سقوط نظام صدام جاء بالحرية لكنه خلق وضعًا مربكًا للمرأة
نساء عراقيات يتدربن لأجل عراق آخر
| عراقيات متفائلات بالمستقبل |
عبد الرحمن الماجدي موفد (إيلاف) إلى دمشق:
في الوقت الذي تتسابق فيه العمليات الارهابية في العراق تكون الحرية وتداول السلطة اهم سماته. ومع اقتراب موعد الانتخابات العراقية اخر كانون الاول (يناير) في العام المقبل تزداد تلك العمليات جنبا لجنب مع دعاة تأجيلها وافشالها مدفوعين برغبات حزبية وفئوية. بالاضافة الى خشية بعض الدول من رؤية تداول للسلطة وحريات حقيقية قريبا من حدودها.وكانت الفقرة الخاصة بالمرأة العراقية في قانون ادارة الدولة ونسبة تمثيلها حدثا مهما وبارزا جعل المرأة تتلمس طريقها في مجتمع طالما تحكمت به "الذكورية" التي اضطهدت المرأة وجعلتها كائنًا تنفيذيًّا فقط في السنوات الماضية.
خلال هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق تحاول مجموعات من الجامعيات والموظفات العراقيات الانخراط في دورات تطويرية بعد انقطاع عن العالم الخارجي لأكثر من عشر سنوات جنباً الى جنب مع زملاء لهن ضمن مبادرة من معهد غوته الالماني في دمشق من اجل تقديم الجديد في علوم شتى. وفي ورشة عمل مكثفة انجزت مجموعة من امينات وامناء المكتبات العراقية دورة تدريبية في علوم المكتبات بدمشق. حين طلبت ايلاف محادثة مجموعة من المتدربات بدت الدهشة عليهن اول الامر اذ كن يستعدن للعودة للعراق مع مايعتري تلك العودة من هواجس الطريق الممتد لساعات تشهد عمليات سلب وخطف مقابل فدية للافراج ناهيك عن القتل.
كان رفضهن للحديث عن تجربتهن او عن واقع المرأة العراقية جازمًا. و كنت اتفقت مع احداهن على اللقاء مساء في صالة الفندق اذ طلبت منها ان تخبر زميلاتها وان تختار نماذج من تكوينات المجتمع العراقي حيث علمت ان بين المشاركات مسلمات (سنيات وشيعيات) ومسيحيات وعربيات وكرديات. لكن اتضح ان معظمهن رفضن الفكرة فغابت السيدة تلك عن الحضور وحضر سواها من الرافضات؛ اذ يجدن الحديث عن تكوينات المجتمع العراقي تكريسا لخطاب الطائفية وان أي اشارة لاي طائفة او قومية تدل على الدعوة للطائفية كما اجمعن.
بعد وقت ليس بالقصير تمكنت من اقناع ثلاث سيدات وافقن على الحديث بشرط عدم الاشارة لأصولهن العرقية او دياناتهن او طائفتهن. والمثير في الامر ان غير المحجبات كن الاكثر اصرارا على رفض الحديث بالرغم من اني كنت اريد تقديم نماذج مختلفة من النساء العراقيات لكن الوضع الامني اليومي في العراق القى بظلاله على اقامتن الاولى، لمعظمهن خارج البلاد بمفردهن، في مجتمع يجهد للخروج من حمى التخوين و التكفير والقتل على الهوية.
أول سفرحمدية عبد الله تعمل كأمينة مكتبة في المجمع العلمي العراقي ومتخرجة فمن كلية الاداب جامعة بغداد وتسكن في العاصمة. ترى بأن سقوط نظام صدام جاء بالحرية لكنه خلق وضعا امنيا متأزما تسبب في ارباك الفرد العراقي عامة وخاصة المرأة العراقية التي عانت ماعانت طوال الفترة الماضية. "لكن ذلك لم يمنع ومضة التفاؤل التي انبثقت في الحياة التعليمية. ولا ابالغ اذا قلت ان الاقبال على البحث العلمي والتأليف ازداد في الفترة الاخيرة بشكل لافت، حتى ان هناك طالبات لم يتمكن في الفترة السابقة من اكمال دراستهن تراهن اليوم مقبلات بحماس على ذلك".ولم تخف سعادتها بالسفر لاول مرة في حياتها خارج العراق وبمفردها ومن اجل تقديم ماتعلمته لبلدها وللباحثين والطلاب في المكتبات العراقية عامة ومكتبة المجمع العلمي العراقي بشكل خاص حيث مكان عملها. وتقول حمدية عن الانتخابات بأنها ستشارك فيها حتما لو جرت. لكنها مازالت لا تمتلك أي فكرة عن المرشحين بالرغم من اقتراب موعد الانتخابات. لكن المرشح الذي تفضله هو ان يكون عراقيا فقط مهما كانت قوميته او ديانته.
متفائلة
جوان محمود هياس مديرة مكتبة المجمع العلمي العراقي خريجة قسم الادب الانكليزي في كلية الاداب كانت الاقل ممانعة بين زميلاتها حين طلبت ان يتحدثن لايلاف. وقد علمت انها سافرت اكثر من مرة خارج العراق وجميع سفراتها بعد سقوط نظام صدام، كما اوضحت، حيث سافرت لالمانيا في شهر آذار (مارس) الماضي للمشاركة في مؤتمر مكتبات الشرق الاوسط. والسفرة الثانية كانت في اكتوبر الماضي لتمثيل العراق لوحدها في معرض فرانكفورت. وهذه السفرة الثالثة التي يرعاها معهد غوته.
تقول جوان محمود هياس بأن المرأة العراقية في السابقة لم تكن تتمتع بأي حرية سوى بالاسم الظاهر للكلمة. تلك الحرية كانت واضحة بعد سقوط نظام صدام لكن الواقع الامني حال دون الاستفادة من هذه الحرية بالاضافة الى ظهور بعض التنظيمات المتشددة جعلها تخشى التعامل مع الاخر اذا لم تكن تعرفه خشية رد الفعل ضدها او ضد عائلتها. لكن على الرغم من ذلك متفائلة "طالما يوجد عراقيون يعملون لصالح العراق".
وهي لاتسعى لشغل أي منصب في المستقبل وغير منضوية ضمن أي جمعية نسائية كما زميلتيها بالرغم من وجود عشرات الجمعيات النسائية. لكن لو طُلب منها الترشيح لانتخابات محلية فلن تمانع مادام الامر من اجل العراق والعراقيين.
التغيير لعبة سياسية
سندس حاتم فاضل مديرة المكتبة المركزية بكلية الطب في جامعة كربلاء ومتخرجة في قسم المكتبات بالجامعة المستنصرية. تقول انها وعت على
الحروب منذ نعومة اظفارها؛ فكلما خرجنا من حرب دخلنا في اخرى. ولم نذق نحن النساء أي شيء جميل بعد المآسي التي مرت علينا وتحملناها بصبر ومجاهدة.
ابدى اهلها بعض الخوف من سفرها لكنها اقنعتهم بذلك وهي سعيدة جداجدا، كما قالت، بسفرها خارج العراق لغرض التدريب في علم المكتبات حيث استفادت وزميلاتها مافات طوال الفترة الماضية اذ فاجأتهن المعلومات والتقنيات الحديثة التي شاهدنها اثناء ورشة التدريب. ففي الوقت التي تحاول المكتبات العراقية استعادة حيويتها بعد اعمال السلب والنهب التي تلت سقوط نظام صدام سيكون ادخال التقنيات الحديثة امرا مفيدا جدا ومختصرا للوقت الذي يبذل من اجل احضار كتاب للقارئ حيث الرفوف باتت متحركة حسب الحاجة وهناك اجهزة مخصصة لحمل الكتب.
اما ماجرى في العراق فتنظر له كلعبة سياسية. وعليه فهي غير سعيدة وغير حزينة بالتغيير.
ـ هل الوضع ابان حكم صدام كان افضل؟
"كلا كلا طبعا. نحن لانريد نظام صدام ولكن لانريد الاحتلال ايضا. لذا نتمنى من (أصدقائنا الاميركان) ان لاتكون فترة اقامتهم طويلة لان العراقي يعرف كيف يتعامل مع مواطنه ويعلم دقائق الامور التي لايستطيع غير العراق الوصول اليها وتفهمها".
هي متفائلة كسواها من المشاركات والمشاركين في الورشة التدريبية. وترى ان المشاركة في الانتخابات فرض على كل عراقي وعراقية, وترى في الرئيس القادم ان يكون عراقيا حقيقيا ويمتاز بالعدل.
بعد انتهاء حديثي معهن كن ينتظرن السيارات التي ستوصلهن للعراق حيث اتفق عدد من زملائهن معهم في (كراج العراقيين) في منطقة السيدة زينب بريف دمشق. ودخلن في حديث عن الخشية من اغلاق الحدود بعد تصريحات لمسؤول عراقي عن عدم حزم دول الجوار العراقي عبر الحدود في الحد من تسلل الارهابيين.
فسالتهن: ان كان قدومكن من قبل معهد غوته والحكومة العراقية فلماذا لاتسافرن بالطائرة اختصارا للوقت وابعادا للقلق من مخاطر الطريق؟ فكان الجواب ان تكاليف السفر بالطائرة اغلى من السيارة كما تعلم. ترى لو تعرضت قافلتهن لحادث سير او لاعتداء ارهابي هل سيعوض الاقتصاد والتقشف الانتقائي الخسارة المحتملة؟




التعليقات