الإثم يبدو الأقرب للتحقق. من هنا فإنّ "ليليت" التي تلهو بأن تُشرع مدن الذكورة أمام طوفانها، "ليليت" المتمنعة، محتكرة النبيذ كله، والتي النشوة ليست في ما تمنح بل في "اللا"، تبدو الأكثر منالاً كلما نالت منا! فهي عن طيب خاطر اختارت أن تكون شيطاناً، اختارت لعناتنا، من أجلنا، من أجل أن تمنحنا زهرة الثمرة التي لا تُزهر، وحقيقة الحلم الذي لا يتحقق. شيطانة النعمة لا النقمة هي، شيطانة الحق لا الباطل، وفضيلتها الكبرى أنها ليست ملاكاًّ وأنها لا تُعطى. فهي الحبّ الذي يكون أو لا يكون، الحقيقة التي تُعذّب ضمير آدم. وها هي تعود لتخلّصه من ندمه، ولتحرّره من حوّائه، ولتحرّر حوّاء منه ومن نفسها، وترث موتها. "الشيطانة المُخلّصة" إذن هي "ليليت"، تعود لتخلّص آدم من أمور كثيرة، فالمطلوب واحد، ولتقول أنّ هذا الواحد المطلوب، لا يُؤخذ ولا يُعطى، ولكن الحكمة تكمن في الطلب نفسه، في اللاوصول، في السعي، والشهوة والرغبة والحلم والسؤال، في التيه ، وفي وَهْم نافذة، وفي الجمر أُولى الوصايا. و"ليليت" هي لسان حالها إذ تقول:" حرّة وعالية وغامضة على غرار سروة" والشاعرة إذ تجعل "ليليت" مُحالة، فلكي تُوهبنا الحلم والدهشة أيضاً على غرار سروة. فالمستحيل هو أبداً أجمل ما في الوجود.
وتعمد جمانة حداد إلى كتابة موضوعة عودة ليليت على عدة مستويات وبأصوات مختلفة. فهي لا تني تجعل من اللغة مختبراً لشاعريتها، فتارةً تكتبها قصيدة، وتارةً مشهداً درامياً، وتارة نصاً تجريبياً مشرّعاً، وأيضاً تكتبها في ثلاثة أناشيد تنشدهن الشاعرة على لسان بنات "ليليت": سالومي ونفرتيتي وبلقيس. وفي الأناشيد نقع على فكرة أنّ ثمة امرأة وراء ثلاث نساء عظيمات وراء ثلاثة رجال عظماء. ثمة أسطورة وراء حقيقة وراء تاريخ. وليليت الأسطورة تعود لتعيد التاريخ إلى الوراء وتسترجع الحقيقة الأصل" فهي الجسد الذي عاد كلمة".وهؤلاء النساء الثلاث خضعن لكبرياء جريحة، للألم، للحبّ، عدن من أجل إطعام الميّت ثمرة حقيقتهن التالية: على التاريخ الآدمي الذي أكل التفاح وندم، أن يُؤمن بآية التفاح ولا يستغفر!!
أمّا في ما يخصّ المشهد الدرامي، فهو نص يختزن غنى في المخيلة ، ومتانة في صياغة الجملة الشعرية. تكتبه الشاعرة من خلال عيون سبعة رجال هم في الحقيقة يمثلون كل ألوان طيف الذكر. وتصوغ الشاعرة نصّها بلغة سلسة تلقائية، تملأنا بالضوء والعتمة، وتتركنا كما لو أننا في صالة مسرح، مسمّرين في مقاعدنا حتى بعد انتهاء القراءة، مترعين بالمعاني والصور الشعرية العميقة، ومأخوذين "بالأُلفة" التي جمعت هؤلاء الرجال على شيطان امرأة!
وتختم
الشاعرة ديوانها بنص شعري مفتوح، خالٍ من النقاط والفواصل، ومنساب في لغته وترابط أفكاره. وهو نصّ يعتمد على التكرار والدوران أحياناً حول مفاتيح ورموز أساسية في النصّ ليعود لاحقاً للإسترسال في دفقه. هو نص يقوم على فكرة أنّ "المطلوب واحد"، فلا الإله الإله، ولا الإله الإنسان، ولا الإنسان الإنسان، في استطاعتهم الخروج من دائرة الندم والألم والوحشة والإحباط إلاّ بعودة "ليليت".
ولعلّ أكثر ما يمتعنا في نصوص "عودة ليليت" هو قراءة "الجسد" الذي تكتبه حداد. فهو جسد يزأر ويطير ويأرق ويهذي ويفتضح ويفضح ويفتح البحر وتذهب لعنته مياهاً في الأرض، وفي وسعه أن يكون "أثر" جسد أو بصمة أو حتى ارتعاشة أو كومة كسل. فهو إذن ليس إلاً الروح المتجسّدة فيه شعراً. وإذ تكتب حداد شعر الجسد، فإنها لا تكتب جِلْده بل ملمسه وضوعه ونضوحه، ولا تكتب عينه بل رؤياها وكُحلها وأديمها، ولا تكتب غريزته بل جموحها ونداها وملح عاداتها. فهو جسد مشرّع على مداه للزرقة، للبهاء، لأعجوبة الحبر، للجناح الذي يحمله إلى أعلى من نهديه وأبعد من نشوته ثم يطيّر ريشه في فضاء الخيال. هو "الليل وطائر الليل"، تتساوق رقّته وأنوثته مع فتنته وشروره. يعود ليقول أنّ "الجوع خطيئة وأنّ الشبع خطيئة"، وأنّ على أجسادنا أن تحيا وفي داخلها أنصاف ملائكة وأنصاف شياطين، يقيمون الصلاة على نهد، ويعترفون بأنّ الخيانة أصدق من الكبت، لأن الكبت هو كذب الروح، وأنّ على أجسادنا أولاً وأخيراً تماماً كما على أرواحنا، أن تحلم بالوصول ولا تصل.
تعود "ليليت" من منفاها "لتخرّب الحياة المُقبلة" وبما أنّ الحياة الحالية هي خراب أصلاً، مثاله: ندم، كبت جنسي، حواءات تقطفن، آدم فحل بلا حلم، ساكب أعمى الخ...فإنّ عودتها في الحقيقة ليست إلاّ لتخريب الخراب وإحقاق الحق.
يبقى أن نقول أنّ شعر جمانة حداد متناغم، مليء بالإيقاع، ومواظب عليه من جملة إلى أخرى. صورها الشعرية برّاقة، عميقة، مدهشة وغير نافرة أو مُضللة، فدهشة الشعر ليست بالضرورة وليدة غرابته بل أُلفته. وشعر حداد رغم أزيز ناره وجموح معانيه وعلّو نبرة"الأنا" فيه إلاّ أنّه (وهذه مفارقته) يفتننا بأُلفته، بسطوة الأُلفة على عالمه الشرس. وليس في وسعنا أمام هكذا موقد غير اعتماد مرافقنا على ركبنا، ورؤوسنا بين أيدينا، والتأمل في جمر الحبر واللغة والخيال...