آمال شحادة: سوى بيضة وقليل من الخبز والحمص واللبنة، لم يكن قد بقي في مقر الرئاسة الفلسطينية في ذلك اليوم المشؤوم أي نوع آخر من الطعام. جلس الرئيس ياسر عرفات على رأس الطاولة ومن الجهة الاخرى كان جهاز التلفزيون يبث الاخبار من مختلف القنوات التلفزيونية ومن حوله أولئك الذين وصلوا لتشكيل درع بشري واق له.
كان الامر محرجا. فم يأكل ومن لا يأكل من هذا الطعام الشحيح؟ لكن أحد المسؤولين عن مهمة توزيع الطعام في ذلك اليوم، بادر الى وضع البيض في صحن صغير امام الرئيس، ووزع قليلا من بقية الطعام على الآخرين. فنظر عرفات من حوله ورأى امرأتين فرنسيتين. فطلب سكينا وقطع البيضة أربع قطع وناول كل واحدة قطعة. وكانت تلك بمثابة أجمل هدية حصلت عليها الفرنسيتان.
هذا هو ياسر عرفات الانسان. هذه هي الصفة التي رافقته طوال حياته وانعكست بشكل خاص في أثناء المواقف الصعبة والحرجة التي كان يعيشها. وربما كانت فترة الحصار حول المقاطعة التي فرضتها سلطات الاحتلال الاكثر بروزا لحقيقة وميزات الرئيس الفلسطيني: القائد والانسان والأب والبطل الذي لم يرضخ يوما للدبابات والمدافع والقيود.
فمن اتيح له ان يصل في اثناء الحصار في شهر مارس/ آذار من العام ،2002 بداية الحملة العسكرية “الاسرائيلية” “السور الحامي” الى المقاطعة كانت له فرصة يمكنه من خلالها ان يطلع على جوهر وحقيقة عرفات وان لم يكن من خلال محادثته بشكل مباشر فمن خلال الوفود الاجنبية الكثيرة التي وصلت اليه تسللا رغم قيود “الاسرائيليين”. وكان لنا في تلك الفترة ان نرافق ليوم بأكمله أحد الوفود البارزة التي “اقتحمت” المقاطعة لتعلن عن نفسها درعا بشريا لعرفات. بعدما وصلت الى المكان في ساعات الليل عبر طرق التفافية وزقاق بمرافقة شاب فلسطيني. ولم يكن أمامها أي سبيل آخر لوصول المقاطعة جراء رفض “الاسرائيليين” في حينه دخول أي شخص الى هذا المكان المحاصر.
عند وصول الوفد كان الحصار في ذروته وقد نفد الطعام والشراب في المقاطعة وكان عرفات يجلس على طاولة الاجتماع الى يمينه مسدسه وأمامه شمعة أضاءت بيانا كان يقرأه على الحضور ردا على ممارسات الاحتلال. فانقطاع التيار الكهربائي كانت واحداً من وسائل التضييق التي فرضها الجيش “الاسرائيلي” على المقاطعة وعلى عرفات شخصيا.
وبمثل هذه الاساليب التي جعلت المحاصرين غير قادرين على توفير الطعام والشراب ولا الاستحمام وحتى تغيير ملابسهم، حاولت “اسرائيل” تضييق الخناق وكانت تقصد اولا الرئيس عرفات الذي كان اكثر من ذاق هذه الممارسات. فهو يرفض تفضيله عن الاخرين بل انه كان على استعداد لتعريض حياته للخطر في سبيل حماية الاخرين وهو الذي كان يحتاج للدواء ولكنه بقوته وارادته وبوجود الجميع من حوله قاوم الضغوط.
ووصول الوفود الاجنبية الكثيرة آنذاك كانت اكبر شهادة تقدم في حق هذا الانسان. فاعلان الوفود عن نفسها كدروع بشرية لحماية عرفات يحمل في طياته المعاني الحقيقية لحب وتقدير العالم المتنور له. وكان بين أعضاء الوفد الفرنسي ناشطة تدعى ايليان دوسير التي لفتت نظر الجميع لنحالة جسمها وعمرها الذي تجاوز الخامسة والستين والارهاق الذي ظهر بكل وضوح عليها وإصرارها على الخروج حول المقاطعة لحماية عرفات. فهي كانت على قناعة ان “اسرائيل” لن تقتل الاجانب اذا حموا عرفات.
دوسير هي التي شاركت عرفات في تناول قطعة البيضة.. الهدية الاجمل التي تلقتها في حياتها وهي التي ارادت ان تفدي نفسها من اجل هذا الانسان.
ودوسير كانت واحدة من الاجانب المفاوضين مع “اسرائيل” آنذاك لضمان الاحتياجات الاساسية للمحاصرين. فمهمة الوفود الاجنبية لم تقتصر على الدروع البشرية بل انهم كانوا الوسطاء بين الفلسطينيين و”الاسرائيليين” وقالت دوسير آنذاك: “كنا نتوجه الى الجنود بعد التنسيق مع الهلال الاحمر من أجل السماح بدخول الخبز والطعام والقليل من السجائر، وبعد مشاورات لساعات كانوا يوافقون، لكن تصرفاتهم لدى وصول هذه الاحتياجات كانت امرا مخزيا وعكست بالضبط ما يعنيه هذا الاحتلال. فعند وصول سيارة الهلال الاحمر كنا نخرج نحن ولا نسمح للفلسطينيين بالخروج خوفا من قتلهم. وكان الهلال الاحمر يحمل كميات من الخبز فيأخذها الجنود يضعون نصفها جانبا لهم ويتركون النصف الاخر فنضعه على حمالة المرضى وننقلها الى الداخل. اما بالنسبة للسجائر فكانوا يتجبرون بالجميع، احيانا يرفضون ادخال الكمية كلها واحيانا يرفضون إدخال أي شيء منها. كانوا يعرفون تماما ان امرا كهذا من شأنه ان يوتر رجال الأمن. والاخطر من هذا كله، القصف المستمر على المقر حيث وصلت القوات الى مكان محاذ تماما لمقر الرئيس وراحت تطلق الرصاص بشكل مكثف، ما جعل الجميع يشعر ان نهايته اقتربت. وهنا لم يكن امامنا أي شيء لنفعله فنحاول ان نخفف من هم كل فلسطيني داخل المقر، وخاصة الرئيس عرفات الذي صمد امام كل المحاولات “الاسرائيلية” بل انه كان على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل الحفاظ على المقاومين المحاصرين. فكل المحاولات “الاسرائيلية” لم تخفف من عزيمته ومن قدرته على التحمل والاصرار على عدم الانكسار والاستسلام”.














التعليقات