نص مسرحية أصحاب المفاتيح
تأليف ميلان كونديرا
ترجمة سليم الجزائري

يذكر لنا الناقد "يان روتزر" في مقدمته لمسرحية "أصحاب المفاتيح" تأليف ميلان كونديرا ترجمة سليم الجزائري. مفهوما عن مسرحية الفصل الواحد "من جهة نظر المتفرج يعني هذا مشاهدة مسرحية بدون استراحة. أما من وجهة النظر الدرامية. فيعني تتبع حدث واضح مترابط، لا ينقطع منذ البداية حتى النهاية، من خلال الحفاظ على وحدات المكان والزمان والحدث في النطاق الواقعي للمسرحية" (1) وضمن هذا السياق جاءت مسرحية أصحاب المفاتيح والتي أعلنت البداية عندما رن جرس الهاتف، ذلك الرنين الذي شكل العمود الفقري للحدث فقد وضعنا أمام تساؤل هام كما تساءل في الوقت نفسه أبطال المسرحية أيضا، ولكن ظل الأمر ملتبسا من اجل استمرار اللعبة بين المرسل والمرسل إليه.
يرجي: "والسماعة إلى أذنه " نتشاص يتكلم " بدهشة متضايقا " من ؟ الآن حالا " كما لو دافع عن تهمة " ما هذا الكلام ؟ إني فقط أسال إن كان الآن حالا ؟ (2)
الينا: أين تريد أن تذهب بهذه الملابس....... أتعرف ما قاله الأب عنك، قال أنت لست حذرا....... الأفضل لو رافقتني إلى حصة الباليه، أنت لا تخرج معي مطلقا....... وبعد فلا تنزعج لو رافقني غيرك. (3)
ضمن هذين الحوارين أعطى كونديرا بعض المفاتيح لماهية النص ومسار الشخصيات والكيفية التي ستسير عليها الشخصيات الأخرى. فان " يرجي " البالغ من العمر 27 عاما والذي درس المعمار، كان يحلم ببناء المدن والطرقات الغاصة بالحرية. إلا أن ذلك الطالب المتوقد الذكاء لم يستطع إكمال دراسته لظروف قسرية هي الأخرى ظلت سرا أحالت من دون ذلك الحلم.
وشخصية " الينا " زوجته 20 عاما لم تحلم سوى أن تكون راقصة باليه كي ترتفع أصابعها عن الأرض بعض الشيء.
الينا: لو كنت ساعة لتعمدت السير خطأ. (4)
اليوم هو يوم الأحد يوم عطلة وعند رفع الستار سيكون الوقت صباحا، حوالي الساعة السابعة والنصف. الجميع لديهم برامج. إلينا تود الذهاب إلى حصة البالية وكروتا الضابط المتقاعد الذي جمع ساعاته المتوقفة ويرجي الذي يريد النوم فقط. لكن الحدث لا بد أن يأتي ويغير كل هذه المسارات فما أن رن الهاتف حتى تحول المنزل إلى خلية نحل قد لعب احدهم في نظامها الكوني.
لقد بث كونديرا الكثير من الشفرات عبر شخوصه لذا فنحن أمام نص مسرحي ليس من السهل فك تلك الرموز وتأويلها تأويلا بسيطا فان قلنا أن دفة النص تنحو نحو العلائق السايكلوجية عبر ارتباط يرجي بالينا أو " فيرا كونتشنا " زميلته بالجامعة، أم أننا نترك هذه المسارات ونبقى ندق على المسمار الأول الذي بان في بداية النص حين صدحت عبر الشباك المفتوح معزوفات موسيقية على الطبول والمزامير التي جاءت من الاستعراضات العسكرية للمستعمر الألماني النازي " للجيك ".
كروتا: أوغاد......... يستقدمونهم من كل صوب. المهم أن يتم الاستعراض. (5)
أو أننا نتأمل العنوان ونقف متسائلين ونقول من هم أصحاب المفاتيح ؟ وماذا تعني نهاية المسرحية حين يعلن كروتا.
كروتا: كيف ؟ ألا تدركان ما معنى هذا ؟ ألا تدركان أن هذا ليس استسلاما ؟ فان المفاتيح تعني أكثر من مفاتيح.. أقول: أننا اليوم قد ربحنا معركة عظيمة. (6)
إلا أن شخصية يرجي هي الشخصية المحورية والتي يمكن الوقوف عندها طويلا من اجل معرفة سير العلائق وتاريخ ذلك الوطن " الجيك " في فترة الاحتلال. لقد حلم الشباب بالحياة والصورة الأجمل للحب، لكن الحلم الأكبر كان هو التخلص من الاحتلال، وهنا في مسرحية أصحاب المفاتيح تطرح المفاهيم الكثيرة في كيفية التعامل مع المحتل كما أعطى تفسيرا ومفهوما آخر للفداء والوطنية ومحبة الوطن.
كل هذا يبرز في ملامح ذلك الشاب المثقف الذي يحب وطنه ويكره المستعمر وفي الوقت نفسه يحب الحياة ويكره الموت.
يرجي: أردت أن أعيش وأبقى حيا يا تونيك...... الموت دائم الحضور. (7)
وعبر هذه الشخصية يطرح كونديرا، مفهومه الخاص بفلسفة الموت. والعلاقة ألحقه بيننا وبين الوطن ومن يعيش من اجل من ؟، أيفنى الوطن من اجلنا أم أننا نعيش من اجله وما معنى هذه الكلمات التي طرحتها الحركات الثورية والتيارات التي تشوبها العاطفة، أين يقف الموت من كل هذا وذاك.
يرجي: أنا لن أحيا لأجل ما هو غير موجود. (8)
وما هو الوجود في نظر يرجي المثقف، أهي الزاوية التي كان ينظر عبرها ويعتقد أنها الوطن أم علاقته العاطفية السابقة بفيرا وقوة شخصيتها التي دفعته لان يكون الصورة الثورية لهذا الوطن أم عبوديته إلى جسد زوجته الينا دفعه إلى أن يلفظ الموت ويتشبث أكثر بالحياة.
ما الذي أراده كونديرا هنا، الرضوخ إلى رغبات الحياة و متعها لأنها حق لنا لابد من النيل منه.
يرجي: " يدنو إلى الينا " إذا كان النوم ملكا فهذا الجسد هو قيصر روما. (9)
ولكن رغم هذا التشبث بالحياة إلا أن جزءه الآخر يجره إلى ما هو ثوري. إذ صار كل شيء يتساقط أمامه.كروتا ذلك الرائد المتقاعد صار يخاف من سلاجك ذلك البواب الذي كان جنديا يأتمر بأمر كروتا، الوطن كله تحول إلى ثكنة عسكرية، الحب فقد شفافيته والكلمات لم تكن تحمل المعنى نفسه لقد غير الاحتلال جل الصور ومعانيها.لهذا يجره نصفه الآخر إلى التمرد ليكون الموت بالنسبة إليه سهلا ومعبرا حيا.
يرجي: قلما أن يكون الموت مفيدا. يكفي أن أموت بشرف. (10)
لقد سجن كثيرا وتعرض إلى التعذيب وقد اغتصبوا زوجته أمامه واستغاثت به كثيرا إلا أن ضـابط الغستابو اختلا بها وهي تصرخ.
قد نقرن الينا أحينا بالأرض " الجيك " فهي جميلة وتحب الموسيقى والباليه ولا تحلم بشيء آخر، ولكن ضابط الغستابو واقعها رغما عنها، هكذا كان شباب " الجيك " كانوا ينظرون بعيون دامعة كيف تدوس الدبابات والجرافات شوارعهم وتهد مدنهم وهم ينظرون فقط، وأحيانا ينتفضون ليصعدوا إلى الجبال.
إنها جملة من الرموز ربما أرادها ميلانوا كونديرا أن تكون كذلك أو لم يعن ذلك مطلقا، ولكن لا حيلة لنا إذا قادتنا شفرات النص إلى الشيء ونقيضه.
الينا: أنت تقف مثل قديس فوق جدول ماء اخرق، أنت قديسي يا اخرق. (11)
أصحاب المفاتيح تبدو للوهلة الأولى أو القراءة السريعة بان شخصياتها وأحداثها ليس لها مفاتيح تمكننا من الدخول والتمعن وما أن نعيد قراءتها نجد الكثير من المفاتيح قد ألقيت أمامنا مما يدخلنا في الصعوبة نفسها في الاختيار الأمثل للمفتاح الصحيح للحدث.
فإننا نمسك المفتاح الأول الذي أحالنا إليه ألا وهو بداية المسرحية. الذي كان يوم الأحد، ورنين الهاتف، وموت سلاجك ذلك البواب الذي سنأتي على ذكره وأحلام الينا وتحولها إلى قيصر أمام يرجي وجسد وشهوة أمام ضابط الغستابو.
كما طرح التصور القديم لمفهوم التحرر الثوري عبر شخصية كروتا تلك الشخصية التي يجب الوقوف عندها قليلا لأنها تمثل جزء من تاريخ الوطن وعنفوانه، والتصور الجديد لمفهموم الثورية عبر نموذج يرجي الذي يؤمن بالاستمرار وبالتواصل مع حب الحياة الذي هو وحده والتعبير الحقيقي عن التضحية.
حقا بين يدينا سلسلة مفاتيح وليس من السهل أن نجد المفتاح المطلوب لكل شخصية قد تحركت وحركت الحدث.
لنفتح شخصية سلاجك التي يمر عليها النص سريعا ولكنه يشكل حلقة هامة في تطور الأحداث وبناء النص فقد كان في عهد الجمهورية الأولى، عسكريا برتبة " رقيب " تحت إمرة كروتا وكان سلاجك أدنى منه مرتبه وتابعا له في حين أن كروتا كان بالنسبة لسلاجك " رتبة " كبيرة وما أن انهزم الجيش الجيكي أمام زحف الجيش الألماني انتهى مفعول هذه الرتب وتغيرت المناصب وانضم سلاجك إلى جانب الألمان المحتلين مدعيا انه ألماني الأصل وقد سمح له بحمل سلاح.
سلاجك: للشعب الألماني اليوم مشاغل كثيرة، وعليه فلن يستطيع مطلقا السير وراء الآخرين حاملا خرقه في يده. (12)
ومن هنا تحولت الأدوار إذ صار سلاجك ممثلا للقوة ورمزا لها، وضاعت رتبة كروتا وخبا صوته أيضا وتغير موقع من يصدر الأوامر، بل انقلب الأمر تماما.
كروتا: المهم الآن أنني لست كروتا فحسب بل ورأس العائلة أيضا وليست سلاجك هو سلاجك فحسب بل ورأس البناية أيضا، وهذه الرتب لابد أن تحترم في كل عهد. (13)
ربما يكون موقف كروتا موقفا انتهازيا أو هكذا كانت ثقافته فقد تربى على طاعة أوامر من هم أعلى منه رتبة بل يعتبر هذا مقدس ولا جدل فيه، وربما خوفه على حياته دفعه إلى أن يطيع سلاجك وينفذ أوامر زوجته.
إن موت سلاجك يغير مسار النص المسرحي ويدخلنا في حدث آخر ومواقف لم تعهدها الشخصيات، فقد اضطر يرجي أن يرمي سلاجك بالحجر ويرديه قتيلا لأنه تابع "فيرا " وحاول اعتقالها واستجوابها وهنا تغيرت ردود الأفعال لان جثة سلاجك ستكون شاهدا على ثورية يرجي وخوف كروتا وتحدي فيرا وارتعاشات الينا وأمها والشعور بالنصر ممزوجا بالتسرع باتخاذ القرار.
هكذا قذف بنا كونديرا بعد مقتل سلاجك وجعل المفاتيح ترتطم بعضها ببعض، إذ تطرح لنا شخصية كروتا مدخلا هاما في مفتتح المسرحية حين ينشغل بملء الساعات فهو يحوي مجموعة من الساعات التي يحاول أن يملأها لكي يجعلها تدق جميعا في وقت واحد، هذا هو كروتا الذي فقد فصيله العسكري وغيره بالساعات ولأنه لا يستطيع أن يعيش من دون آمر ومأمور لذا تعامل مع الساعات.
كروتا: لو أنني أوفق مرة واحدة فقط، واجعلها " تدق " سوية....... تظن العقارب أن بامكانها التسكع عبر القرص كما تشاء. (14)
هذا هو الضابط المتقاعد الذي ينهي المسرحية بقوله سابق الذكر
كروتا: إلا تدركان أن هذا ليس إلا استسلاما ؟ فالمفاتيح تعني أكثر من مفاتيح.. إننا اليوم قد ربحنا معركة. (15)


الهوامش

1-مسرحية أصحاب المفاتيح تأليف ميلان كونديرا.. ترجمة سليم الجزائري
2-المصدر نفسه
3-المصدر نفسه
4-المصدر نفسه
5-المصدر نفسه
6-المصدر نفسه
7-المصدر نفسه
8-المصدر نفسه
9-المصدر نفسه
10-المصدر نفسه
11-المصدر نفسه
12-المصدر نفسه
13-المصدر نفسه
14-المصدر نفسه
15-المصدر نفسه

كاتب المقالناقد مسرحي من العراق وصاحب موقع "مسرحيون"