قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

*مثلث الحرام فى الأدب ذو ثلاثة أضلاع..الدين والجنس والسياسة، ولكن ضلع الجنس دائماً يظل هو صاحب الكم الأكبر من الشهرة، وأيضاً الكم الأكبر من التحريم والتجريم ممن يقترب منه ولو على إستحياء، فهو بالضرورة مراهقة تداعب الغريزة وتثير الأحاسيس المتدنية فموضوع الجنس من الأصل مرفوض فما بالك تناوله بالكتابة والوصف فهذا مرفوض مرفوض، ولم يقتنع حزب الرفض بالحجج التى ساقها الأدباء الذين يقولون بأن الكتب السماوية قد تعرضت لموضوع الجنس ويتقدم هؤلاء بأدلة من نشيد الأنشاد من الكتاب المقدس وسورة يوسف من القرآن، إذن فالموضوع مباح فى التناول أما الأسلوب فلابد أن يترك لوجهات النظر البشرية، هذا من وجهة نظر المبدعين، أما الحزب الرافض والمتحفظ فإنه يرد كيف يتسنى لهؤلاء الأدباء أن يصلوا إلى هذا الأدب السماوى الرفيع، فيأتى الرد سريعاً من الأدباء بأنه ولهذا السبب بالذات، ولأننا بشر فنحن نجرب ومن حقنا أن نعرض تجاربنا بدون المرور على غرفة التعقيم التقليدية ومن حقنا بل من واجبنا أيضاً أن نتناول الجنس بصورة بشرية وبدون بسترة!!
والجدل حول تناول الجنس فى الأدب قديم وللأمانة فهو لم يقتصر على أدبنا العربى فقط بل إمتد أيضاً إلى الأدب الغربى، ولكن الفرق هو أن الأدب الغربى قد حسم هذه القضية تماماً أما، أدبنا العربى فمازال يخشى البوح ويضع من تجرأ وناقش وباح على مذبح الإستنكار الجماهيرى والإستهجان الشعبى المقدس، وهناك فى الغرب قد توصلوا إلى هذا الحسم وذلك القبول بعد معركة طويلة بدأت برواية "ديكاميرون" للأديب الإيطالى بوكاشيو سنة1371، وإنتهت بالجدل المحتدم حول روايات "عوليس" لجيمس جويس ومدام بوفارى لفلوبير وعشيق الليدى تشاترلى ل د.هـ.لورنس ومدار الجدى لميللر وغيرها من الروايات التى صدمت العقل الغربى حين نشرت ثم وضعها القراء بعد ذلك فى خانة الكلاسيكيات الأدبية الجديرة بالقراءة والإحترام.
وأدبنا العربى طوال تاريخه وموضوع الجنس يمثل له مشكلة حادة، والغريب أنه قد تناوله مبكراً بصورة صريحة وجريئة وظلت هذه الصراحة تتقلص و هذه الجرأة تتضاءل وتنحسر حتى أصبحتا فى العصور التالية مجرد خيط ضوء واهن ينطلق من الغيم عبر ثقب ضيق،
فمن يقرأ معلقة امرئ القيس الشهيرة والتى يشير فيها إلى ممارساته الجنسية مع عشيقته فوق بعيره وتذكيره إياها بفحولته التى ألهت الأمهات حتى عن أطفالهن الرضع وذلك فى قوله:


تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيرى ياإمرأ القيس فانزل
فقلت لها سيرى وأرخى زمامه ولاتبعدينى عن جناك المعلل
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذى تمائم محول
إذا مابكى من خلفها إنصرفت له بشق وتحتى شقها لم يحول


أما أبو نواس فقد توسع وإنطلق وتناول كل مايتعلق بالجنس، حتى العادة السرية والشذوذ الجنسى كتب عنهما أبو نواس بكل صراحة وجرأة مما دعا حتى كليات الآداب أن تمر عليه مرور الكرام ودور النشر أن تحذف هذه الأبيات من ديوانه حتى صعب على المتخصصين والدارسين أن يلقوا الضوء على هذا الجانب فى شعره، وهذه عينة بسيطة عبارة عن بيتين هما بمقياس النقد أقل أشعاره جرأة فى هذا المجال..فلنسمعه يقول:

إن لى أيراً خبيثاً لست أدرى ماعقابه؟
كلما أبصر وجهاً حسناً، سال لعابه


وظل هذا الثقب الضيق الذى ينفذ منه الضوء يضيق أكثر فأكثر حتى تم سده نهائياً فى بدايات هذا القرن وحتى بداية الخمسينات فنحن لا نكاد نلمح ولو تلميحاً وليس تصريحاً فى شعر شوقى أو حافظ أو حتى الشعراء الرومانسيين من أمثال إبراهيم ناجى وزملائه فى مدرسة أبوللو أو فى روايات هيكل أو طه حسين أو كتابات العقاد أو المازنى وأمثالهما من الكتاب الكبار أى إشارة جنسية، إلى أن جاء جيل كتاب الخمسينات والستينات والذى تناول الجنس بنبرة شفافية وصراحة أعلى وأعمق لدرجة أن ناقداً كبيراً مثل غالى شكرى وجد أنها تستحق الدراسة فأفرد لها كتاباً مستقلاً، وأعتقد أن هذا الإتجاه قد برز إلى الوجود وخرج من شرنقة العيب والمحرم لأنه كان يسعى إلى تصوير المجتمع بواقعية وبدون رتوش، بكل مافيه ومن كافة زواياه، وبالطبع كان الجنس واحداً من أهم وأبرز هذه الزوايا ولكن الثورة الحقيقية التى حدثت وتحدث هى ماقدمه ويقدمه الأجيال التى تلت هؤلاء.
ولفظ ثورة ليس مبالغة أو تهويلاً لأن كتابة الستينات كان مازال بها شئ من التحفظ ومس الموضوع برفق إلى أن أتت الكاميرا الزووم لهذه الأجيال وكشفت المستور والمسكوت عنه، وكسرت هذه القشرة السميكة من التحفظ، ولكن والمهم أنها كشفت وكسرت بجمال راغبة فى أن يكون للجنس حضوره الكثيف والساخن فى الواقع ولم يرض هذا الجيل بموقع المراقب المحايد أو بكرسى الأستاذ الأكاديمى ولكنه نزل إلى المجتمع بكل سخونته وأيقن أن طريق التصوير الأدبى لابد أن نمشيه كله بجباله الوعرة ووديانه السهلة وحتى مستنقعاته الآسنة، وأمسك بالمصباح الكشاف ولم يرتد أحذية المطر أو "بوت" تسلق الجبال ورضى بأن تدمى أقدامه الأشواك والمسامير وبقايا الصفيح والزجاج، وأصر الأديب على أن يأخذ معه فى رحلته هذه ميكروسكوباً لكشف العورات وقرر الإستغناء عن الملاءة التى تغطى فهو ليس شرطياً فى بوليس الآداب ولكنه فنان همه الأول أن يكتب عن كل شئ بفن وبأسلوب فنى، وهذا هو المهم فهو لايقدم فيلم بورنو أو حفل إستربتيز أو نكاتاً قبيحة وإنما يقدم فناً ولابد أن تقاس أعماله بمقياس الفن، وسنعرض هنا فى هذا الكتاب لنماذج من هذه الإبداعات الصادمة بدون أى ماكياج أو كورسيهات أو بارفانات!!.
[البداية مع جمال الغيطانى بلغته الصوفية الموحية وروايته التجليات التى إختار لها شكلاً يسمح له بالتواجد فى أكثر من زمان وأكثر من مكان وبأن يتشكل فى أكثر من صورة، فعالم التجليات عالم سخى الخيال ينطلق معه الكاتب إلى آفاق من المستحيل أن ينطلق إليها إذا إختار الشكل التقليدى فى الرواية وبالرغم من هذا الجو وهذه اللغة التى من الممكن أن تقول معها كما قال يوليوس قيصر "حتى أنت ياغيطانى"؟!، وأرد قائلاً ليس بالرغم من ذلك بل بسبب ذلك إحتوت الرواية على مشاهد وفقرات جنسية فى منتهى الشاعرية والصدق بل والتصوف،
يقول الغيطانى فى كتابه التجليات السفر الثانى:
"تخلع قميصها الأحمر النبيذى، يفصح جسدها عن ألق خمرى مطعم بحمرة وكتفين مستديرتين، أرى عنقها بأكمله من المنبت، تمد يدها إلى الخلف، تفك المشد الأبيض الشفاف الرهيف، ينفر نهداها كالنبأ العظيم أو الخوف المفاجئ، أما الحلمتان فهمستان ورديتان دائريتان سخيتان دالتان مدلتان مومئتان، نضاحتا الهوى، أرى عريها مكتملاً فتتم أركان الحقائق وتنجلى المعرفة، أسعى حوله بنظرى وأطوف فلاتبدى خجلاً ولاتدارى بل تقبل علىّ، تساعدنى على فك قميصى، تمسك شعرى، تدللنى، تهدهدنى، فتعيدنى إلى سيرتى الأولى"....
ويتأملها أكثر ويقول:
"اتأمل الوجود المجاور لى، الساكن الحى، هدوء نومها المحتوى لحيوية جسدها متتالى الإستدارات، متناسق النسب، نحول الخصر، وإكتمال الردفين فى غير إفراط، وإنبساط الساقين ورشاقة أصابعهما، أتذكر تمثال ريكاميه، كأنه إتخذ وضع النوم بعد سريان الحياة فيه، تنقلب فتولينى ظهرها، ألامس مفرق ردفيها بجسمى فتدب عندى حرارة وإشتياق عظيم، برفق أتخلل شعرها بأصابعى، أقبل كتفها، تستدير إلىّ، على مهل تطفو تجاهى قادمة من أغوار النوم، تقبلنى وأقبلها، آخذها وتأخذنى، أتجاوزها وتتجاوزنى، نتحد"
وأعتقد أنها بداية موفقة أن أختار الغيطانى لإقناعك بالرحيل معى عبر أحراش السافانا الجنسية فى الأدب المصرى الحديث، ولكن هل التناول الأدبى للجنس بمثل هذه الرقة والشفافية؟، الحقيقة لا فمعظم ما سأذكره بعد ذلك من مدرسة أخرى تضبط أوتارها على نفس نغمة الحمى الجنسية وعلى نفس نبرة الشهوة التى إختلط فيها الحس بالفقر والجريمة والتطرف، إنه شراب مر ولكن علينا أن نتجرعه فمن يثبت أن مجتمعنا لاتوجد به هذه الصورة فعليه أن يرمى هؤلاء الكتاب بحجر فالمشكلة أنهم يصورون أدباً وواقعاً مريراً قاسياً شرساً وأنتم تطلبون منهم أن يصوروا كارت بوستال.
ونبدأ فى هذه المدرسة بواحد من أنجب تلاميذها وهو صنع الله إبراهيم والذى أثارت أولى رواياته "تلك الرائحة" ضجة كبيرة حين صدورها لدرجة أنها صودرت فى طبعتها الأولى سنة 1966، والكتابة عن الجنس عند صنع الله إبراهيم له رنة سخرية موجعة وصراحة تسجيلية مدهشة تلتقط التفاصيل وتختزنها بذكاء ونقتبس هنا بعض الفقرات التى تعبر عن هذا الإتجاه فى واحدة من أهم رواياته وهى رواية "ذات" التى إختلط فيها الأدب بالتسجيل والرواية بالوثيقة، وذات هو إسم بطلة الرواية التى يكتب عن لحظة ختانها:
"إجتثوا ذلك النتوء الصغير الذى سبب إزعاجاً شديداً للمصريين من قديم الزمان، وإن كان من الأمانة أن نسجل أن الإجتثاث لحسن الحظ أو لسوئه لم يكن تاماً فالأم التى جردت مبكراً من العضو المزعج كانت على عكس مايتوقع المرء حريصة على ألا تتمتع إبنتها بفرصة التسلية قبل الزواج ثم التعويض بعده التى حرمت منها، أما الأب فكان عكس مايتوقع المرء أيضاً راغباً فى إعفاء إبنته من العملية التقليدية متصوراً (إن صواباً أو خطأ) أنها المسئولة عما آل إليه أمر نتوئه الخاص، ولما كان توازن القوى النتوئى فى قمته كان لابد من حل وسط هكذا سمح بالإبقاء على جزء من النتوء الجليل مما أتى بنتيجة عكسية، فبدلاً من أن يصبح تعويضاً عن الجزء الضائع صار تذكرة به".
وهكذا تطورت مسألة الكتابة عن الجنس من الوصف الأدبى للمارسة الجنسية إلى الحديث عن الأفكار المرتبطة بالجنس ومحاولة كسر وخلخلة البديهيات المتعلقة بكل ماهو حول فكرة السلوك الجنسى ذاته وما تفرزه هذه الفكرة من أمراض إجتماعية مثلما قرأنا فى وصف الختان.
وينتقل صنع الله إبراهيم بأسلوبه الساخر لفضح وكشف كل ماهو مزيف ويكتب عن فترة الخطوبة التى يمثل فيها كل طرف على الطرف الآخر دور الشرف ويرسم بقلمه جلسة الخجل المصطنعة التى يجلسها الخطيب والخطيبة وكل منهما يغطى حجره بوسادة مما يثير خيال أم العروسة المرتقبة "ذات":
"إمتدت نظرة الأم بالرغم منها إلى فخذى العريس المرتقب والوسادة المماثلة التى إستقرت فوق حجره، إذ تحار فى معرفة الغرض منها طالما أن عبد المجيد يملك ساتراً طبيعياً ممثلاً فى بنطلون بدلته الأنيقة، وبمرور الوقت توصلت المرأة الساذجة التى تتميز بضآلة التجربة وسعة الخيال بقدر يماثل مالديها من ضيق أفق وتحجر فى المشاعر إلى قناعة ملأتها بالإشفاق على إبنتها فقد تصورت أن إحتياج خطيب إبنتها إلى ساتر إضافى مبعثه ضخامة ماهو مضطر لحجبه عن الأنظار".
والتفاصيل التى لم تكن موجودة فى الستينات ولذلك لم تظهر فى أدب هذه الفترة بدأت تظهر جلية فى الكتابات الجديدة فرواية ذات المنشورة سنة 1992 كان ولابد ألا تغفل ظاهرة أفلام البورنو التى تستعين بها البيوت المصرية على إستحضار روح الجنس والتغلب إلى ملل العلاقات الزوجية وروتينها، فزوج ذات وجاره الشنقيطى حاول كل منهما الممارسة بعد مشاهدة الفيلم ولكن المصير كان مختلفاً فالأول إنتهى بالقذف السريع والثانى قفل على الموضوع بممارسة العادة السرية ولنقرأ ماكتبه صنع الله عن ذات حين أرادها زوجها عبد المجيد.."إلتجأت ذات أول الأمر إلى الحجج المعهودة فى الترسانة النسائية والرجالية أيضاً فى الواقع من التعب والصداع إلى الأطفال والوقت المتأخر لكن عبد المجيد إزداد تصميماً فلم يعد أمامها سوى الإستسلام ولأنها لم تشأ لتضحيتها أن تذهب هباء وأيضاً كى تسهل له الأمر وتجنب نفسها أية مضاعفات فقد إستنجدت بالفيديو الداخلى وقامت بمونتاج خلاق حقاً من الفيديو المجاور تداخلت فيه مشاهد القبلات المستهيمة فى أفلام الستينات العربية مع لقطات كلوز أب للنتوء الرجالى دون أن تغفل الإستعانة خلسة بالآخر المبتور، وفى صحبة موسيقى تصويرية من الأصوات التى إلتقطتها بسمعها المرهف، وبذلك أمكنها أن تحقق درجة من المشاركة سمحت لعبد المجيد أن يبدأ العرض الذى إحتملته فى صبر المرأة المعهود ولم تطل معاناتها لأن عبد المجيد فى غضبه وإنفعاله كان سباقاً إلى تتر النهاية ".
أما جاره الشنقيطى بعد أن فشل فى إغراء زوجته فقد "مضى إلى المطبخ فأعد لنفسه كوباً كبيراً من القهوة حملها إلى الصالة ووضعها على مسند المقعد الوثير المواجه للتليفزيون ووضع علبة السجائر إلى جوارها ثم أعاد الشريط إياه إلى بدايته وحرك المقعد قليلاً بحيث يكون قادراً على رؤية سميحه إذا ما غادرت غرفتها إلى الحمام، ثم أدار الشريط وإستقر فى المقعد وبدأ يعتمد على نفسه".
[ومن صنع الله إبراهيم إلى صديقه رؤوف مسعد والذى يقتحم نفس المنطقة المحرمة ولكنه يختلف بكونه قبطياً يكتب عن هذا المجتمع القبطى المجهول بالنسبة لنا والذى يتكلم همساً من الجيتو الخاص به فما بالك إذا كان الموضوع عن الجنس فحتماً سيتحول هذا الهمس إلى خرس، ومن هنا جاءت أهمية رواية "بيضة النعامة" والتى طبعت طبعتها الأولى خارج مصر والتى تبدأ منذ طفولة هذا القبطى المهاجر على الدوام، يقول عن فترة مراهقته:
"كنت قد بلغت...عرفت ذلك وأنا فى الحمام أطبق عملياً ما رأيت من هذا النوع من النشاط الذى يمارسه الأولاد الكبار علانية ويقدمون دروساً عملية فيه، بالطبع لم أخبر أحداً، بل أضفت هذا السر الجديد إلى مجموعة أسرارى، لكن أبى إكتشف سرى من صوتى الذى فضحنى، كان ذلك فى المساء الأول لوصولنا من أسيوط إلى مدنى فى السودان فى الأجازة الصيفية، قال شيئاً وهو يضحك إلى أمى جعلها تنكسف، إنكسفت أنا أيضاً وكرهت أبى ساعتها، كنت أريد أن يعاملنى الجميع وخاصة البنات بإعتبارى الولد الصغير الذى يسمحن له بالدخول إلى غرفهن أثناء إستلقائهن على الفراش أو أثناء تبديلهن لثيابهن"
وعن ظاهرة شبكات الدعارة والبغاء ولكن فى صورتها الفقيرة التى يفضل رؤوف مسعد رصدها فى روايته عن الشبكات الأرستقراطية ولنقرأ له:
"أم محمد قوادة بشكل طبيعى إنها تحب إكتشاف النساء المحصنات وسحبهن للشقة.. هى لاتسحب إلا الزوجات.. إنها تحبهن جميلات أيضاً. أجد إمرأة وأحياناً إمرأتين تتحركان بين غرفتى الشقة وسكانها الأربعة والضيوف مثلى نساء بلدى ألقين بالملاءة اللف فى المطبخ حلوات مكسوفات خافتات الصوت..نسوان فائرات الجسد بالصحة والشبق الذى تفضحه أعينهن التى يدور حولها الكحل الأسود الثقيل. تعاملهن أم محمود فى الشقة بحنو..تربت عليهن وتقدم لهن الشاى وتجهز لهن الحمام..ترفض إقتراحاتهن بمساعدتها...تجيبهن ضاحكة كفاية الشغل اللى بتعملوه جوه أنا عاوزاكم تكونوا مبسوطين يالبوه إنتى وهيه.. فتتعالى ضحكاتهن المغناجة"....
ويستمر الكاتب فى الغوص فى بحر كل العلاقات الجنسية مع التركيز على ما أفرزه مجتمع الزحام من الإلتحام الجنسى فى الأوتوبيس وحتى زنا المحارم، وكما كان المجتمع قاسياً مع هؤلاء الفقراء ساكنى علب السردين كان يجب على المؤلف أيضاً أن يحتشد بعبارات على نفس درجة القسوة، ونقتبس هنا هذه الفقرة الطويلة حتى نطل على المشهد الذى رآه بطل الرواية وهو يطل من شباك المطبخ على حجرة البواب الأعور وإبنه بحبح وزوجة إبنه وهم فى حالة تلاصق سردينى كان ولابد أن يرسم ملامح هذا المشهد الرهيب بقوله:
"هاهى الصدفة الجميلة تجعلنى أبص من الشباك فى هذا الوقت المبكر وثلاثتهم ينامون على المراتب المفروشة فى المنور، كنا مانزال فى المصيف بعد، الزوجان ينامان بجوار بعضهما...الطفل بمفرده فوق رأس الأم والبواب يرقد مستعرضاً رافعاً رأسه (الآن) ينظر بعينه السليمة مثل الطيور إلى النائمين بالقرب منه.. الإبن يرقد عل بطنه دافناً رأسه بين ذراعيه كأنه يحميها من الضرب..الزوجة على ظهرها، ساق ممددة والأخرى قائمة..سحب البواب شعرة من الحصيرة ولعب بها فى باطن قدمها الممددة...سحبتها إلى أعلى فانحسر الثوب حتى الخاصره ومد يده كالحية فى المسافة الضيقة المفتوحة الآن بين الساقين ووضعها هناك فى ملتقى الفخذين بقوس الأرداف...تركها هنا فترة (لم أستطع تبين ماذا فعلت اليد هناك) إنقلب على بطنه ونظر طويلاً بإتجاه بحبح..قام إلى الستار فأزاحه..دخل..سعل قليلاً..أثناء ذلك كانت هى قد إستدارت بوجهها تجاه زوجها (ظهره بالتحديد)..رمى الأعور نفسه بخفة فى المكان الضيق الخالى الآن التى كانت تحتل بعضاً منه زوجة الإبن...سحب ملاءة كانت ملقاة جانباً وغطى نفسه بسرعة وإلتصق بها مثبتاً إياها فى الأرض بساقه وذراعه..حاولت هى أن ترفص لكنه لكزها بكوعه حاسماً الموقف...رأيت جسده يتحرك كالمكوك من تحت الملاءة...بعد قليل سحب نفسه إلى موضعه السابق آخذاً الملاءة معه...غطى جسده ورأسه..أما هى فلعلها أحست بلسعة الفجر الان...سحبت جزءاً من البطانية التى كان بحبح يلقيها فوق جسده...تقبل هو دخولها معه تحت الغطاء بتذمر"
وقبل أن تتهم هذا الوصف بالإبتذال والإنحطاط والبشاعة لتسأل نفسك هل هذا الإبتذال وهذه البشاعة من صنع المؤلف أم من صنع المجتمع!!.
[نصل أخيراً إلى أكثر التجارب سخونة وجرأة وإثارة للجدل، ويرجع هذا الجدل العنيف حول رواية "لبن العصفور" ليوسف القعيد إلى أنها مكتوبة من الألف إلى الياء باللغة العامية والتى نسمح بها ونستسيغها فى الشعر ولكننا نرفضها ونزدريها فى الرواية والقصة فما بالك إذا تناولت الجنس أيضاً، بهذه اللغة إذن سيصبح الأمر أكثر تعقيداً وتصبح درجة الإحتقار أعلى ومضاعفة فالموضوع محتقر ومرفوض واللغة أيضاً تعانى من نفس الإحتقار والرفض... إذن فالصعوبة التى واجهت القعيد هى أنه بإستخدامه لهذه اللغة ستصبح روايته "قباحة" وهذا بدوره يطرح قضية هامة وهى هل يوجد لفظ قبيح بذاته أم أن السياق الذى توضع فيه هذه الكلمة هو الذى يجب علينا الحكم من خلاله وبمعنى آخر من الممكن أن تكون لغة الشارع السوقية لغة أدب إذا وضعت فى سياقها المناسب وبذلك تصبح القباحة جمالاً، والرواية إجتمعت لها كل أسباب السخونة فأحداثها تدور فى منطقة من مناطق مصر العشوائية، وكما ذكرنا من قبل فهى بالعامية ولكنها ليست عامية بيرم أو جاهين ولكنها عامية هؤلاء المهمشين الذين لفظهم المجتمع على أطراف القاهرة وهنا تتغير القيم حتى الأخلاقى والدينى منها نتيجة لوقوعهم بين فكى وحش الفقر والجوع والعنف فيختلط الشبق بالدم، وتتشابك تأوهات الرغبة فى آهات الجوع، وتتوه ملامح كل شئ حتى الغيرة ذلك السلوك الذى نقسم على أنه أكثر القيم رسوخاً وثباتاً، فى هذه الرواية يتوه وينهار فالبطلة التى تدعى ترتر وزوجها عبد الضار بلغة أهل البلد "يكملان عشاءهما نوم" إلى أن يهبط عليهما غزالة الفهلوى الحرامى بالشنطة التى تحوى مليون جنيه هنا يستعد عبد الضار أن يؤجر زوجته لغزالة وكمان بالعيال!! ولنقرأ بعد هذه المقدمة التى كان لابد منها بعض ما إقتبسناه من هذه الرواية المشكلة، يقول يوسف القعيد على لسان ترتر:
"إبتديت أنا وغزالة ناخد على بعضينا..حاكم أنا ست محرومة دنيتى كلها مافيهاش ولا مروحة حنيه توحد ربها...عمر ماحد حيصدقنى نما أقول إن جوزى عمره ماباسنى. دايماً مكشر وبوزه طوله شبرين..كان يرجع البيت دايماً فى إنصاص الليالى، يزغدنى فى جنبى، أو يرفسنى برجله، يصحينى مفزوعه من أحلاها نومه..أكون نايمه على جنبى الشمال يعدلنى.. يخلنى أنام على ضهرى، يروح شايل قميص النوم، يرفع نصه التحتانى يغطى بيه نصه الفوقانى مع إنى حلوه كلى على بعضى إنما هوه كان بيقول إن نصى التحتانى هو اللى يهوس وبس"
وعن السلوكيات الجنسية عند هؤلاء الهامشيين والتى نجهلها تماماً ونندهش إذا صدمنا بها أدباء مثل يوسف القعيد الذى يصف لنا إحدى هذه السلوكيات بقوله على لسان ترتر:
"وأنا نص نايمه و نص صاحيه يروح عامل اللى هو عاوزه، نوبه لقانى نايمه بالكلوت راح نازل من فوقى وطلع على وسط الدار ومعاه عصايه نقرش بيها جتتى حته حته..خطوط الضرب كانت باينه خط خط زى كراريس العيال بتاعت المدارس"
والفقرات السابقة كانت فى بداية رواية لبن العصفور قبل تأجير ترتر لغزاله وإتيانها بالعيال لتعيش معه فى اللوكانده وتنتقل من حجرة العيال لحجرته حين يريدان ممارسة الجنس... وتقول ترتر عن هذه اللحظات:
"كنت أشوف فى عينيه فرحة ماأعرفشى إزاى أوصفها لما كنت أروح له من نفسى من غير مايطلبنى وأنا كمان لما كان ينده عليا كان جسمى يقشعر ويبقى عامل زى الغريبه ومش ماسك بعضه وإنه عايزنى وماشبعش منى لسه...بقيت أدعى ربنا وأقول يارب ماييجى عليه يوم من الأيام ويشبع منى"..
وهنا نتأكد ونتيقن من أن الجنس ليس لفظاً واحداً مسطحاً ولكنه لفظ كقطعة البللور تتعدد أوجهه بتعدد الظروف التى تتحكم فيه.. فجنس الأرستقراط غير جنس فقراء الريف غير جنس هامشيي المدن..الخ... حتى التعبيرات والألفاظ التى تحاول أن تحيط بمعنى الجنس تختلف من مكان لآخر ومن طبقة إلى أخرى، ولنقرأ هذه الفقرة من نفس الرواية السابقة لنتأكد من صدق هذا التحليل:
"ماكانشى فيه حاجة بتحوشنا عن بعضنا إلا الشديد القوى.. إن السكه تكون عندى مسدوده..النسوان فى الحته بيقولوا عليها إنفلونزا تحتانى وكت أعد ليام على صوابعى لغاية ماتروح وأطهر نفسى منها"....
وأعتقد أن السؤال الذى يدور فى عقلك الآن عزيزى القارئ بعد كل هذه الإقتباسات هو كيف تقول أن تناول الجنس فى أدبنا مازال محرماً ومداناً وأنت قد إقتبست كل هذه الفقرات من روايات منشورة وغير مصادرة ؟!.
والحقيقة أن الإجابة تملكها أنت أيضاً فالمشكلة ليست فى المؤلف بقدر ماهى فى المتلقى الذى يستقبل، وفى المناخ الذى يدين ويجرم ويجعل مثل هؤلاء المبدعين كالمجذومين يعيشون فى عزلة إجبارية بالرغم من أنهم يتحدثون فيما نتحدث فيه نحن ليل نهار ولكننا نتظاهر بأننا مصابون بالخرس تجاهه حتى لانوصف بقلة الأدب....فهل هذه حقاً قلة ادب؟؟...