بيل كريستيسون* وكاثلين كريستيسون**: خلال لقاء أجراه برنامج “الديمقراطية الآن” مع الصحافي البريطاني روبرت فيسك في الأول من اكتوبر/تشرين الأول صبيحة اليوم التالي للمناظرة الرئاسية التي تجابه فيها بوش وكيري، أبدت جوان جونزاليز، زميلة عامي جودمان، ملاحظة كان واضحاً أنها أرادت من ورائها حثه على إجابة خطيرة الشأن ولفتت فيها نظر فيسك إلى أن “إسرائيل” لم يكد يرد ذكرها إلا لماماً أثناء المناظرة، إذ لم يعرض كل من المرشحين الرئاسيين لذكرها سوى مرّة واحدة فقط. كما لم يسأل المحاور جيم ليهرر أيّ أسئلة البتة، لا عن “إسرائيل”، ولا عن الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”، لكن فيسك، وببساطة، أغضى عن هذا، ورأى أن المسألة لا تتسم بأهمية خاصة، وقال إن هذا بالتأكيد أمر لا يسع المرء الخوض بشأنه في النقاشات السياسية في الولايات المتحدة، لذا تجاوزه فيسك ولم يتطرق لبحثه.
وما كانت تنحية فيسك لهذا الموضوع جانباً، رغم أهيمته القصوى، لتنطوي على تعاطف مع هذا الباعث الأمريكي
بالذات لإغفال قضية لها أهمية طاغية، لكن صرف اهتمامه المباغت عن هذه المسألة ساعد على استدامة وترسيخ سوء فهم خطير في السياسة الأمريكية. فمن بين الخرافات التي تغلغلت في نسيج النزاع العربي “الإسرائيلي”، ولا سيما منه الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”، واستحكم استبطانها في ثناياه، أن هذا الصراع، والعلاقة الأمريكية - “الإسرائيلية” في الصميم منه، إن هو في الأساس إلا مشهد ثانوي له أهمية حيوية بالغة من الناحية العاطفية بالنسبة لليهود الأمريكيين، بل ولمعظم الأمريكيين في الحقيقة، لكنه ليس له عظيم أهمية استراتيجية بالنسبة لمصلحة الولايات المتحدة القومية. وتفشي فكرة أن “إسرائيل” ليس لها علاقة بسياسات الولايات المتحدة العالمية، ولا سيّما بسعي الولايات المتحدة الحثيث لإقامة امبراطوريتها وبسط سلطانها، ينبع من تصورات تتفشى في أوساط أعداد كبيرة جداً من الأمريكيين. وهذا المعنى برز جلياً في السنوات القليلة الماضية بوجه خاص في ذات الوقت الذي كان ينبغي فيه على كل من يصبو إلى شرق أوسط يسوده السلام والأمن أن يشجع ويروّج لوجهة النظر المعاكسة تماماً.
ظهر في العام الماضي سيل من الأفلام السينمائية الوثائقية ذات الصبغة التحقيقية والدراسات المعمقة، والتحاليل المسهبة، بأقلام ثلّة من الصحافيين التقدميين والقنوات الإعلامية التي عكفت على درس بواعث الولايات المتحدة، وتفحص دوافعها للهيمنة على العالم، ومحاولة سبر أغوار الأسباب التي دعت الإرهابيين لاستهداف أمريكيا. وهؤلاء الصحافيون وهذه القنوات الإعلامية، وهي الجهات التقدمية التي يفترض أن “تدرك الأمور” وتفهم حقيقة خباياها، هذه الأطراف كلّها، أو يكاد يكون جميعها قد تجاهل الصلة “الإسرائيلية” بغزو العراق وأغفل العلاقة الوثيقة بين “إسرائيل” وشتى الخطط الأخرى التي رسمتها إدارة بوش للشرق الأوسط: فثمة إمكانية الهجوم على إيران ومرافقها النووية، وهو الاحتمال الذي أشبع نقاشاً، والخطط المحتملة لمهاجمة سوريا، وما يدعى ب “تحوّل” شرق أوسطي يفترض أن يتم بإقحام ديمقراطية زائفة تفرض عليه بالإكراه بوساطة صواريخ “كروز” وقاذفات “بي - 52”.
وتشتمل هذه الأفلام الوثائقية والتقارير بوجه خاص، على أفلام فيديو منتشرة على نطاق واسع مثل “كشف النقاب” الذي أحدث ضجة مدوية العام الماضي، و”كارثة الاختطاف” الذي يحظى برواج كبير حالياً. وهناك أيضاً فيلم “فهرنهايت 11/9” لمايكل مور. ومن بين التقارير هنالك على الأقل دراستان على درجة رفيعة من الجدية نشرت إحداهما مجلة “فورين بوليسي إن فوكس” تحت عنوان “أمريكا آمنة في عالم آمن” ونشرت في سبتمبر/أيلول من عام ،2004 وأجرت الأخرى مؤسسة دراسات وبحوث في نوتردام بعنوان “نحو أمريكا أكثر أمناً: التأسيس لسياسة الولايات المتحدة ضمن الحقائق العالمية”. التي نشرها بصفة مشتركة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام ،2003 “منتدى الحرية الرابعة” ومعهد جوان بي كروك لدراسات السلم الدولي في جامعة نوتردام”. وحظيتت هاتان الدراستان باستحسان حشد واسع من العلماء الكبار ممن حازوا احترام العالم ومن الخبراء الحكوميين السابقين. وهناك بالطبع تقرير لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر/ ايلول الذي اعتبرته معظم الدوائر كلمة الفصل في الخلل، وفي ما ارتكب قبل 11 سبتمبر/ ايلول من أخطاء، وفي الإجابة عن التساؤل عمّا إذا كانت السياسة الخارجية الأمريكية لها أي علاقة بحفز الهجوم، أو ممارسة استفزاز أدى إلى شنّه.
وأما فيلم الفيديو الوثائقي “كارثة الاختطاف” فإنه يدنو في الحقيقة من الصلة “الإسرائيلية”، ويقترب عن كثب من هذه العلاقة، وذلك بتفحصه المباشر لخطّة المحافظين الجدد القائمة على بث الخوف واستثارة هواجس الأمريكيين العاديين، وتوظيف مشاعر الذعر لمنح بوش تفويضاً لتنفيذ خطط غزو العراق التي كان قد صاغها المحافظون الجدد قبل دهر طويل، وهذا الغزو الذي يصب وإلى حد كبير في مصلحة “إسرائيل”. لكن هذا الفيلم، شأنه شأن الأفلام الأخرى المماثلة والتقارير التي تناولت هذا الموضوع، كان يحوم من بعيد جداً حول الحقيقة المركزية فلا يكاد يمس العلاقة “الإسرائيلية” بالولايات المتحدة ومتاجرتها بالحرب في الشرق الأوسط.
وهذه الأعمال كلّها تعرّي العملية التي انغمست فيها إدارة بوش لبناء الامبراطورية وتفضح بتميّز الأطماع النفطية، إلا أنّ فيلماً بعد فيلم، وتحقيقاً صحافياً بعد تحقيق، وتقريراً إخبارياً بعد تقرير، تتجاهل جميعها أحد أهم الدوافع الاستراتيجية، بل وأقوى الحوافز المحرضة على غزو العراق وتدميره، ألا وهي “إسرائيل”، والسباق المجنون لضمان “أمن إسرائيل” وذلك بتحييد أعظم خطر يتهددها وهو العراق تحت حكم صدام حسين. وها هم المحافظون الجدد يشتغلون الآن على موضوع إيران، وفي وسع المرء أن يراهن على أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران بعد عام أو عامين من الآن، ثمّ بدأت تلك الحرب تسوء مسفرة عن حقائق بشعة فسوف يتجاهل الجميع الصلة اللصيقة بين “إسرائيل” وهذه التطورات الدرامية أيضاً، فحتى بعد الإطاحة بصدام وزوال حكمه، أطل اليوم خطر جديد هو أكبر ما يحدق ب “إسرائيل” من أخطار، ألا وهو إيران.
وصدرت من بوش وكيري زلات لسان خلال المناظرة الأولى التي جرت بينهما، فتطرقا إلى الصلة “الإسرائيلية” بغزو العراق، لكن ذلك جاء عرضاً، بحيث إن أحداً في الحقيقة لم ينتبه البتة لتلك الإشارة الخاطفة. فتطوع بوش بقوله إن من بين المنافع الأخرى “المتخيلة” التي تجنيها الولايات المتحدة والعالم تأمين سلامة “إسرائيل”، فقال بالحرف الواحد: “إن إقامة عراق حر سوف يساعد على ضمان أمن “إسرائيل”. واستفزت هذه الالتفاتة كيري الذي لم يشأ أبداً أن يسجل خصمه نقطة على حسابه من خلالها فأقحم عبارة “سوف أصلح الأمور في العراق، لأن هذا مهم لأمن “إسرائيل”، لذا فهو مهم لأمن الولايات المتحدة، وهو مهم بالتالي لأمن العالم”. ولربما غشي بصر المرشحين عمى مؤقت في لجة هذه المناظرة فلم يبصرا للحظة الرغبة العامة في الإغضاء من شأن أي صلة ل “إسرائيل” بهذه القضية، لكن كلاً منهما فكر لا ريب أن المسألة الأهم في هذه اللحظة إنّما هي حرمان الخصم من تحقيق أي ميزة في السباق المحموم للتزلف ل “إسرائيل” وإظهار أقصى دعم لها، ومع هذا فإن هذه الواقعة برمّتها مرت كأنها لمحة عابرة، وفي ساحة الخطاب السياسي العام الموجه للجماهير تظل “إسرائيل” مجرّد “مشهد ثانوي”.
والأمر الأهم ها هنا، والذي ينبغي التسليم به هو أنه لا أحد على الإطلاق، لا المحللون، ولا منتجو الأفلام ولا الصحافيون يريد لمس قضية “إسرائيل”، أو مجرد الاقتراب منها، فأنت لن يمكنك بيع فيلم مثل فهرنهايت 11/9 إن تحدثت عن “إسرائيل”، كما أنّك لن تحدث الانطباع ذاته ولن تحظى برواج، ولن تجني بالتأكيد أيّ مال إذا بدا أنّك تنتقد “إسرائيل” بشكل أو بآخر. لذا فخير لك أن تغض الطرف وتتجاهل الموضوع تماماً.
وتؤكد الوقائع الملموسة أنه لا يمكن أبداً التعامي عن الحقيقة الدامغة وهي أن معظم المحافظين الجدد في هذه الإدارة الحالية ممن لهم أعظم النفوذ وأعمق التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، كانوا لدهر طويل من أنشط الداعمين ل “إسرائيل”، بل بلغت نزعة تأييدهم المطلق ل “إسرائيل” حداً جعلهم ينقضون بعض أسس سياسة الولايات المتحدة السابقة فيما يخص عملية السلام إذا تعارضت مع رغبات الجناح اليميني “الإسرائيلي”. ومن المستيحل كذلك إغفال حقيقة أن السواد الأعظم من المحافظين الجدد هم من اليهود، لكنّ هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها وهي أنه في العالم السريالي لسياسة الولايات المتحدة و”إسرائيل” لا يمكن للمرء المغامرة بإثارة هذه القضية. وسرعان ما يتلقفونك ليخبروك أن من معاداة السامية مجرد قولك ان بحوزة اليهود قوة، أي قوة على الإطلاق، لأن هذا القول من شأنه أن يبدو وكأنه مثل تلك الإشاعات الكاذبة القديمة التي كانت معادية للسامية في الحقيقة والتي دأبت في الماضي على نسج قصة مخادعة فحواها أن اليهود يحاولون الهيمنة على العالم.
لذا، فلا أحد يودّ أن يمسّ هذه القضية من قريب أو بعيد. والنتيجة أن صانعي السينما والمعلقين السياسيين، وكل من يشارك في صياغة الرأي العام ينأى بنفسه عن هذا كله إيثاراً للسلامة. ويصح هذا القول حتى في حقّ الصحافيين التقدميين الذين يعرفون الحقائق ويدركون بواطن الأمور. وهذا الأمر صحيح أيضاً فيما يتعلق بكافة السياسيين في الواقع، الذين لا يعرف معظمهم الوقائق والحقائق باستثناء رالف نادر. ويصح هذا كذلك بالنسبة للدبلوماسيين السابقين. ويستحيل على المرء أن يورد إلا حفنة ضئيلة جداً لا يتجاوز عددها التسعة من الدبلوماسيين المتقاعدين الذين تتم دعوتهم إلى شتى المحافل العامة والمنتديات ليتحدثوا بإسهاب عن سياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” فلا يستفيضون في التشدق بصيغ لا معنى لها أو يتملصون من تعهدهم لأن القضية بالغة الحساسية، وشديدة الخطورة ومنغرزة في صلب نسيج السياسات المحلية.
ونتيجة لهذا الصمت المطبق يجنح الرأي العام إلى الاعتقاد بأنه ليس ل “إسرائيل” تأثير استراتيجي في الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة وبالتأكيد لن تقدم على تنفيذ أي سياسة بسبب “إسرائيل” أو بوحي من “إسرائيل” أو بالتعاون معها، وأن سياسات “إسرائيل” في الأراضي المحتلة وقمعها للشعب الفلسطيني وقهره ليس له تأثير استراتيجي في أي بقعة من العالم، ولا يمكن إدراجه بصفته عاملاً في منظومة الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة مستهدفة من قبل الإرهابيين، ولا يمكن أن تعزي إليه حقيقة أن معظم العالم العربي والإسلامي يكره الولايات المتحدة بسبب سياساتها الخارجية، ولا سيّما أنها هي التي تمكّن ل “إسرائيل” في عدوانها على الفلسطينيين. و”إسرائيل” هي الفيل في حجرة الامبراطورية.
هنالك حلقة مفرغة تفرض حضورها وتفعل فعلها ها هنا، فكلما تقلّص نقاش الإعلام والسياسيين لقضية الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي” اضمحلت معرفة عامة الجماهير وإلمامهم، بل واهتمامهم بهذا الموضوع والعكس صحيح. وكانت النغمة العامة التي عزفت عليها الصحف القليلة والمقالات والتعليقات التي لاحظت صمت المرشحين في أعقاب المناظرة الأولى بين بوش وكيري وتناولت هذه النقطة بالتحليل هي أن القضايا الفلسطينية “الإسرائيلية” لا تهم عامة الأمريكيين كثيراً، لذا لا ينبغي كذلك أن يقيم لها المرشحان كبير وزن.
ونقل عن شبلي التلحمي، وهو من كبار الخبراء بشؤون الشرق الأوسط، كما أنه فلسطيني، قوله إن هذه المسألة ليست “مدرجة على أجندة العامة” لذا فليس لها تلك الأهمية والأولوية بالنسبة للناخبين. وقال خبير آخر يعتبر أحد أعلام إحدى الترسانات الفكرية المتخصصة بالشرق الأوسط في واشنطن: “لدى المرشحين الكم الغفير من القضايا الأخرى التي تشغلهم”.
وحسب استطلاع أجراه مجلس العلاقات الخارجية في أغسطس/آب صنف المشاركون مسألة حلّ الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي” في المرتبة 17 من الأولوية في قائمة ضمّت 19 قضية مهمة فقط تواجه الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. وسرعان ما تلقف “الإسرائيليون” الرسالة وبادر مقال نشرته صحيفة “هآرتس” “الإسرائيلية”، إلى تلخيص المسألة بقوله: “لا يمكن أن يلام المرشحان. لم يكونا هما من صاغ الأجندة للناخبين، بل قصارى الأمر أنّهم تجاوبوا معها، والناخبون أبعد ما يكون عن الاهتمام بالصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”.
وهذه بحدّ ذاتها قضية أخرى تثير الهلع، إذ هي قلب مذهل للأمور رأساً على عقب ونسف لمفهوم القيادة وإخفاق هائل لا يغتفر وخلل في فهم السياسيين الذين بيدهم مقاليد الأمور ومفاتيح اتخاذ القرار، وبيدهم حسبما هو مفترض أمن الولايات المتحدة ذاتها. وفي الحقيقة تسارع نمو العلاقة الأمريكية - “الإسرائيلية” وتعاظم التقارب بين الطرفين بوتائر مرعبة بتعاقب السنين حتى أضحى من غير الممكن التمييز في السياسات.
فأي سياسة هذه؟ أهي سياستنا أم سياسة “إسرائيل” تلك التي تنتهج في الشرق الأوسط؟ وتلك هي الحقيقة التي تقذف بالولايات المتحدة في هوة خطر جسيم.
ولطالما تنامت هذه الروابط الأمريكية “الإسرائيلية” باضطراد وثبات حتى منذ ما قبل إنشاء “إسرائيل”، وذلك في فجر نهوض الحركة الصهيونية وانبعاث نشاطها في الولايات المتحدة، حيث اكتسبت تأييد معظم العامة الأمريكيين ودعم ومناصرة صنّاع السياسة هناك في أوائل القرن العشرين. لكن الثقافة السياسية في الولايات المتحدة قد تحولت في الآونة الراهنة إلى دعم “إسرائيل” بإصرار عجيب لدرجة صار أشبه بالمستحيل إفساح المجال أمام وجهة نظر بديلة للتعبير عن نفسها. ولم يصح هذا الأمر في زمن من الأزمان صحته في هذا الزمان فالعلاقات اليوم أوغلت بعيداً في تخطيها مسألة التعاطف الوجداني المجرد مع اليهود لماحلّ بهم من رزايا وتجاوزت مجرد الإعجاب بمنجزات “إسرائيل، وتعدت القضية كثيراً نقطة النظر إلى الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي” من منظور “إسرائيلي” بحت.
فبعد انقضاء عقود من العملية المتواصلة التي لا تهدأ لتوطيد الأواصر بينهما، أصبحت “إسرائيل” شديدة الارتباط بالولايات المتحدة بطرق صلبة للغاية بحيث غدت في الحقيقة جزءاً لا يتجزأ من المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي. ف “إسرائيل” تبيع العتاد والأجهزة العسكرية، بمعرفتنا، لدول يحظر قانون الولايات ذاته على الأمريكيين بيعها لها، ونضرب مثلاً على ذلك الصين. وكثيرة جداً هي الأسلحة وطرازات وأنواع الأسلحة التي تنتج في الولايات المتحدة ل “إسرائيل”، بحيث أصبح من أسهل الأمور على جماعات الضغط “الإسرائيلية” في واشنطن التوجه إلى أفراد من أعضاء الكونجرس ولفت نظرهم، إلى العدد الكبير من الوظائف وفرص العمل التي يعتمد توفرها في منطقة ما على هذه الصناعة وعلى عدم الضن على “إسرائيل” بأي سلاح تطلبه. وبهذه الطريقة تصبح “إسرائيل” عاملاً مباشراً وحيوياً في الحفاظ على المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي وفي الإبقاء على فرص العمل والارتزاق في الولايات المتحدة، وفي إبقاء أعضاء الكونجرس وغيرهم من السياسيين في مناصبهم.
وبوجود هذا الصنف من النشطاء الموالين والمناصرين ل “إسرائيل” الذين يشغلون مناصب حساسة في الهيكل البنيوي لصياغة مبادئ التحرك ورسم السياسة في إدارة بوش بلغ الأمر حد قيام الولايات المتحدة بتقديم مصالح “إسرائيل” في سياستها الخارجية على مصالح أمريكا ذاتها. وليس لدى صنّاع السياسة في إدارة بوش سوى اهتمام متدنٍ جداً في الحقيقة. بالبحث عن حل للصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”، تماماً كما هو شأن الناخبين في استطلاع مجلس العلاقات الخارجية الذين يفترض أن يقودهم صناع السياسة أولئك. واهتمامهم هو في المقام الأول التعامل مع هذا الصراع بأي طريقة تراها “إسرائيل” مناسبة. وكان من أهم الأسباب الكبرى لقيامنا بغزو العراق تحقيق “منفعة إسرائيل”. وهذه الحقيقة مرعبة إلى الحد الأقصى ولدرجة تملي على الجميع كشفها وفضحها كلّما جرى نقاش يتناول بواعث الحرب، وكان سعي الولايات المتحدة الحثيث لبسط هيمنتها على العالم دافعاً رئيسياً آخر، كما يبدو في غاية الوضوح، إضافة إلى دافع النفط، غير أن الامتزاج والتلاحم بين أهداف الولايات المتحدة وأهداف “إسرائيل” في الشرق الأوسط وصل حداً صار من المستحيل معه تحديد أين ومتى يتوقف صنّاع السياسة من مثل بول ولفوويتز أو دونالد رامسفيلد، أو الكثرة الغالبة من المحافظين الجدد في وزارة الدفاع الأمريكية عن التفكير في المصالح “الإسرائيلية” ليشرعوا في التفكير بمصالح الولايات المتحدة. حصرياً. والسياسة وصناعها على درجة من الترابط والتداخل الوثيق بحيث يكاد ينتفي مثل هذا الاحتمال في أن يثوب القوم إلى رشدهم، وهذه القضية تحتاج إلى نقاش عالي الصوت وإلى تكرار هذه النقاشات في أغلب المحافل وفي كل حين.
وتكمن إحدى المشكلات التي ينطوي عليها التعامل مع “إسرائيل” وصراعها مع الفلسطينيين على أنّها مشهد ثانوي ليس له تأثير مباشر على مصالح الولايات المتحدة في أنّه كلّما استفحل تجاهل “إسرائيل” باعتبارها عاملاً مهماً جداً في هذه المعادلة وعنصراً رئيسياً في عملية بناء الامبراطورية الأمريكية كلّما تعاظمت قوة “إسرائيل” وكلّما قويت صلاتها وتمتن ارتباطها بالمجمع الصناعي العسكري وازدادت قدرتها على مجابهة الولايات المتحدة والوقوف بندية تجاهها ومقاومة أي مطالب تحاول أن تمليها عليها، وفي عملية السلام مثلاً، كلما ترسخ تجاهل “إسرائيل” بصفتها عنصراً حاسماً في المعادلة سالفة الذكر ازدادت قدرة على قتل الفلسطينيين ومواصلة عدوانها التوسعي في الأراضي المحتلة، وبنهاية المطاف، كلّما ازداد تعريضها الولايات المتحدة للأخطار. فكل ما ترتكبه “إسرائيل” في الشرق الأوسط ينظر إليه، بحق وبدقة، في أرجاء العالم على أنه جرى بمباركة وتشجيع ودعم وتواطؤ مع الولايات المتحدة، ولا غرو في ذلك وأمريكا هي التي تمكن ل “إسرائيل” بما تمدها به من القيام بذلك. والنتيجة هي أنّ أي جماعة إرهابية قادرة على شن هجوم يضارع ذاك الذي حصل في 11 سبتمبر لن تتوانى عن استهدافنا نحن الأمريكيين قبل “إسرائيل”.
وثمّة مشكلة أخرى ألا وهي انقسام الحركة المناوئة للحرب والمناهضة لفلسفة الامبراطورية في الولايات المتحدة، على نفسها، والتباين الواضح في مواقف هذه الحركة برمتها، فيما يتصل بقضية السياسة تجاه “إسرائيل”، وتبذل الجهود على نطاق واسع لإخفاء هذا التمزق الذي أصاب الحركة. ويُطرح على بساط الحجج التي تساق لمواصلة هذه التغطية على تلك القضية نوعان من النقاش، كلاهما تزوير وزيف. ويقوم الأول على أن العلاقة الأمريكية “الإسرائيلية” وببساطة ليست علّة رئيسية ولا تشكل السبب الأكبر الذي يتوارى وراء غزو العراق، أو خلف رغبة الولايات المتحدة في تركيز حملتها للسيطرة على العالم في الشرق الأوسط أولاً وأخيراً. والكثير من “الإسرائيليين”، ومن نشطاء حركة السلام الأمريكية اليهودية يدعمون هذه الحجة بصلابة، ولا يمكن إنكار أنّ كثيراً من النشطاء من غير اليهود يساندون أيضاً هذه الحجة، رغم أن بعضاً من هؤلاء إنّما يصنع هذا على الأقل في جانب منه، لأسباب تكتيكية.
وأمّا منظومة الحجج الأخرى فهي تكتيكية كلّها، وأولئك الذين يناصرونها يدركون هذه الحقيقة ويعترفون بها صراحة. وتستند مزاعم هذه الحجة على فكرة أن وحدة حركة السلام الأمريكية أهم من كل ما عداها، وأننا سوف نضعف هذه الحركة بصورة مبرمة لا يمكن علاجها ما لم نتجاهل مشكلة الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” الخلافية. ونخشى أن ترفض الشركات الإعلامية، وتأبي دور النشر أن توزع أشرطة الفيديو الوثائقية والأفلام والكتب والمقالات، إن نحن تحدينا مواقف المؤسسة في ما يتعلق بفلسطين و”إسرائيل”. ونحن نتخوف كذلك من أن تتقلص إلى حد بعيد دائرة من يشاهدون أو يشترون أو يقرأون كتاباتنا أو أعمالنا الوثائقية أو أفلامنا. ولتسويغ هذا الصرح غالباً ما يلجأ دعاته إلى القول إن هناك الكم الغفير من القضايا الأخرى التي يمكننا على أساسها مهاجمة سياسات الولايات المتحدة النزاعة للقتال لدرجة أنه في الحقيقة ليس من الضروري في شيء التعامل مع هذه العلاقة الخاصة البالغة الحساسية بين أمريكا و”إسرائيل”.
وتمضي هذه الحجة لتقول إن أول ما ينبغي أن نتدبره هو القضايا الأخرى، فلدينا النفط لنتحدث عنه، كما لدينا أخطاء السيطرة على العالم، والحروب اللاأخلاقية ضد “الإرهاب” (والتي ما هي إلا مجرد تكتيك) كما عرّفتها واشنطن وحلفاؤها بصورة تخدم مآربهم، وقتل آلاف الأبرياء في أفغانستان والعراق، الذين ترفض الولايات المتحدة حتى مجرد إحصاء أعدادهم، والمظالم التي نجمت عن انتهاج النسخة الأمريكية من العولمة الاقتصادية التي وسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أرجاء العالم، والتوسع الأبدي في الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة، وإقامة المزيد والمزيد من القواعد العسكرية الأمريكية في كل مكان على سطح المعمورة تقريباً.
ومواصلة الولايات المتحدة دعمها للديكتاتوريات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي وأماكن أخرى. وأسلحة نووية جديدة تنتجها حكومة أمريكية منافقة بصورة وقحة، لا سيّما وهي تحاول عبثاً وفي آن واحد أن تمنع من تكره من البلدان والكيانات التي لا تشكل دولاً من حيازة أسلحة نووية.... إلخ، الخ.
لذا يطرح السؤال في وقت تعج فيه الساحة بقضايا لا حصر لها يمكننا أن نطرحها على بساط البحث للنقاش، لماذا نتجشم عناء الخوض بقضية أخرى مشاكسة إلى أبعد الحدود وتزداد تعقيداً يوماً بعد يوم؟ ما عليكم إلا تجاهل هذا الشيء الذي يدعى بالصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”. وغض الطرف عن إذعان الجمهوريين والديمقراطيين كليهما ورضوخهما الكامل لحكومة “إسرائيلية” يمينية.
وبنهاية المطاف، فإن انتقاد أي من سياسات “إسرائيل” يدنو كثيراً من الوقوع في معاداة السامية، وهذا من شأنه أن يدمر حركة السلام، لذا عليكم العمل بروح الفريق! وفي الوقت ذاته علينا كذلك أن نتأسف ونشجب إلى أقصى الحدود أي أعمال ترتكب ضد “إسرائيل” و”الإسرائيليين”، مثل ما وقع أخيراً من أحداث في طابا، وسواء قام بها فلسطينيون أو غيرهم. كما يجب علينا توخي أقصى درجات الحذر لتجنب أي انتقاد جاد لأي عمل “إسرائيلي” انتقامي، حتى ولو فاق ذلك الانتقام في شدته وفظاعته ثلاثة أضعاف حجم العمل الإرهابي الأصلي. وبالطبع فسوف يكون من الأفضل عدم ذكر “إسرائيل” وداعميها، لا سيّما في اللجنة الأمريكية “الإسرائيلية” للشؤون العامة (ايباك) والحديث بصوت مرتفع عن عمليات قتل “إسرائيل” للفلسطينيين على نطاق واسع في غزة، حيث تجاوز عدد من لقي مصرعه منهم على أيدي الجيش “الإسرائيلي” أضعاف عدد من سقط قتيلاً في تفجيرات طابا من “الإسرائيليين”. حسبكم أن تتعاموا عن هذا كله وتصرفوا الاهتمام عنه. فوحدة صفوف حركة السلام أهمّ من ذلك بكثير. وفي وقت يذعن فيه معظم قادة الجمهوريين والديمقراطيين ويرضخون ل “الايباك” بصورة تامّة ويستميتون في التزلف للحكومة “الإسرائيلية” الحالية والاستكانة لمطالبها، أنى لنا أن نغيّر هذه الأوضاع، وكيف السبيل إلى ذلك؟ أولاً، بالنسبة لأولئك النفر من قادة حركة السلام الذين يعتقدون أنّ مثل هذا الإذعان هو أمر خاطىء يجب أن يظهروا شيئاً من الشجاعة، وينبغي أن ينسوا مسألة الوحدة مع أي جهة أو شخص يعتقد أن السياسات الأمريكية الحالية تجاه فلسطين و”إسرائيل” مبررة أخلاقياً وتعود بالنفع على مستقبل أمن وسلام العالم واستقراره. وعليهم من ثمّ أن يصدعوا بمعتقدهم ويعلنوه على الملأ بصوت عالٍ ويؤكدوا على أن انتقاد سياسات “إسرائيل” الوحشية وأعمالها القمعية ضد الفلسطينيين لا يمت بصلة لمعاداة السامية، تماماً كما أن انتقاد السياسة الجمهورية الديمقراطية الحالية المشتركة التي تدعم “إسرائيل” بصورة عمياء ليس معادياً لأمريكيا وللأمة الأمريكية ولقيمها. ينبغي عليهم التصدي للريادة والقيام بدور قيادي في جهود السلام والكف عن محاولة الاتحاد مع أي جهة تعتقد بشكل عبثي أن انتقاد سياسات أي حكومة يشكل كراهية عنصرية.
* مدير سابق لمكتب ال “سي اي ايه” للتحليل الإقليمي والسياسي. شارك في تأليف كتاب: حملات صليبية امبريالية. تاريخ جديد معاكس للحرب على العراق وأفغانستان.
** محللة سياسية سابقة في ال “سي آي ايه”، واشتغلت في قضايا الشرق الأوسط لمدة 30 سنة، مؤلفة كتاب “بصائر عن فلسطين” و”جرح التشريد”. والنص منشور في كاونتربنتش”.
ترجمة: كمال البيطار