سمعتُ الصباحَ في صوتكَ
عند صخور الموتِ النهري،
سمعتُه كأكثرِ الوديان سواداً
يجمعُ البَرْدَ والدفءَ في أنّةٍ واحدة.
وكان الحبُّ يتكاثرُ بين أصابعي،
ويُبيّتُ أنغامه في جذورِ الغرقى.
هذا لا يعني أنّ الظلمة
لم تستعدْ نفسها من القاع،
لكنْ، ألا يكفي المستوحشين على الجبال
انّ صوتكَ يضيء أجزاءَهم الحزينة؟
***
ثمة لمعانٌ لا يُغتفر
يُوسّع قلوب المارّة،
ويطلق عصفوراً أعمى من التفاتاتهم
حتى إذا داختْ شجرةُ حواسّي،
سمعتُ حفيفها يفرُّ من عيونهم
إلى زمنٍ آخر
ليس لوحدتي فيه أن تنتظرَ أحداً.
ما عاد الزجاج يحميني.
***
لو الهواء الذي يميّل الفراغ
يميّل الوقت أيضاً،
فيأتي سريعاً ذاك المُغنّي
فاتلاً الأرض صوب فمه
حيث الصمت ورنينه توأمان.
لو أنّي حافية في نهرٍ ما
أسير خلف أصابعه
وهو يمرّرها
على عشبٍ موروثٍ من عُمرٍ آخر
وعلى رسومٍ محفورة
لأجسادٍ سابقة،
تُرى،
كمْ كانتْ ستبدو روحي عتيقة؟
***
لم أحتمِ بالماء وإنما امّحوتُ فيه،
إذ لا داعي لجسدٍ يحدّه العماء،
لجسدٍ يُكتم.
وحدهم الموتى يحرسون أنيني
بينما يتسارع العابرون على السطوح.
***
قلتُ أنّي في ماءٍ قاتمٍ أضمحّلُ،
في طيّاتِ بَرْدٍ لم تفرد روحها
على شفاه،
ولعلّني أغفلتُ شعاعاً
كانتْ تتبادله يداك
على حافّةِ غَرَقي،
أغفلتُ أنّكَ من الموجة السابعة
كنتَ تسترجعني
مُسْتخرجاً الأصداف من حُلُمي.
***
إنّي أدور في رغبتكَ
في نقطةِ غيابٍ
تجمعُ شرودنا،
في هواءٍ تُجيدُ تنويمه
بالإشارات،
لكنْ،
من أين لدخانكَ الخادع أن يهتدي
ولخيالك البارد
أن يُبقّعَ السماء بزيته؟
انظرْ
هي خيبتي القريبة من الشجر،
تشتعل.
***
لرقصكَ المُبهم على السطوح
ظلال تمثالٍ مطمور،
ويدكَ تشهد أنّ الزمنَ الحجري
تحدّر من لمسةٍ
ما من جرح يتّسع لها.
مَنْ لم يرَ المرارة المُعلّقة على الشجر
سيفوته إنّي أحرقتكَ
وأوصيتُ الخريف
أنْ يذرّكَ في خياله.
***
غصّة أخيرة
تسحق الوهم في الحنين،
أذرعٌ سُود ترتجف في الهواء،
يبقى أن أرفع الشعلة قليلاً
وبقلبٍ صامت
أضرمُ هذا المدى الفحمي.
***
سأظلّ أهدّدكَ كي لا توقظ
طفلة اللهب،
الموتُ مُذ كان صغيراً في جسدها
أكثر غموضاً من فمٍ وحيد.
اتركْ الماجنة تتناسخ على كتفك،
اتركْها في مملكة نعاسٍ سماوية
تبحث عن حزنٍ مهجور،
ولا داعي لكلماتٍ عن الذكرى وخيطها
أو عن الملائكة والرغبات؛
هي على ضفّة أخرى
تولد شبه مُعتمة.
***
بات كلامي بجروحه وظلاله
كلاماً لا أرض له ولا نغم.
ها أنا إناءٌ مذبوح
أسيل لا كجبالٍ أو نجوم
إنما كزمنٍ
لم تتبدّ له قمة أو هاوية.
مسكونة بخيبات تتناقلها كلابُ ليلٍ
غير مُصدقّة
هذا اللاشيء الذي يملأني.
******
من مجموعة "تاجٌ على الحافّة" دار الفارابي 2004
[email protected]




التعليقات