الإشارات التي أرسلتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في زيارتها الخاطفة إلى آسيا كانت متضاربة .

في أثناء توقفها في اليابان وكوريا الجنوبية والصين , ركزت رايس في محادثاتها على الجمود في المفاوضات مع كوريا الشمالية ومحاولات إقناعها بالتخلي عن برامج إنتاج الأسلحة النووية .

في الوقت الذي عبرت فيه رايس عن رغبتها في أن تؤتي الجهود الدبلوماسية مع كوريا الشمالية ثمارها إلا أنها أرست الأسس والقواعد لآلية التصرف في حال فشلت هذه الجهود الدبلوماسية وألمحت إلى وجود خطط جاهزة لدى الولايات المتحدة للمواجهة مع كوريا الشمالية تبدأ بفرض عقوبات اقتصادية صارمة عليها .

لكن ما قالته رايس لا يتعدى التهديدات الجوفاء . لم تحرز رايس أي تقدم تجاه إقناع الدولتين اللتين ما زالتا تحتفظان بعلاقات جيدة مع كوريا الشمالية , الصين وكوريا الجنوبية . جاءت استجابة كوريا الشمالية إلى تهديدات رايس سريعة , حيث أصدر رئيس وزرائها الذي سيزورالصين هذا الأسبوع بيانا ذكر فيه أن كوريا الشمالية لن تقبل بالدخول في حوار أو مفاوضات سلام .

ادعت رايس أن كوريا الشمالية معزولة عن العالم وتواجه موقفا موحدا من كافة الدول الست المشاركة في المحادثات بما فيها روسيا . هناك اتفاق بين كافة الأطراف أن كوريا الشمالية في حاجة إلى العودة إلى مائدة المفاوضات التي جلست عليها آخر مرة في الصين في يونيو الماضي .

ولكن كوريا الجنوبية والصين تحتاجان إلى المرونة من جانب إدارة الرئيس بوش . تتطلع هاتان الدولتان إلى إشارة واضحة أن الولايات المتحدة مستعدة للوصول إلى حل وسط بدلا من الإذعان الكامل من جانب كوريا الشمالية . للأسف لم تشعر أي من كوريا الجنوبية أو اليابان بذلك في كلام رايس لتخفيف غضب الكورييين الجنوبيين من زيارتها , توجهت رايس مباشرة إلى أحد الخنادق تحت الأرض حيث مقر قيادة التدريبات المشتركة للقوات الأميركية والكورية الجنوبية . وعقدت رايس محادثات هامة حول مواجهة تهديدات كوريا الشمالية وهي الدولة التي وصفتها رايس بأنها الدولة التي لا تطبق النظام الديموقراطي وليس فيها أي حرية للصحافة أو التعبير عن الرأي ولا تحاول أن تخدم مصالح ورفاهية شعبها .

في اليوم التالي دار حوار عبر الإنترنت بين رايس ومجموعة من الصحفيين الذين يمثلون الجيل الجديد من الصحفيين في كوريا الجنوبية . كانت رايس مستعدة للأسئلة التي طرحها الصحفيون لأنها كانت جميعا متوقعة وغالبا ما يرددها الكوريون الجنوبيون . هل تخطط الولايات المتحدة لتوجيه ضربة عسكرية لكوريا الشمالية ؟ لماذا لا تقوم الولايات المتحدة بطمأنة القيادة في كوريا الشمالية أنها لا تفكر في الإطاحة بها .

التزمت رايس التزاماً تاما بتوجهات بوش في هذا السياق وهى أنه على كوريا الشمالية أن تتخلى عن برنامج الأسلحة النووية وفي حال تخلت عن أسلحتها النووية فإنها ستحصل على مساعدات إقتصادية كبيرة وتأكيدات أمنية من جانب عدة دول ليس من بينها الولايات المتحدة تحديدا . كانت الإشارة التي حملت طمأنة جديدة للنظام الحاكم في كوريا الشمالية أن رايس قالت بأن الولايات المتحدة تعلم جيدا أن كوريا الشمالية ( دولة ذات سيادة )

الكوريون الجنوبيون اعتبروا ذلك بمثابة إعلان من الولايات المتحدة عن استعدادها الدخول في مفاوضات مع كوريا الشمالية وهو الأمر الذي تشجعه كوريا الجنوبية بشكل كبير . هناك فجوات واضحة بين موقف واشنطن وسيئول وبكين .

في المؤتمر الصحفي المشترك مع رايس ذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي بأن المفاوضات مع كوريا المشالية يمكن أن تشمل حوارا مباشرا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية . ولكن رايس قالت تحديدا في المؤتمر الصحفي بأن هذا لا يمكن أن يحدث .

هناك أيضا توتر بشأن التقارير الاستخباراتية حول برنامج كوريا الشمالية النووي . قبل عدة أسابيع , وفي الوقت الذي كانت المحادثات السداسية على وشك الاستئناف، سافر عدد من المسؤولين الأميركان إلى المنطقة حاملين الأدلة الدامغة الجديدة على أن كوريا الشمالية قامت بشحن يورانيوم مخصب إلى ليبيا .

وذكرت صحيفة الواشنطن بوست في عددها الصادر الأحد الماضي أن أحد المصادر الاستخباراتية قال بأن الإدارة الأميركية ضللت حلفاءها لأن الشحنة توجهت إلى باكستان وليس إلى ليبيا وأن باكستان هي التي أرسلت هذه الشحنة إلى ليبيا . لم يكن هناك أي دليل على أن كوريا الشمالية لها علم بتوجه الشحنة إلى ليبيا .

يعتقد المسؤولون في الصين وكوريا الجنوبية بأن إقامة علاقات اقتصادية قوية مع كورويا الشمالية هي أفضل الطرق لإحداث تغيير في المجتمع الكوري الشمالي المنغلق على نفسه .
وذكر السفير الصيني في كوريا الجنوبية والذي يعتبر من الشخصيات التي لها تأثير على مجرى الأحداث بأن صبر كوريا الجنوبية على التعاون الاقتصادي مع كوريا الشمالية سوف يُسفر عن شيء في النهاية وحذر من سياسة عزل بيونغ يانغ وطالب باتخاذ سياسة أكثر مرونة من جانب الولايات المتحدة في مفاوضاتها مع كوريا الشمالية .

تحت هذه الظروف , إذا حاولت الولايات المتحدة طرح هذه القضية على الجمعية العامة للأمم المتحدة فإنها ستفاجأ بأنها تقف وحدها ضد كوريا الشمالية .


*دانييل شنايدر
كاتب في الشؤون الخارجية في صحيفة سان جوس مركوري .
خدمة كيه آر تي - خاص بـ(الوطن )