: آخر تحديث

عمائم ليبرالية في ساحة العقل والحرية

الكتاب الذي أصدره الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع التقدمي الوحدوي حالياً في مصر والذي كان تحت عنوان ( عمائم ليبرالية في ساحة العقل والحرية ) عن دار المدى في عام 2002، إضافة الى كتبه الأخرى المنشورة وتحت عنوانين مختلفة ( الأرهاب المتأسلم ) و ( المتأسلمون ماذا فعلوا بالإسلام وبنا ؟ ) وغيرها، تأتي ورغم تباعد فترات إصدارها لتعطي المواطن العربي صورة واضحة عن نماذج متنورة لبعض من رجال الدين في التاريخ العربي الإسلامي الحديث وفي ظل أجواء سياسية متأزمة عاشتها البلاد العربية منذ منتصف السبعينيات وأشتد فيها ساعد التيارات الدينية شيئاً فشيئاً حتى دخول الإرهاب بصورته الدموية الواضحة التي نعيشها حالياً، متخذاً من الدين وسيلة وغاية في نفس الوقت لتحقيق مراميه.
nbsp;يتناول الكتاب في بداية أو مقدمة صفحاته عرضاً سريعاً للتعاريف المتداولة عن الليبرالية فيطرح ثلاث منها: (( لكننا يتعين علينا أن نبدأ بتحديد معنى (( الليبرالية )) وماذا تعنيه أو ما عناه الآخرون بهذه الكلمة الأعجمية التي لم يحاول أحد ndash; فيما نعتقد ndash; أن يجد لها مرادفاً عربياً منذ المحاولة البدائية أو المبدئية التي حاولها رفاعة الطهطاوي. فقد ترجمها رفاعة ndash; أبو المترجمين المصريين والعرب، بل أبو الليبراليين أيضاً ndash; الى (( الحرية )) وأسمى دعاتها (( الحريين )) ولعلها تسمية صحيحة لغوياً وإن كانت غريبة على أسماعنا Libre حر، ومنها حُرِيٌ.. والجمع حُريين، كأن تقول: مصر ومنها مصري وجمعها مصريون )). ثم ينتقل د. السعيد الى تعريف آخر صكه الماركسيون فيكتب: (( لكن ثمة تعريف آخر صكه الماركسيون أو بعضهم ndash; (( الليبرالية )) وأصلها اللاتيني Liberialis أي حر، وهي لون من الفلسفة السياسية ظهر في ظل الرأسمالية، وتضرب جذورها الفكرية في مذاهب (( لوك )) والمتنورين الفرنسيين خاصة. وفي القرن السابع عشر والثامن عشر كانت الليبرالية تمثل البرنامج الأيديولوجي للبرجوازية الفتية التي كانت تناضل ضد بقايا الإقطاع، وتلعب دوراً تقدمياً نسبياً، وكانت تدعو الى حماية الملكية الخاصة، والمنافسة الحرة، والسوق الحرة، وترسيخ مبادئ الديمقراطية البرجوازية، وإشاعة الحياة الدستورية، وإقامة الأنظمة الجمهورية. ومع دخول الرأسمالية في طورها الأمبريالي راحت الليبرالية تدافع بإطراد عن تدخل الدولة الواسع في الحياة الإقتصادية والإجتماعية، وتنحو صوب النزعة الإصلاحية الإجتماعية )). وينقل لنا د. السعيد في آخر تعريف عن الليبرالية لم يحدد لنا فيه مصدره أم الجماعات التي تتبناه،: (( هي نظرية سياسية ترقى الى مستوى الأيديولوجيا، إذ تزعم أن الحرية أساس التقدم، فتعارض السلطة المطلقة، سواء كانت دينية أو دنيوية )).
nbsp;لكن الأهم في كتابه هذه المؤلف من 167 صفحة، هو عرضه وبشكل غير مفصل ( وهذا أمر طبيعي ) لكتاب بهذا الحجم، لأفكار سبعة من متنوري رجال الدين والمفكريين الإسلاميين الذين زخر بهم التاريخ العربي الحديث وبمؤلفاتهم الكثيرة، فيبتدأ معنا بالكتابة عن رفاعة الطهطاوي كأحد المتنورين والمدافعين عن الفكر الليبرالي في مرحلة ما من تأريخ مصر، بعد أن يستعرض صلة رفاعة بالحاكم آنذاك ( محمد علي ) الذي أرسله الى باريس لإكمال دراسته وتعليمه (( وهو الذي أتى الى القاهرة على مركب في النيل بعد أن باعت أمه كل ما تمتلك من حُلي مقابل جنهين، فقد ترك لورثته أكثر من 700 فدان.)) وهذ ما أراد أن يفصح عنه الكاتب فيقول: (( فطوال الفترة الممتدة منذ قيام محمد علي بإلغاء نظام الإلتزام حتى طرد إسماعيل.. كان حاكم مصر هو أكبر مالك للأرض..، وكان هو المنبع الوحيد لتملك الآخرين.. )) و (( ونلاحظ أن محمد علي يختار من يمنحهم الأرض من بين موظفيه، أي من الطاقم الإداري الجديد الذي تولد عبر تكوين فئة جديدة من المثقفين العصريين الذين إعتمد عليهم محمد علي في بناء جهازه الحديث.. والذي بقدر ما كان يعتمد ترويعهم.. كان يسعى لتطويعهم. )) ثم يعرض لنا أفكاراً مهمة للطهطاوي عن المرأة والدفاع عنها فيقول: (( إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل ينشأ من التربية الجيدة أو الخسيسة، والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك بين المحبة، والإلتئام بين الزوجين )).
nbsp;ونقرأ عن جمال الدين الدين الأفغاني الذي تناوله الكتاب ومواقفه الفكرية المتناقضة من أحداث كثيرة شهدتها مصر التي عاش فيها ثمان سنوات قبل نفيه منها. وقبلها علاقته بالحكام الذين لازمهم في سنوات حكمهم إبتداءاً من السلطان العثماني عبد الحميد الى شاه إيران ناصر الدين الى الخديوي توفيق في مصر وقدرته الفذة على مواجهة الخصوم والأصدقاء أياً كانت مراتبهم برأي واضح وصريح، فقد كان مرة في حضرة السلطان عبد الحميد.. أقوى أقوياء زمانه.. وأخرج مسبحته ليبعث بها بين أصابعه، وفي هدوء إنحنى رئيس الديوان هامساً وراجياً أن يعيد المسبحة الى جيبه، لكن الأفغاني رد بصوت عال ٍ (( إن حضرة لسلطان يلعب بحياة ثلاثين مليوناً من بني آدم.. أفلا يلعب جمال بثلاثين حبة من الكهرمان )). (( المهم أن الأفغاني مضى في طريقه ليبرالياً يدعو للحرية والثورة وأعمال العقل....)) وهو الذي قال (( أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما يسد الرمق وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك ؟ لماذا لاتشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك ؟ )). ولكونه ذو أفكار دينية متحررة وليبرالية، فإن مجلته الباريسية النشأة (( العرة الوثقى )) والتي عاونه في تحريرها تلميذه محمد عبدة والتي صدر منها 18 عدداً وقد منعت السلطات دخولها الى مصر، فإن الأفغاني قد عبّر فيها كما يلخص أحد الباحثين بعض من أهم أفكاره الدينية المتنورة: (( لقد فسد الإسلام بالجهل بتعاليمه الصحيحة عبر الأجيال، ولابد من ثورة لإصلاحها وإلا واجه المسلمون الهلاك، وإن أخطاء القرون الماضية من عمر الإسلام ومساوئها إنما حصلت نتيجة لسوء فهم جوهر العقيدة كما إحتواها القرآن والسنة )).
nbsp;وينتقل الكاتب الى محمد عبده و رؤيته المتحررة و دعوته للتجديد الإجتماعي والديني وإصطدامه مع شيوخ الأزهر المتشددين الذين رفضوا دعوته للتجديد وخاصة تجديد التراث، ورفضوا تجديد برامج التعليم في الأزهر، وأعتبروا دعوته لتعليم الجغرافيا والحساب والجبر والهندسة ومختلف العلوم الحديثة في مناهج الأزهر آنذاك جريمة نكراء! وينقل لنا الكتاب المذكور بعض من ضراوة الصراع بين محمد عبدة والأزهر وإتهام الأخير له بالكفر:(( وتظل الخصومة مشتعلة حتى آخر نسمات حياة الأستاذ الإمام، وفيما هو على فراش الموت.. كان يتأوه شعراً:
ولست أبالي أن يقـــال محمد أبــــلَ أم إكتضت عليـــــــــــــــه المآتــمُ
ولكنه دينٌ أردت صلاحـــــــــــــــهُ أحاذر أن تقضي عليــه العمائـــمُ
ويأتي الكاتب الى رفض محمد عبدة لإقتران السلطة بالدين، ويقول عنه (( ومن الظلال القول بتوحيد الإسلام بين السلطتين المدنية والدينية، فهذه الفكرة خطأ محض، ودخيلة على الإسلام. ومن الخطأ الزعم بأن السلطان هو مقرر الدين و واضع أحكامه ومنفذها، وأن المسلم مستعبد لسلطانه )).
nbsp;وفي الصفحة الثالثة والتسعين من كتابه يأخذنا الدكتور رفعت السعيد الى رجل الدين والمحامي والصحفي والموظف الحكومي والمفكر المجتهد واللامع عبد الرحمن الكواكبي ( 1854 ndash; 1902 ) ومصارعته للإستبداد و نضاله من أجل حرية الإنسان وحقوقه الإجتماعية ومفاهيمه الليبرالية حول الدين وخلافه العميق مع رجال الدين الموالين آنذاك للخلافة والذين أسماهم (( عمائم السلطان )) و (( الجهلة المتعممين )) وتأكيده من أن الإسلام لا يعرف الحكومة الدينية ولا يعترف بها (( فلا يوجد في الإسلام نفوذ ديني مطلقاً في غير مسائل إقامة شعائر الدين )). ويستعرض لنا الكتاب عن الصحف و الكتب العديدة التي أصدرها الكواكبي قبل أن يموت مسموماً على أيدي أحد الجواسيس العثمانيين الذي لاحظ أن الكواكبي يبلل أصبعه من لسانه ليتمكن من قلب صفحات الكتاب الذي يقرأه بسهوله، فأهداه كتاباً وضع سُمـــّاً على أطراف صفحاته ! و فرحة ((أبو الهدى الصيادي ))، داهية الباب العالي وقوله على نبأ وفاة الكواكبي: ((بالقراءة أتعبنــــا، وبالقراءة قتلنـــــاه)) !
nbsp;وفي جزء آخر يتناول الكتاب بعض من ملامح الصراع الذي دار بين الشيخ الليبرالي علي عبد الرزاق هو ومجموعة من رجال الدين المتنورين و سلطة الأزهر التي كانت قد تأثرت بأحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأثير الإجراءات التي إتخذها أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية و تشريعاته الداعية الى فصل الدين عن الدولة وإخضاعه المؤسسات الدينية للمؤسسات المدنية وإلغاء منصب الخلافة في عام 1924 وإعتباره ((... أن الدين أمر شخصي بين المرء وخالقه، وأن الحكومة نظام مدني يعني بمصالح الناس، ولا شأن له بالسيطرة على ضمائرهم وعقائدهم )). ويتطرق الكاتب الى بعض ما أثاره كتاب علي عبد الرزاق (( الإسلام وأصول الحكم )) والذي أشار مما أشار فيه الى أن الحكم والحكومة والقضاء والإدارة ومراكز الدولة هي جميعاً (( خطط دنيوية صرفة، لا شأن للدين بها. فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمرَ بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها الى أحكام العقل وتجارب الأمم، وقواعد السياسة )).
nbsp;أما آخر المطاف الذي يأخذنا اليه الدكتور السعيد فهو فلسفة وأفكار أحمد أمين كأحد رجال الأزهر وتطلعه من أجل فكر ليبرالي للدين وكتاباته وإصدارته المتعددة والتي يذكر منها المؤلف ( فيض الخاطر) و ( الشرق والغرب ) و( الصعلكة والفتوة في الإسلام ) و( زعماء الإصلاح في العصر الحديث ) وغيرها. ومما يلفت النظر الى أن الكتاب يركز في أغلب أجزاءه الى موقف هؤلاء المتنورين من رفضهم لتولي فكرة الحاكم الديني ومنهم طبعاً أحمد أمين الذي يدرج الكتاب قوله (( فالحكومة من عمل الشعب وليس من عمل القدر، وصاحب السلطة يستمد شرعية وجوده من الأمة التي ينتمي اليها، وليس من أية قوة ما ورائية )) و (( فإن أكبر نصر نشأ عن النزاعات السياسية هو تقرير حقوق الإنسان، وسيادة المبادئ التي تقر أن الحكومة إنما وظيفتها أن تخدم كل الطبقات على السواء )).
nbsp;كتاب الدكتور رفعت السعيد هذا يسلط الضوء على قدر محدود لأفكار متنورة وساطعة ساهمت وسط صراعات سياسية وتاريخية فتية من عمر المجتمعات العربية تحديداً إبتداءاً من سنوات القرن التاسع عشر المنصرم وأهمية المعاني التي نادى بها أصحاب تلك الأفكار وجرأتهم الكبيرة في التصدي لللتسلط والمفاهيم المنغلقة. وتبقى الحاجة بطبيعة الحال من أجل الإستزادة في الرجوع الى أصول المصادر التي أشار اليها مؤلف هذا الكتاب لما تحويه من خزائن نفيسة في الفكر الإنساني التحرري.

nbsp;عبد الجبار السعودي

بصرة ndash; أهــــــوار في 03 حزيران 2006


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.