لم يوقف هلال رمضان سيل الدم الفلسطيني في أيام سينقلب فيها السحر على السحرة، مثلما ينقلب الندم أيضاً، ليتحول الى ذباب يطنّ في الذاكرة الآثمة، إذا تذكرنا هذه الأسطورة التي ابتكرها الإغريق القدماء للتعبير عن الندم!

ومهنة المسحراتي، انقرضت كمهن عديدة أخرى في حياة العرب، ولم يبق منها إلا طقس فولكلوري، وهو ما تبقّى من النسّاج والبائع المتجول وشاحذ السكاكين على عجلة بدائية.
ولرمضان في فلسطين هذه الأيام مذاق آخر، لأن حلوياته مملحة بالدموع، والحساء لا يخلو من دم يطفو عليه.

أما المسحراتي في فلسطين، فهو جيش الاحتلال والجنرال الذي يقتاده الى الجحيم. فالفلسطينيون لا ينامون، وإن ناموا فلبضع دقائق فقط، إذ سرعان ما يوقظهم الرصاص، وتخترق نوافذ بيوتهم الصواريخ الباحثة عن ناشطين، سواء كانوا بشراً يدافعون عن أرضهم، أو شجراً يعقد براعمه لعام قادم.

ولم يكن عشاؤهم البارحة، هو الأخير، لأنهم موعودون بمساءات أخرى أقل أسى وأكثر نجوماً، حتى لو وجدوا أنفسهم وحيدين كالرياح العارية المغروزة في التراب!

ولا يحتاج سحور فلسطيني نموذجي الى طباخ ماهر يقترح له الوصفات، ويضع على رأسه طاقية كبيرة كخيمة بيضاء، ويقشر البصل بالسكين، حتى تدمع عيناه، إنه سحور بسيط، قد يتألف من ثلاث رصاصات وصاروخ إضافة الى قليل من الدخان والغبار من بيت منسوف للتوّ!

من يتذكر هؤلاء المنسيين وهو يطرد الذباب عن أطايب الطعام وأصنافه التي يعفّ عنها من لم يصوموا نهاراً واحداً في حياتهم!

ومن يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأن مستوطناً جرح، يتعاملون مع كل هذا الموت كما لو أنه وعكة وطنية أصابت شعباً، أو مجرد زكام في بواكير الشتاء! والأرقام التي تتداولها وسائل الإعلام عن عدد من يستشهدون كل يوم، باتت بلا دلالات على الإطلاق، وكأنها “أرقام صمّاء” كتلك التي سخر منها برتراند رسل، ومزق الورقة التي تعج بالأرقام أمامه.. وهو يقول.. لا أدري عمّ يتحدث هؤلاء؟ فأية أربعة، وأية سبعة وأي ألف؟ هل هي حجارة أم قطط أم موائد أم بشر من لحم ودم؟

وقد كان رهان المحتل منذ المستوطنة الأولى هو إخضاع الضحية عبر متوالية الضرب على الرأس، والضحية ليست فلسطينية فقط، إنها عربية وإسلامية بأوسع معنى لهذا الوصف، ونعرف جميعاً أن اليد الصهيونية استطالت لتخترق حدوداً إقليمية، وأجواء، ولم يصدّها شيء، وطاردت الفلسطيني من بحر الى بحر، من سماء قريبة الى أخرى بعيدة، لأن قرار إبادة هذا الشعب والحلول مكانه في التاريخ والجغرافيا قد اتخذ منذ زمن طويل، وما أبطل مفعوله هو الشعب المحكوم بالإعدام، لأنه قرر بدوره أن الموت نشور وحياة، وانتهى أخيرا الى هذه التراجيديا الفريدة التي تتلخص في ذود الموتى عن الحياة والأحياء معاً!
أي سحورٍ ذلك الذي يتحلق ملايين الفلسطينيين حوله في هزيع الليل الأخير؟ وهل له أدنى علاقة بهذا الطبيخ المتلفز، وهذه الولائم التي تسيل الإعلانات عنها لعاب الذئاب والضباع؟

وكنا نتوهم، بأن مناسبات دينية جليلة قد توقظ النبض في الجسد العملاق السادر في غيّه وغيبوبته معاً، لكن الحقيقة تعود دائماً بكامل سوادها، وعُريها، وقسوتها، لتذكرنا بأن آخر الساهرين على ثقافتنا وحضارتنا وعقيدتنا منسيون، ولا يذكرنا بهم غير نبأ هنا أو هناك، أصبح هامشياً حتى في نشرات الأخبار!
الفلسطينيون يصومون رغم أنهم على سفر دائم وعلى تخوم موت جماعي، ولا حرج عليهم إذا أفطروا، ذلك بأن القدس شهيقهم اليومي، والمقاومة هي زفيرهم.

فهل من المعقول أن يغرق ملايين العرب والمسلمين في تقاويم داجنة، ويطوون الأيام كسجادة مهترئة، فيما يحصي هؤلاء المنسيون أيامهم بعدد شهدائهم؟
وكيف يمكن لإفطار عربي أو إسلامي ألا يكون مشوباً بشعرة أو قطرة دم مادام هؤلاء يستيقظون إن ناموا على “مسحراتي” بدرجة جنرال، ويفزع أطفالهم بعبرية محشوة بالبارود؟!